بَراغماتِيَّةُ البَقَاءِ… العَرَب يُدَافِعُونَ عن إيران
بَيْنَمَا كَانَتْ طُبُولُ الحَرْبِ تُقْرَعُ فِي أَرْوِقَةِ البَيْتِ الأَبْيَضِ، شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَحَرُّكًا دِبْلُومَاسِيًّا وُصِفَ بِـ«المَارَاثُون» لِمَنْعِ الرَّئِيسِ دُونَالْدِ تْرَامْبَ مِنْ تَنْفِيذِ تَهْدِيدَاتِهِ بِتَوْجِيهِ ضَرْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ حَاسِمَةٍ لِلدَّاخِلِ الإِيرَانِيّ.
هٰذَا التَّدَخُّلُ، الَّذِي قَادَتْهُ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٌ وَازِنَةٌ مِثْلَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ وَمِصْرَ، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ قَطَرَ وَسَلْطَنَةِ عُمَانَ، أَثَارَ تَسَاؤُلَاتٍ عَمِيقَةً حَوْلَ طَبِيعَةِ التَّحَوُّلَاتِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ؛ فَكَيْفَ تَحَوَّلَ «الخُصُومُ التَّارِيخِيُّونَ» لِطَهْرَانَ إِلَى «حَائِطِ صَدٍّ» يَمْنَعُ تَقْوِيضَ نِظَامِهَا عَسْكَرِيًّا؟
لَا تَكْمُنُ الإِجَابَةُ عَلَى هٰذَا التَّسَاؤُلِ فِي «تَغْيِيرِ القُلُوبِ» أَوِ انْتِهَاءِ العَدَاءِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ مَعَ المَشْرُوعِ الإِيرَانِيِّ، بَلْ فِي «بَراغْماتِيَّةِ البَقَاءِ» وَحِسَابَاتِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَحْكُمُ العَقْلَ السِّيَاسِيَّ العَرَبِيَّ المُعَاصِرَ. لَقَدْ أَدْرَكَتِ الرِّيَاضُ وَالقَاهِرَةُ أَنَّ تَكْلِفَةَ «الخَلَاصِ العَسْكَرِيِّ» مِنَ التَّهْدِيدِ الإِيرَانِيِّ عَبْرَ آلَةِ الحَرْبِ الأَمِيرِكِيَّةِ قَدْ تَكُونُ أَغْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ تَكْلِفَةِ التَّعَايُشِ مَعَ نِظَامٍ «مُشَاكِسٍ» وَلٰكِنْ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ.
الاسْتِقْرَارُ لِلِازْدِهَار
تَتَصَدَّرُ رُؤْيَةُ السُّعُودِيَّةِ 2030 قَائِمَةَ الأَسْبَابِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ لِهٰذَا التَّحَوُّلِ، فَالمَمْلَكَةُ الَّتِي تَخُوضُ غِمَارَ تَحَوُّلٍ اقْتِصَادِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ، تُدْرِكُ أَنَّ «الاسْتِقْرَارَ» هُوَ العُمْلَةُ الصَّعْبَةُ الَّتِي تَحْتَاجُهَا لِجَذْبِ الِاسْتِثْمَارَاتِ العَالَمِيَّةِ وَتَحْوِيلِ مُدُنِهَا إِلَى وَجْهَاتٍ سِيَاحِيَّةٍ وَتِكْنُولُوجِيَّةٍ رَائِدَةٍ. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ شَرَارَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ شَامِلَةٍ فِي الخَلِيجِ تَعْنِي تَحَوُّلَ المِنْطَقَةِ إِلَى «مِنْطَقَةٍ حَمْرَاءَ» فِي خَرَائِطِ شَرِكَاتِ التَّأْمِينِ وَالِاسْتِثْمَارِ العَالَمِيَّةِ، مِمَّا قَدْ يَنْسِفُ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ وَالبِنَاءِ فِي لَحَظَاتٍ. بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيَاضِ، لَمْ يَعُدِ الهَدَفُ هُوَ «تَدْمِيرَ الخَصْمِ» بِأَيِّ ثَمَنٍ، بَلْ «تَحْيِيدَ خَطَرِهِ» لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ قِطَارِ التَّنْمِيَةِ.
أَمَّا مِنَ المَنْظُورِ المِصْرِيِّ، فَإِنَّ الحِسَابَاتِ تَرْتَبِطُ بِشَكْلٍ وَثِيقٍ بِالأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ المُبَاشِرِ. فَمِصْرُ، الَّتِي تُعَانِي مِنْ ضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، تَنْظُرُ إِلَى قَنَاةِ السُّوَيْسِ كَشِرْيَانِ حَيَاةٍ لَا يَقْبَلُ المِسَاسَ. وَأَيُّ مُوَاجَهَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي الخَلِيجِ سَتُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى اشْتِعَالِ جَبَهَاتِ «الوُكَلَاءِ»، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الحُوثِيُّونَ فِي اليَمَنِ، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِغْلَاقِ مُضِيقِ هُرْمُزَ أَوْ تَهْدِيدِ المِلَاحَةِ فِي البَحْرِ الأَحْمَرِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ. هٰذَا السِّينَارِيُو يَعْنِي حِرْمَانَ الخَزِينَةِ المِصْرِيَّةِ مِنْ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ مِنْ رُسُومِ القَنَاةِ، وَهُوَ ثَمَنٌ لَا تَسْتَطِيعُ القَاهِرَةُ تَحَمُّلَهُ فِي الوَقْتِ الرَّاهِنِ.
المِظَلَّةُ الأَمِيرِكِيَّة
عَلَاوَةً عَلَى ذٰلِكَ، بَرَزَتْ حَقِيقَةٌ جِيُوسِيَاسِيَّةٌ جَدِيدَةٌ مُفَادُهَا أَنَّ «المِظَلَّةَ الأَمْنِيَّةَ الأَمِيرِكِيَّةَ» لَمْ تَعُدْ صَكًّا عَلَى بَيَاضٍ. فَالتَّجَارِبُ السَّابِقَةُ، ابْتِدَاءً مِنَ الهَجَمَاتِ عَلَى مُنْشَآتِ أَرَامْكُو فِي 2019، وُصُولًا إِلَى الِانْسِحَابِ مِنْ أَفْغَانِسْتَانَ، وَلَّدَتْ قَنَاعَةً لَدَى الحُلَفَاءِ العَرَبِ بِأَنَّ وَاشِنْطُنَ قَدْ تَبْدَأُ الحَرْبَ وَلٰكِنَّهَا قَدْ لَا تُنْهِيهَا، أَوْ قَدْ تَتْرُكُ حُلَفَاءَهَا يُوَاجِهُونَ تَبِعَاتِ الِانْتِقَامِ الإِيرَانِيِّ وَحْدَهُمْ.
الخُصُومَةُ مَعَ إِيرَانَ حَقِيقِيَّةٌ وَعَمِيقَةٌ، لٰكِنَّ الدُّوَلَ لَا تُدَارُ بِمَنْطِقِ الثَّأْرِ. السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ وَصَلَتَا إِلَى خُلَاصَةٍ وَاضِحَةٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ وَقُودًا لِحَرْبٍ أَمِيرِكِيَّةٍ–إِيرَانِيَّةٍ تُدَارُ مِنَ الجَوِّ، بَيْنَمَا تُدْفَعُ فَوَاتِيرُهَا عَلَى الأَرْضِ العَرَبِيَّةِ.
مَنْعُ الضَّرْبَةِ لَمْ يَكُنْ دِفَاعًا عَنْ إِيرَانَ، بَلْ مَنْعًا لِتَحْوِيلِ العَدَاءِ مَعَهَا إِلَى حَرْبٍ وُجُودِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ. تَجْرِبَةُ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ كَشَفَتْ وَاقِعًا مُقْلِقًا: وَاشِنْطُنَ تُغَيِّرُ أَوْلَوِيَّاتِهَا بِسُرْعَةٍ، وَالضَّمَانَاتُ الأَمْنِيَّةُ قَابِلَةٌ لِإِعَادَةِ التَّفْسِيرِ أَوِ التَّرَاجُعِ.
فِي حَالِ انْدِلَاعِ حَرْبٍ شَامِلَةٍ، مَنْ يَضْمَنُ أَلَّا تُتْرَكَ العَوَاصِمُ العَرَبِيَّةُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ؟ هٰذَا السُّؤَالُ كَانَ حَاضِرًا بِقُوَّةٍ فِي حِسَابَاتِ الرِّيَاضِ وَالقَاهِرَةِ، وَدَفَعَهُمَا إِلَى تَقْلِيصِ المُغَامَرَةِ بَدَلَ تَوْسِيعِهَا.
إِيرَانُ، بِامْتِلَاكِهَا تَرْسَانَةً مِنَ المُسَيَّرَاتِ وَالصَّوَارِيخِ البَالِيسْتِيَّةِ وَشَبَكَةً وَاسِعَةً مِنَ المِيلِيشِيَاتِ، قَادِرَةٌ عَلَى تَحْوِيلِ مُدُنِ الخَلِيجِ وَمُنْشَآتِهِ الحَيَوِيَّةِ إِلَى أَهْدَافٍ سَهْلَةٍ فِي حَالِ تَعَرُّضِهَا لِضَرْبَةٍ فِي العُمُقِ، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ تَحْذِيرَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتْرَامْبَ مِنْ أَنَّ «المِنْطَقَةَ بِرُمَّتِهَا سَتَدْفَعُ الثَّمَنَ».
إِيرَانُ لَيْسَتْ عِرَاقَ 2003
الذَّاكِرَةُ السِّيَاسِيَّةُ العَرَبِيَّةُ تَحْتَفِظُ بِدَرْسِ العِرَاقِ. دَوْلَةٌ سَقَطَتْ بِسُرْعَةٍ، لٰكِنَّ الإِقْلِيمَ دَفَعَ ثَمَنًا فَوْضَوِيًّا طَوِيلَ الأَمَدِ. إِيرَانُ مُخْتَلِفَةٌ جَذْرِيًّا: دَوْلَةٌ مُتَجَذِّرَةٌ اجْتِمَاعِيًّا وَمُؤَسَّسِيًّا، شَبَكَةُ نُفُوذٍ إِقْلِيمِيَّةٌ مُمْتَدَّةٌ (العِرَاقُ، سُورِيَا، لُبْنَانُ، اليَمَنُ)، وَقُدْرَةٌ عَلَى الرَّدِّ غَيْرِ المُتَمَاثِلِ تَرْفَعُ مِنْسُوبَ الِاسْتِنْزَافِ بَدَلَ الحَسْمِ.
تَفْكِيكُ إِيرَانَ بِالقُوَّةِ مُسْتَحِيلٌ، وَإِضْعَافُهَا عَسْكَرِيًّا قَدْ يُنْتِجُ وَحْشًا أَمْنِيًّا بِلَا مَرْكَزِ قَرَارٍ، أَخْطَرَ مِنْ خَصْمٍ يُمْكِنُ احْتِوَاؤُهُ.
نُضْجُ إِدَارَةِ الصِّرَاعَات
يَعْكِسُ هٰذَا المَوْقِفُ العَرَبِيُّ نُضْجًا فِي إِدَارَةِ الصِّرَاعَاتِ، حَيْثُ انْتَقَلَتِ العَوَاصِمُ الكُبْرَى مِنْ سِيَاسَةِ «الرِّهَانِ عَلَى القُوَّةِ الخَارِجِيَّةِ» إِلَى سِيَاسَةِ «تَصْفِيرِ المُشْكِلَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ» أَوْ عَلَى الأَقَلِّ إِدَارَتِهَا دِبْلُومَاسِيًّا.
لَمْ يَكُنْ مَنْعُ ضَرْبَةِ تْرَامْبَ دِفَاعًا عَنْ طَهْرَانَ، بَلْ دِفَاعًا عَنِ «المُسْتَقْبَلِ العَرَبِيِّ» الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ مُغَامَرَاتٍ عَسْكَرِيَّةً غَيْرَ مَحْسُوبَةِ النَّتَائِجِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ بَراغْماتِيَّةَ المَصَالِحِ بَاتَتْ تَتَقَدَّمُ عَلَى مَرَارَةِ العَدَاءِ التَّارِيخِيِّ فِي صِيَاغَةِ قَدَرِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ.



