ليست أزمة الدول المنقسمة في تنوّعها، بل في عجزها عن تنظيم هذا التنوّع داخل إطار وطني جامع، يحتكم الجميع فيه إلى مرجعية واحدة: الدولة. فعندما يصبح السلاح خارج المؤسسات، وتتحول القوة إلى أدوات متعددة الولاءات، يفقد الدستور معناه العملي، وتدخل الدولة تدريجيًا في مسار التآكل البطيء، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكليًا. في التجارب الحديثة، لم تسقط الدول فقط بفعل الحروب الخارجية أو الانهيارات الاقتصادية، بل سقطت أولًا عندما فقدت احتكارها الشرعي للقوة. فالدستور، مهما كان متقدمًا في نصوصه، لا يستطيع أن يحكم وحده إذا لم يكن مدعومًا بسلطة واحدة قادرة على فرض القانون بالتساوي على الجميع. وعندما تتعدد مراكز القوة، يصبح القرار الوطني موزعًا، والسيادة مجزأة، وتتحول المؤسسات إلى ساحات تسويات بدل أن تكون مرجعيات حاسمة. عدالة مهدّدة إن أخطر ما ينتجه تعدد مراكز القوة ليس فقط إضعاف المؤسسات، بل ضرب فكرة العدالة نفسها. فالمواطن لا يعود يشعر أن حقوقه مصانة بالقانون، بل بمقدار قربه من منظومة النفوذ الأقوى. وعندما تُختزل الحماية بالولاء، تتراجع المواطنة لصالح الانتماءات الضيقة، ويصبح الخوف هو المحرّك الأساسي للحياة السياسية. من هنا، لا يعود السلاح مجرد قضية أمنية، بل يتحول إلى مسألة بنيوية تمسّ شكل الدولة ووظيفتها. لأن وجود قوة موازية للدولة، مهما كانت مبرراتها، يخلق تلقائيًا ازدواجية في القرار والسيادة. فالدولة لا يمكن أن تكون قوية ونصف قرارها خارج مؤسساتها، ولا يمكن للاقتصاد أن ينهض في بيئة يغيب فيها الاستقرار السياسي الواضح، كما لا يمكن للمجتمع أن يبني ثقة طويلة الأمد بدولة لا تمتلك الكلمة الأخيرة في قضايا الحرب والسلم. skip render: ucaddon_material_block_quote نماذج مقلقة ولعل التجارب الإقليمية والدولية الحديثة تقدّم نماذج واضحة عن مخاطر ازدواجية السلاح داخل الدولة. ففي العراق، تحوّل الحشد الشعبي من قوة تأسست في ظروف استثنائية لمواجهة تنظيم داعش إلى لاعب عسكري وسياسي موازٍ للدولة، ما خلق إشكالية دائمة تتعلق بمرجعية القرار الأمني واحتكار القوة. ورغم دمجه قانونيًا ضمن مؤسسات الدولة، بقيت مسألة تعدد الولاءات وتداخل القرار بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة أحد أبرز تحديات السيادة العراقية. في السودان، وبعد سنوات من التعايش الهش بين كيانين عسكريين، انفجر الصراع المفتوح بينهما عام 2023، ليتحول الخلاف على النفوذ والسلاح إلى حرب مدمّرة هددت وحدة الدولة نفسها، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. أما في روسيا، فقد كشفت أزمة مجموعة فاغنر عام 2023 كيف يمكن لقوة عسكرية شبه مستقلة، حتى وإن كانت تعمل سابقًا تحت مظلة الدولة أو بالتنسيق معها، أن تتحول في لحظة توتر إلى تهديد مباشر لهيبة السلطة المركزية. فمحاولة التمرّد التي قادها يفغيني بريغوجين لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل إنذارًا واضحًا بمخاطر السماح بوجود قوى تمتلك السلاح والتنظيم خارج التسلسل العسكري التقليدي للدولة. صحيح أن لكل من هذه التجارب خصوصيتها التاريخية والسياسية، إلا أن القاسم المشترك بينها يبقى واحدًا: عندما يتعدد السلاح وتتداخل مراكز القوة، تصبح الدولة أكثر هشاشة، ويتحول الاستقرار إلى توازن مؤقت قابل للانفجار عند أول أزمة كبرى. لا اقتصاد ينهض، ولا مجتمع يطمئن، في دولة لا تملك الكلمة الأخيرة في قضايا الحرب والسلم المعضلة اللبنانية ولعل التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية تكشف بوضوح هذه المعضلة. فكلما ضعفت الدولة، تقدمت القوى الموازية لملء الفراغ؛ وكلما تمددت هذه القوى، ازداد ضعف الدولة. إنها حلقة مغلقة يتغذى فيها الانقسام على نفسه، إلى أن يصبح الانهيار الشامل نتيجة طبيعية لا استثناءً مفاجئًا. لكن مواجهة هذه الأزمة لا تكون بخطابات الغلبة أو مشاريع الإلغاء، لأن الدول لا تُبنى بالقهر الداخلي، بل بالشراكة العادلة. كما أنها لا تكون بإدارة الانقسام أو التعايش معه إلى ما لا نهاية، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة التي يشعر الجميع داخلها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن أمنهم لا يحتاج إلى ضمانات خارج الدستور. إن أي مشروع إنقاذي حقيقي يبدأ من استعادة المعنى السياسي للدولة: دولة تحتكر السلاح، تفرض القانون، تحمي الحريات، وتدير التعددية ضمن مؤسساتها لا خارجها. فالتنوّع في ذاته ليس تهديدًا، بل يمكن أن يكون مصدر غنى واستقرار حين يُدار ضمن عقد وطني واضح. أما حين يتحول إلى جزر سياسية وأمنية متقابلة، فإنه يضع البلاد أمام هشاشة دائمة، حيث تصبح كل أزمة داخلية قابلة للتحول إلى صراع وجودي. البعد العربي ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن البعد العربي للبنان. فالدولة اللبنانية، بحكم موقعها وتاريخها، لا تعيش في فراغ جيوسياسي. وكلما ابتعدت عن عمقها العربي، فقدت جزءًا من توازنها السياسي والاقتصادي، ودخلت أكثر في محاور الصراع الإقليمي. لذلك، فإن استعادة الدولة لا تعني فقط إعادة بناء المؤسسات داخليًا، بل أيضًا إعادة تثبيت موقع لبنان الطبيعي ضمن محيطه العربي، باعتبار هذا الانتماء عنصر استقرار لا عبئًا سياسيًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
«القانون لا يحمي المغفّلين». واقعٌ ينطبق على المأزق الذي وصل إليه البعض في صيدا، وداخل مجلسها البلدي تحديداً. ليس سرًا أنّ هذه البلدية تعاني، منذ ما قبل ولادتها، تشوّهات جينية لا أمل بعلاجها. فمنذ الأسبوع الأول، خرج هذا الفريق على الصيداويين بمشكلاته الكثيرة، والتي أكدتها الممارسات التي كرّست فكرة تفريخ رؤساء بلدية، لا رئيسًا أوحد، ليكون «كلٌّ على مزبلته صياح». بالحديث عن المزابل والنفايات، علمت «البوست» من مصادر متابعة أنّ أعضاء المجلس البلدي يعانون منذ أيام «صدمة الزوج المخدوع» مما قرؤوه في ردّ وزير المالية ياسين جابر في محاضر مجلس الوزراء على «الإخبارات» التي كانت قُدّمت بحق معمل النفايات في المدينة. فبعد «سنوات عجاف» من الشعبوية والعناوين الرنّانة والكلام في السياسة، تبيّن أنّ الواقع مغاير لحسابات البعض. من مشكلات المدينة الكثيرة أنّ العديد من طامحي العمل في الشأن العام، شأنهم شأن أجيال اليوم، يكرهون القراءة. وإن أُجبروا على ذلك، يفعلونه مُرغمين لا مستمتعين، ما يحرمهم من قدرة امتلاك الملف بكليته، وسبر أغواره، وفهمه. إنها لعنة «التيك توك»، قد يستجلب فيديو سخيف آلاف الـ«لايكات»، لكنه لا يصنع سينما. بعد سنوات من الأخذ والرد، تبيّن أنّ ملف مخالفات وتجاوزات معمل نفايات صيدا لم يكن حقيقيًا، أقله ليس كما كان يرّوج. هذا ما قالته الحكومة اللبنانية مجتمعة، لا حديث مقاهٍ أو خطابات شوارع أو كلام منابر وبيانات. في الصالونات السوداء اليوم تُحاك الاصطفافات، وتتموضع التحزّبات بين أعضاء المجلس البلدي الحالي، بعدما هالهم ما قرؤوه من ردّ رئيس البلدية على ما سيق بحق المعمل على مدى سنوات، ومطالبته بدفع كامل مستحقاته والإشادة بأدائه. أمرٌ اعتبره البعض بمثابة «خديعة» لما كان «يوحي» به الرئيس أمامهم، علماً أن ما قرؤوه في المحضر، يطابق تماما ما صرح به حجازي علانية مع وفد اتحاد البلديات حين زار المعمل ميدانيا منذ مدة. ليس من السهل تغطية “العورة” حين لا تجد حتى ورقة تين. فجأة، انهارت السرديات، والكلام عن مخالفات وتجاوزات وانتهاكات قيل إنّ المعمل وإدارته يرتكبانها منذ سنين، وتبين أن أفكار البعض ليست أحكاماً مبرمة. فكان لا بد من التصعيد في وجه «الصفعة المدوية»، أقلّه حفاظًا على ما تبقّى من مصداقية. وهكذا طلب بعض أعضاء البلدية من «الرئيس» توجيه إنذار إلى إدارة المعمل، أمرًا لم يقبل به، ما دفع عدداً منهم للاجتماع “في ليل” ومن وراء البحار، للتوقيع على عريضة إنذار باسمهم، وتسجيلها في قلم البلدية لإرسالها إلى المعمل، قافزين على رفض حجازي القيام بذلك، مع أنه لا قيمة فعلية لهكذا خطوة ولو تم توقيعها من قبل أكثرية الأعضاء، لأنها حصلت من خارج انعقاد المجلس أصولاً. من الجميل أن تكون طموحًا في الحياة، فأولئك الحالمون هم من يصنعون فرقًا في دنيانا. لكن البعض «لا يليق» لهم حتى الحلم، فكيف إذا كان غفلة. قد تتقاطع مصالح بعض أعضاء المجلس الحالي عند التخلّص من حجازي للجلوس مكانه، والبعض ليؤكد ما نادى به لسنين، والبعض لأسباب شخصية ونفسية ومنفعية ضيقة، لكن ما قد لا يعلمه الكثيرون أنّ كل هذا الجهد لا ينتج إلا حملًا كاذبًا. ففي قانون البلديات في لبنان، «الرئيس هو البلدية»، وكل ما عدا ذلك مجرد ديكور مكمّل لا يتعدّى كونه توصيات وتمنيات لا إلزامية فيها. ما يقرره الرئيس في الأمور الكبرى وحتى الصغيرة هو ما يؤخذ به، وقد قال كلمته بحق المعمل، بحسب ما وثّقته المحاضر الرسمية. المعضلة الحقيقية برأي عارفين أن أغلب الأعضاء غير ملمين بحدود دور العضو البلدي وصلاحياته وإمكانياته، وهذا ما يزيد من مسرحية “الفكاهة السوداء” التي نشاهدها منذ نحو عام. لذلك، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فحجازي باقٍ لسنتين إضافيتين. أما كل الجعجعة الحالية فلن تنتج طحينًا، بل مزيدًا من الأوهام والضرر للمدينة وأهلها، تمامًا كما «حزب المحرقة» الذي يحاول أحد الأثرياء المتربصين تشكيله للانقضاض على المعمل الحالي، حين تتاح الظروف. فبعض الناس، مهما علا شأنهم، تبقى طموحاتهم… نفايات. Ignorantia legis non excusat للحديث تتمّة…محرقة ومحروقين…
لم نتدخّل في موضوع قانون العفو العام منذ البداية، لأننا اعتبرنا أنّ العمل يجري على صياغة قانون وطني جامع، يفتح صفحة جديدة بين اللبنانيين، لا قانونًا يُفصَّل على قياس أشخاص معيّنين أو حالات محدّدة. لكن الخطير اليوم هو أن يتحوّل الاستثناء داخل هذا القانون إلى استهداف مباشر لفئة بعينها، بما يجعله يبدو كأنه موجّه ضد طائفة كاملة، وهذا أمر لا يمكن القبول به. فقانون العفو العام، كما يُطرح، يشمل جرائم مخدرات وجنايات ومبعدين، فكيف يمكن استثناء مجموعة دفعت أثمانًا باهظة خلال المرحلة الماضية، وعانت من ممارسات بات يعرفها الجميع، من أداء المحكمة العسكرية إلى طريقة إدارة الملفات الأمنية والقضائية في تلك المرحلة؟ هذه الفئة تعرّضت للظلم خلال سنوات طويلة، وظُلِمت أيضًا في مسار المحاكمات، واليوم تُظلَم مجددًا عند إقرار القانون، وكأن المطلوب إبقاء هذا الجرح مفتوحًا بلا أي معالجة وطنية حقيقية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهدف الأساسي من أي قانون عفو ليس تبرئة الأخطاء، بل معالجة آثار مرحلة كاملة، وخلق فرصة لإعادة لمّ الشمل الوطني، وتخفيف الاحتقان، وإقفال ملفات خلّفت انقسامات عميقة داخل المجتمع اللبناني. لذلك، من الخطأ تصوير النقاش كأنه مواجهة بين المؤسسة العسكرية وطائفة بعينها، أو الإيحاء بأن السُنّة ضد الجيش أو الجيش ضد السُنّة، وهذا كلام مرفوض وغير صحيح. المطلوب اليوم تبديد هذا الالتباس بالكامل، والالتفاف حول المؤسسة العسكرية، خصوصًا في ظل الدور الوطني الكبير المنتظر منها في المرحلة المقبلة، لأن الجيش يبقى مؤسسة جامعة لكل اللبنانيين، وليس طرفًا في أي انقسام داخلي. ثم إنّ السؤال المشروع يبقى قائمًا: إذا كان قد تم الإفراج عن إخوة سوريين محكومين في القضايا نفسها المرتبطة بـ«الموقوفين الإسلاميين»، فكيف يمكن تبرير استمرار استثناء اللبنانيين من أي معالجة قانونية عادلة ومتوازنة؟ إنّ هذا القانون، إذا أُقرّ بروحية وطنية حقيقية، يمكن أن يساهم في تضميد جرح كبير عانت منه طرابلس وصيدا، كما عانت منه بيئات واسعة داخل الطائفة السُنّية لسنوات طويلة. حين يتحوّل الاستثناء إلى استهداف… قانون العفو أمام اختبار العدالة skip render: ucaddon_box_testimonial