لم يكن كامي شوتان، رئيس الوزراء الفرنسي، يعتقد أن مرسومه الصادر عام 1938 سيبقى حاضرًا في الذاكرة العربية بعد قرابة قرن من الزمن. فقد اعتبر يومها اللغة العربية في الجزائر لغة أجنبية، وأخضع تعليمها لإذن من سلطات الاحتلال، في واحدة من أخطر المحاولات الاستعمارية لاقتلاع هوية شعب بأكمله. كان الاحتلال الفرنسي يدرك أن الجيوش تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الإنسان ما دام يحتفظ بلغته. ولذلك لم يكن استهداف العربية إجراءً تربويًا، بل كان مشروعًا سياسيًا متكاملًا لإنتاج جيل يفكر بعقل المستعمر، ويقرأ تاريخه بعين المستعمر، وينظر إلى ذاته كما يريد المستعمر. ولم تكن فرنسا استثناءً. فقد سلك الإيطاليون الطريق نفسه في ليبيا، وحاول البريطانيون تقليص حضور العربية في مصر والسودان. كان الجميع يدرك الحقيقة ذاتها: إسقاط اللغة هو أقصر طريق لإسقاط الهوية. لكن المفارقة الكبرى أن ما عجز عنه الاستعمار بقوانينه وسجونه، بدأ يتحقق اليوم في عدد من الدول العربية بأيدٍ عربية. skip render: ucaddon_material_block_quote تراجع حاد في لبنان، تبدو القضية أكثر تعقيدًا، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة باحتلال أجنبي، بل بغياب رؤية وطنية واضحة لموقع اللغة العربية داخل النظام التعليمي. فمنذ سنوات، تتراجع العربية تدريجيًا في عدد من البيئات التعليمية لصالح اللغات الأجنبية، حتى بات بعض الطلاب يتخرجون وهم أكثر قدرة على التعبير بالإنجليزية أو الفرنسية من قدرتهم على كتابة صفحة واحدة بالعربية السليمة. ولا تكمن الخطورة في تعلم اللغات الأجنبية، فهي ضرورة لا خلاف عليها، بل في تحويلها إلى معيار للتفوق، بينما تُختزل العربية في مادة مدرسية جامدة، لا ترتبط بالعلم ولا بالإبداع ولا بسوق العمل. وهنا تبدأ صناعة القطيعة بين الإنسان وهويته. إن أخطر ما يمكن أن تفعله المناهج ليس حذف درس أو إضافة مادة، بل إعادة تشكيل وعي الطالب. فالطفل الذي يُربّى على أن لغة النجاح هي لغة أجنبية، وأن العربية لا تصلح إلا لحصص القواعد والامتحانات، سيكبر وهو يحمل قناعة بأن التقدم يعني الابتعاد عن لغته، وأن الحداثة تبدأ بالتخلي عن جزء من هويته. وهذا ليس تطويرًا للتعليم، بل إعادة إنتاج لعقدة ثقافية عمرها أكثر من قرن. والمفارقة أن لبنان، الذي كان يُعرف بأنه عاصمة النشر العربي، ومركز الصحافة والثقافة والفكر، بات يواجه تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على مكانة العربية داخل مؤسساته التعليمية. ولا يمكن تجاهل أن تفاوت السياسات بين المدارس، واختلاف أولويات التعليم، يفتحان نقاشًا مشروعًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على اللغة الوطنية. الاستعمار حارب العربية بالقانون… ونحن نحاصرها بالمدارس الثقة المفقودة إن الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار لم تحقق ذلك لأنها تخلت عن لغاتها. اليابان لم تتقدم بالإنجليزية، وألمانيا لم تبنِ جامعاتها بالفرنسية، والصين لم تجعل مستقبلها مرهونًا بلغة غيرها. كلها انفتحت على العالم، لكنها فعلت ذلك من موقع الثقة بلغتها، لا من موقع الشعور بالنقص تجاهها. أما في عالمنا العربي، فقد أصبح بعض الآباء يفاخرون بأن أبناءهم لا يجيدون العربية، وكأن الجهل باللغة الأم شهادة تميز اجتماعي. وأصبحت أسماء المؤسسات والإعلانات وقوائم المطاعم تتزاحم فيها اللغات الأجنبية، بينما تتراجع العربية في الفضاء العام، لا بقرار رسمي، بل بثقافة استهلاكية رسخت فكرة أن اللغة الأجنبية تمنح مكانة أعلى. هنا تتجاوز القضية حدود المدرسة لتصبح قضية دولة. فالمناهج ليست كتبًا فقط، بل هي مشروع وطني لصناعة المواطن. وإذا خرج الطالب من اثني عشر عامًا من التعليم وهو يشعر بالغربة عن لغته، فإن الخلل لم يعد في الطالب، بل في الفلسفة التي صاغت هذا التعليم. لا يحتاج لبنان إلى حرب على اللغات الأجنبية، بل إلى ثورة حقيقية في تعليم العربية؛ ثورة تجعلها لغة علم وتقنية وبحث وإبداع، لا مجرد لغة محفوظات. فاللغات لا تتصارع عندما تكون الدولة واثقة من هويتها، وإنما تتصارع عندما تغيب الرؤية، ويصبح التعليم أسيرًا لاعتبارات السوق أكثر من كونه مشروعًا لبناء الإنسان. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل مسؤول تربوي وكل واضع للمناهج: هل كان شوتان سيحتاج إلى إصدار قانونه لو رأى أن بعض المجتمعات العربية باتت، من دون إكراه، تُضعف حضور العربية بنفسها؟ ربما لا. فالمستعمر كان يحتاج إلى جيش، وإلى سجون، وإلى قوانين، وإلى رقابة حتى يفرض لغته. أما اليوم، فإن ما عجز عنه بالسلاح، قد يتحقق أحيانًا عبر مناهج تعليمية غير متوازنة، وثقافة اجتماعية تخلط بين الانفتاح والتخلي عن الذات. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليست أزمة لبنان الاقتصادية محصورة بانهيار العملة، أو إفلاس المصارف، أو عجز الدولة عن تنفيذ الإصلاحات، فهذه كلها نتائج لأزمة أعمق تتمثل في الطريقة التي صاغ بها المجتمع اللبناني مفهوم العمل والنجاح الاقتصادي على مدى عقود. فمنذ السنوات الأولى في المدرسة، يُلقَّن الطفل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن مستقبله مرهون بالحصول على شهادة جامعية تعقبها وظيفة مستقرة، وأن الراتب الشهري هو الغاية التي يجب أن تدور حولها حياته. ومع مرور السنوات، تتحول هذه الفكرة إلى عقيدة اجتماعية لا تقبل النقاش، حتى يصبح التفكير خارج إطار الوظيفة أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة، رغم أن الاقتصاد العالمي تغيّر جذريًا، وأصبحت الثروة تُصنع بطرق لم تكن موجودة قبل عقدين فقط. ولعل القصة الرمزية للفيل الذي يُربط منذ صغره بحبل ضعيف تختصر هذه الحالة النفسية والاقتصادية بدقة. فالفيل الصغير يحاول مرارًا أن يقطع الحبل، لكنه يفشل بسبب ضعف قوته، ومع تكرار الفشل يقتنع بأن التحرر مستحيل. وعندما يكبر ويصبح قادرًا على اقتلاع الأشجار وتحطيم الصخور، يبقى واقفًا أمام الحبل نفسه، ليس لأن الحبل قوي، وإنما لأن القيد الحقيقي لم يعد في ساقه، بل في عقله. وهذه الصورة تنطبق، إلى حد بعيد، على أجيال كاملة في لبنان تربّت على أن الوظيفة هي الطريق الوحيد للأمان، وأن كل محاولة لبناء مشروع، أو استثمار فكرة، أو خوض تجربة مستقلة، تنتهي بالخسارة والإفلاس. skip render: ucaddon_material_block_quote المشكلة ليست في الوظيفة بحد ذاتها، فالوظيفة كانت وما زالت خيارًا كريمًا لملايين البشر، وهي ضرورة لأي اقتصاد سليم، لكنها في لبنان تحولت إلى ثقافة احتكارية ألغت كل الخيارات الأخرى. فأصبح الشاب يقضي أكثر من ستة عشر عامًا في التعليم، لا ليكتشف قدراته، أو يبتكر مشروعًا، أو يصنع قيمة اقتصادية، وإنما ليقف في نهاية المطاف في طابور طويل بانتظار فرصة عمل قد لا تأتي أصلًا. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا ممن يحصلون على هذه الفرصة يكتشفون سريعًا أن الراتب لم يعد يكفي لمواجهة تكاليف الحياة، وأن الاستقرار الذي وُعدوا به لم يكن سوى وهم آخر في سلسلة طويلة من الأوهام الاقتصادية. واقع جديد لقد أنتج الانهيار المالي في لبنان واقعًا غير مسبوق؛ فالقطاع العام أصبح عاجزًا عن استيعاب الموظفين، والقطاع الخاص تقلّص بصورة كبيرة، والاستثمارات تراجعت، فيما تستمر الجامعات في تخريج آلاف الشباب وفق نموذج اقتصادي لم يعد موجودًا. وما يزيد المفارقة قسوة أن النظام التعليمي لا يزال يهيّئ الطلاب لسوق عمل تقليدية، بينما ينتقل العالم بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، والاقتصاد الرقمي، والعمل الحر، وريادة الأعمال، حيث أصبحت الحدود الجغرافية أقل أهمية من المهارة والابتكار. ولو تأملنا في قصص النجاح اللبنانية حول العالم، لاكتشفنا أن معظمها لم يولد داخل وظيفة حكومية أو في مؤسسة تقليدية، بل نشأ من مبادرات فردية، ومشروعات خاصة، وشركات ناشئة استطاعت أن تتحول إلى علامات تجارية عالمية. فالعقل اللبناني أثبت في الخليج وأوروبا وأميركا وأفريقيا أنه يمتلك قدرة استثنائية على الابتكار والتكيّف، لكن هذه القدرة كثيرًا ما تصطدم داخل لبنان بثقافة اجتماعية ترى في الوظيفة نهاية الطريق، لا بدايته. إن أخطر ما يواجه الاقتصاد اللبناني اليوم ليس فقط هجرة الرساميل، بل هجرة العقول التي فقدت ثقتها بإمكانية بناء مستقبلها داخل وطنها. فالطبيب والمهندس والمبرمج والمصمم والصحافي لا يغادرون لأنهم يفتقرون إلى الكفاءة، بل لأن البيئة الاقتصادية لا تمنحهم فرصة لتحويل كفاءاتهم إلى مشاريع منتجة وقادرة على النمو. لذلك، فإن أي حديث عن إنقاذ الاقتصاد اللبناني سيظل ناقصًا إذا اقتصر على إصلاح النظام المصرفي، أو إعادة هيكلة الدين العام، أو جذب الاستثمارات الخارجية، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه. فالمطلوب أن يتحول التعليم من مصنع لإنتاج طالبي وظائف إلى بيئة تُخرّج صانعي فرص، وأن تتجه السياسات العامة إلى تشجيع ريادة الأعمال، وتسهيل تأسيس الشركات الصغيرة، وتوفير التمويل للمشروعات الناشئة، ودمج مهارات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والعمل عن بُعد في المناهج التعليمية، حتى يصبح الشاب اللبناني قادرًا على المنافسة في السوق العالمية، لا أسيرًا لسوق محلية تعاني الانكماش. إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه لبنان على نفسه اليوم ليس: كم وظيفة جديدة يستطيع أن يوفّر؟ بل: كم رائد أعمال يستطيع أن يصنع؟ وكم شركة ناشئة يمكن أن تتحول إلى مصدر لتوظيف الآخرين؟ فالدول التي حققت قفزات اقتصادية لم تفعل ذلك لأنها وظّفت جميع مواطنيها، بل لأنها خلقت بيئة أنتجت شركات ومبتكرين ومصدّرين للمعرفة والتكنولوجيا. إن قصة الفيل ليست مجرد حكاية عن حبل ضعيف، بل هي وصف دقيق لمجتمع قد يقبل، من دون أن يشعر، بقيود صنعها الخوف أكثر مما صنعتها الوقائع. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، كما أن اجتماع ثلاث دول تختلف في جغرافيتها ومصالحها وحساباتها الاستراتيجية تحت عنوان واحد هو «الدفاع المشترك» لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الاتفاقيات الأمنية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية. ما جرى في مكة في السابع من أغسطس 2026 يحمل، في توقيته وأطرافه ومضمونه، رسالة تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، وتقول إن ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي بدأت تبحث عن صيغة جديدة للأمن لا تقوم بالكامل على المظلات الخارجية التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مكوّنات قوة فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ليست دولًا هامشية في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة؛ السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الديني والسياسي في العالم الإسلامي، وتركيا تمتلك جيشًا من أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي، وصناعة دفاعية صاعدة، وقدرة متزايدة على التأثير في ملفات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية تجعلها مختلفة جذريًا عن معظم الدول الإسلامية. وعندما تجتمع هذه المكوّنات الثلاثة في إطار دفاعي ينص على أن الاعتداء على دولة منها هو اعتداء على الدولتين الأخريين، فإن السؤال الطبيعي يصبح: هل نحن أمام اتفاق دفاعي محدود، أم أمام محاولة لبناء نواة لنظام أمني إقليمي جديد؟ اللافت أن الاتفاق لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه، في سبتمبر 2025، توقيع السعودية وباكستان اتفاقًا استراتيجيًا للدفاع المشترك، تعهّد بموجبه الطرفان بالتعامل مع أي عدوان على أحدهما باعتباره عدوانًا على الآخر، وهو ما منح العلاقة العسكرية بين الرياض وإسلام آباد إطارًا أكثر وضوحًا مما كان عليه الحال في السابق. كما شهد العام الحالي تطورات عسكرية عززت الطابع العملي لهذه العلاقة، بما في ذلك وصول قوات وطائرات باكستانية إلى السعودية في إطار التعاون الدفاعي المشترك. skip render: ucaddon_material_block_quote دخول تركيا لكن دخول تركيا إلى المعادلة يغيّر الحسابات بصورة كبيرة. فأنقرة ليست مجرد حليف عسكري لإسلام آباد أو شريك سياسي للرياض، بل دولة عضو في الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية باتت لاعبًا مهمًا في الأسواق العالمية، كما أن لديها نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر في ملفات تمتد من سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط. ولذلك، فإن وجود تركيا إلى جانب السعودية وباكستان يجعل الاتفاق أكثر تعقيدًا من أن يُفهم باعتباره مجرد «تحالف إسلامي» بالمعنى التقليدي. إنها محاولة، ربما، للجمع بين المال والطاقة والموقع الديني السعودي، والقوة الصناعية والعسكرية التركية، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، في إطار واحد يمكن أن يمنح أطرافه مساحة أكبر للمناورة أمام القوى الكبرى. الأسئلة الصعبة وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الصعبة. هل يستطيع هذا الاتفاق أن يتحول إلى حلف دفاعي فعلي على غرار حلف شمال الأطلسي؟ وهل يعني مبدأ «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» التزامًا عسكريًا آليًا بإرسال القوات والسلاح، أم أنه سيبقى صيغة سياسية قابلة للتأويل بحسب طبيعة الهجوم والظروف الدولية؟ وما حدود الاتفاق؟ وهل يشمل الاعتداءات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، أم أنه يقتصر على الحرب التقليدية؟ وهل توجد قيادة عسكرية مشتركة، أو خطط عمليات موحّدة، أو قواعد لاستخدام القوة، أم أن التفاصيل ما زالت في مرحلة التفاهم السياسي؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، لأنها تحدد الفرق بين اتفاق سياسي ذي قيمة رمزية وتحالف عسكري قادر بالفعل على تغيير قواعد اللعبة. ومع ذلك، فإن مجرد ولادة الاتفاق في هذه اللحظة يحمل دلالة سياسية واضحة. فالشرق الأوسط لم يعد يعيش في البيئة الأمنية التي كانت قائمة قبل سنوات. الثقة بالمظلات الأمنية التقليدية أصبحت أكثر تعقيدًا، والدول الإقليمية باتت أكثر إدراكًا لحقيقة أن القوى الكبرى قد تكون حاضرة بقوة في لحظة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها في لحظة أخرى. ومن هنا يأتي السعي المتزايد لدى دول المنطقة إلى بناء قدرات ذاتية وشبكات أمنية متعددة بدل الاعتماد على حليف واحد. تنوّع الشراكات السعودية، تحديدًا، تبدو في السنوات الأخيرة أكثر رغبة في تنويع شراكاتها الدولية. فهي لا تريد أن تكون علاقتها بالولايات المتحدة هي الباب الوحيد الذي تدخل منه إلى النظام الدولي، كما أنها وسّعت علاقاتها مع الصين وروسيا وقوى آسيوية وأوروبية، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقاتها الأمنية مع واشنطن. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق مع تركيا وباكستان باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الخيارات، لا بالضرورة قطع الجسور مع الغرب. أما تركيا، فتبدو معنية ببناء مساحة نفوذ مستقلة نسبيًا داخل العالم الإسلامي، خصوصًا في ظل امتلاكها أدوات قوة ناعمة وصلبة في آن واحد. وهي تدرك أن صناعاتها الدفاعية، من الطائرات المسيّرة إلى الأنظمة الإلكترونية والصواريخ، تمنحها ورقة نفوذ اقتصادية وسياسية تتجاوز صادرات السلاح نفسها. دخولها في اتفاق دفاعي مع الرياض وإسلام آباد قد يفتح أيضًا آفاقًا جديدة للتعاون الصناعي والتقني والتسليحي بين الدول الثلاث. أما باكستان، فإن المعادلة بالنسبة إليها أكثر وضوحًا؛ فهي تمتلك القوة العسكرية والقدرات النووية، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية عميقة، فيما تمثل السعودية بالنسبة إليها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا بالغ الأهمية، وتمثل تركيا شريكًا دفاعيًا وسياسيًا متناميًا. ولذلك، يمكن لإسلام آباد أن ترى في الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، خصوصًا في ظل حساسياتها المستمرة مع الهند وحاجتها إلى توسيع شبكة علاقاتها الاستراتيجية. لكن من الخطأ اختزال الاتفاق في مواجهة طرف بعينه. قد يذهب البعض مباشرة إلى القول إن «اتفاق مكة» موجّه ضد إيران، أو ضد الهند، أو ضد إسرائيل، أو ضد النفوذ الأميركي، لكن مثل هذه القراءة السريعة قد تكون مضللة. الاتفاق، في صيغته المعلنة، يتحدث عن الردع المشترك والدفاع والأمن والاستقرار، ولم يحدد عدوًا بعينه. والقوة الحقيقية لأي تحالف دفاعي لا تُقاس بعدد الخصوم الذين يسمّيهم، بل بقدرته على بناء منظومة تجعل أي خصم يفكر مرتين قبل اختبارها. وهنا تكمن أهمية العبارة الأساسية في الاتفاق: «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع». هذه العبارة وحدها كافية لإعادة رسم بعض الحسابات العسكرية في المنطقة، لأن أي دولة تفكر في توجيه ضربة إلى إحدى الدول الثلاث عليها، نظريًا على الأقل، أن تضع في حساباتها رد فعل دولتين أخريين؛ إحداهما قوة نووية، والأخرى قوة عسكرية إقليمية كبرى، والثالثة دولة ذات موارد اقتصادية هائلة وموقع استراتيجي وديني استثنائي. السعودية وتركيا وباكستان… التحالف الذي قد يغيّر معادلات المنطقة الردع الحقيقي لكن الردع لا يقوم على الكلمات وحدها. الردع يحتاج إلى قدرة عسكرية، وإلى إرادة سياسية، وإلى آليات تنفيذ، وإلى وضوح في تعريف الاعتداء، وإلى ثقة متبادلة بين الحلفاء. وهذه هي النقطة التي ستحدد مستقبل «اتفاق مكة». فالتاريخ مليء بالمعاهدات التي كانت تبدو قوية على الورق، ثم اكتشف العالم، عند أول اختبار حقيقي، أن التحالفات لا تُقاس بما يوقّعه القادة في القاعات