تسوية بالنار… أم استنزاف بلا أفق؟
ليس تفصيلًا أن تُعقد الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، اليوم وغدًا، فيما الجنوب اللبناني لا يزال تحت النار، والغارات لا تتوقف، والقرى الحدودية تتحول، يومًا بعد يوم، إلى مساحات مدمّرة يصعب على أهلها العودة إليها.
فالمشهد لا يوحي بأن هناك مسارًا تفاوضيًا يسير بالتوازي مع الحرب، بقدر ما يوحي بأن الحرب نفسها أصبحت جزءًا من التفاوض، وأداة ضغط ميدانية تُستخدم لإنتاج وقائع سياسية وأمنية جديدة قبل تثبيتها على طاولة المفاوضات.
كسر نهج كامل
البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية في 8 أيار لم يكن بيانًا عابرًا. فاللغة التي استُخدمت فيه حملت دلالات واضحة، خصوصًا حين تحدثت واشنطن عن “كسر نهج العقدين الماضيين”، وعن إنهاء البيئة التي سمحت لـ“الجماعات المسلحة” بترسيخ نفوذها داخل لبنان.
هذه ليست صياغة مرتبطة فقط بتثبيت وقف إطلاق النار، بل إعلان سياسي مباشر بأن الولايات المتحدة ترى في المفاوضات الحالية فرصة لإعادة صياغة التوازن اللبناني، أمنيًا وسياسيًا، تحت عنوان “استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة”.
والأهم من البيان نفسه، هو هوية الرجل الذي يدير الملف من الجانب الإسرائيلي. فرون ديرمر ليس مجرد مستشار سياسي لبنيامين نتنياهو، بل هو الشخصية التي تُستدعى عادة إلى الملفات الكبرى، تلك التي تتجاوز حدود التفاوض التقني أو الأمني الضيق. حضوره في هذا الملف يعني أن ما يجري لا يتعلق فقط بالحدود أو الهدنة، بل بمستقبل الجنوب اللبناني، وربما بموقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية المقبلة.
تفاوض تحت النار
المفارقة أن واشنطن تدفع باتجاه تسريع المفاوضات قبل 17 أيار، موعد انتهاء الهدنة الحالية، فيما يواصل الكيان الإسرائيلي عملياته العسكرية بوتيرة مرتفعة. وهذا التناقض لا يبدو عرضيًا، بل يكشف طبيعة المقاربة الأميركية – الإسرائيلية المشتركة: التفاوض من موقع الضغط الميداني، لا من موقع التهدئة.
حتى الحديث عن “منطقة اقتصادية” في الجنوب لا يمكن فصله عن هذه الرؤية. فمشاريع الإعمار والتنمية تُطرح هنا بوصفها جزءًا من ترتيبات أمنية أوسع، لا كمجرد خطة إنقاذ للجنوب أو تعويض لأهله. بمعنى آخر، يجري ربط إعادة الحياة إلى القرى الحدودية بإعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي فيها.
شروط “اليوم التالي”
ما تريده تل أبيب لا يبدو غامضًا. هناك تصور واضح لمنطقة عازلة تمتد عدة كيلومترات داخل الجنوب اللبناني، مع دور أوسع للجيش اللبناني شمال الليطاني، مقابل استمرار حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية جنوبه، إلى حين التأكد من تثبيت معادلة أمنية جديدة.
وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل لا تتصرف على أساس أن الحرب انتهت، بل على أساس أن هذه المرحلة هي الأنسب لفرض شروط “اليوم التالي” بالقوة العسكرية، قبل تحويلها إلى بنود سياسية على طاولة التفاوض.
بهذا المعنى، لا تبدو الغارات مجرد خروقات أو رسائل ردعية، بل جزءًا من عملية ضغط منظمة تهدف إلى جعل أي اتفاق مقبل انعكاسًا للميزان العسكري القائم على الأرض، لا نتيجة تفاوض متكافئ بين طرفين.
أضعف لحظاته
في المقابل، يدخل لبنان هذه المفاوضات من موقع بالغ الهشاشة. الدولة تحتاج إلى وقف الحرب بأي ثمن تقريبًا، الاقتصاد يقترب أكثر من حافة الانهيار، والمجتمع اللبناني يعيش انقسامًا حادًا حول الحرب نفسها، وحول شكل التسوية الممكنة، وحدود التنازلات المقبولة.
لذلك، لا يجري التفاوض الحالي من موقع توازن، بل من موقع محاولة احتواء الخسائر ومنع انهيار أوسع. فلبنان لا يملك ترف المناورة، ولا قدرة فعلية على فرض شروطه، بل يحاول، في أحسن الأحوال، تقليص حجم الأثمان السياسية والأمنية التي قد تُفرض عليه.
ورغم ذلك، لا يبدو أن واشنطن تريد انهيار الدولة اللبنانية بالكامل. على العكس، هناك إدراك أميركي وغربي بأن أي فراغ شامل في لبنان سيُنتج فوضى يصعب ضبطها، وقد يفتح الباب أمام انفجار إقليمي أوسع. من هنا تأتي المقاربة المزدوجة: ضغط عسكري وأمني من جهة، وإبقاء مؤسسات الدولة قائمة وقادرة على التفاوض من جهة أخرى.
لكن النقطة الأكثر خطورة تبقى في الرهان اللبناني الداخلي على المفاوضات الأميركية – الإيرانية. فجزء من القوى السياسية لا يزال يتصرف على أساس أن طهران ستفرض، في نهاية المطاف، تسوية تحمي “حزب الله” وتمنع أي تغيير جذري في المعادلة اللبنانية.
غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أساسية: إسرائيل الحالية لا تبدو مستعدة لمنح الحزب أي صورة يمكن تقديمها كانتصار سياسي أو عسكري، حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل مسارات التفاوض، أو إلى مواجهة ضغوط أميركية وأوروبية متزايدة.
منذ بداية الحرب، أثبتت حكومة نتنياهو أنها مستعدة للذهاب بعيدًا في التصعيد لمنع تكريس أي معادلة تُظهر أن الحزب خرج من المواجهة محتفظًا بموقعه السابق، أو بشرعية سلاحه جنوب الليطاني. لذلك، فإن الاعتقاد بأن المفاوضات الأميركية – الإيرانية وحدها ستنتج تسوية مريحة للبنان يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى القراءة الواقعية للمشهد.
في الخلاصة، لا تبدو واشنطن كأنها تفاوض فقط على وقف نار، ولا يبدو الكيان الإسرائيلي كأنه يخوض حربًا هدفها الردع وحده. ما يجري فعليًا هو محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة في لبنان بعد الحرب، عبر مزيج من النار والدبلوماسية والضغط الاقتصادي والسياسي.
