ليس النقاش اليوم مع شعبٍ أو قوميةٍ أو تاريخٍ بعينه، بل مع مشروعٍ سياسيٍّ توسّعيٍّ استخدم النفوذ والأذرع والميليشيات لزعزعة استقرار أكثر من بلد عربي. فالمشكلة ليست في الهويات، ولا في الأمم، ولا في الشعوب التي تتكوّن منها المنطقة، بل في السياسات التي تُبنى على التدخل، وتغذية الانقسامات، واستثمار الفوضى لمراكمة النفوذ. لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أنّ أيّ مشروع خارجي يدخل إلى الدول العربية تحت عناوين الحماية أو الدعم أو المساندة، ثم يتحوّل إلى وصاية على القرار الوطني، إنما يترك وراءه مؤسساتٍ أضعف، ومجتمعاتٍ أكثر انقسامًا، ودولًا أكثر هشاشة. وما شهدته دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن يقدّم أمثلةً واضحة على كلفة التدخلات الإقليمية حين تتقدّم المصالح الاستراتيجية على سيادة الدول واستقرار شعوبها. ماذا قالت الأمم عن الفرس ( Persian ) في أمثالها: مثل أرمني: الفارسي إذا لم يمكنه قتل أحد قتل أباه. مثل فرنسي: الفارسيون مروا من هنا، فكل شيء خراب. مثل صربي: كل البشر يعملون في بناء الأرض وعمارتها إلا الفرس فإنهم يهدمون . مثل أوكراني : الدجاجة ليست من الطيور، والفرس ليسوا من البشر . مثل عربي : من الممكن أن يتعلم الجمل الطيران ، وليس ممكنا أن يتعلم الفارسي محبة الآخرين . مثل بلغاري : حيث تدعس قدمُ فارسيٍّ ، لا ينبتُ عشبٌ أخضر جميل. مثل روماني : إذا باض الديك أصبح الفارسي إنساناً . مثل آشوري : للشيطان وجوه عديدة ، أحدها وجه فارسي . مثل يوناني : إذا تحدث الفارسي عن السلام فاعلم أن الحرب قادمة . وهذا وصفهم كما جاء في رسالة للمقداد رضي الله عنه رداً على كتاب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي طلب فيه من المقداد إخباره عن الفرس ومن هم، فقال المقداد : إنهم علوج عجاف، ونعاج ضعاف، سيدهم القوي وعبدهم الضعيف، يلبسون الخيانة، وينزعون الأمانة، تنقصهم الأخلاق والمروءة، وتلهو بهم الأهواء، وتسوسهم النساء لا عهد لهم ولا ذمة ولا وفاء، أهل غدر ومكر ودهاء، لا تعرف رأسهم من الذنب، إذا شددت عليهم أرخوا لك، وإذا أرخيت لهم شدوا عليك أولئك الفرس.. فكيف بمن هو ذيل للفرس؟ ما حلت إيران الفارسية في بلد عربي الا ودمرته! وخير شاهد على هذا الكلام ما يحدث في لبنان و سوريا و العراق واليمن… صدق الفاروق عمر بن الخطاب حين قال: “ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا ينفذون إلينا ولا ننفذ اليهم .”
لكلّ هذا، وأكثر، نرفضكم.لأنكم لا تشبهون معنى الدولة، ولا منطق الحياة المشتركة، ولا قيم العيش الإنساني.لأنكم أينما دخلتم خرّبتم، وأينما حضرتم زرعتم الفوضى والانقسام..لأنكم تعتاشون على السفسطة والفوضى، ولا مكان في مشروعكم لأيّ حياةٍ إنسانيةٍ متحضّرة.لأنكم تهدرون الدماء، وتصنّفون الناس، وتحتفلون بما تزعمون أنّكم تعادونه.شعب مفصوم…
ليس الجميعُ كلُّه للوطن، يا لبنان.هكذا يجب أن يُقال، بلا مواربةٍ ولا تزيين. فالنشيدُ الذي يُردَّد كلَّ صباحٍ في المدارس، وتُرفع معه الأيدي إلى الصدور، لم يَعُد يصف الحقيقة، بل يُجمّلها. بين الكلمات والواقع مسافةٌ بحجم الخيبة، وبين “كلّنا” و”ما نحن عليه” فجوةٌ تتّسع مع كلِّ حرب. في كلِّ مواجهةٍ، ينكشف المستور. يتبيّن أنّ في شعبك من لا يعنيه حجمك، ولا يهمّه ما يتكسّر من حدودك، ولا ما يُسفك من دمائك. يحبّون أوطانًا أخرى أكثر، ينتمون إلى خرائط خارجك، ويقيمون ولاءهم حيث تُرسَم المصالح، لا حيث تُحفَظ الكرامة. فيك من يبيع أرضك، لا بالضرورة في سوقٍ علني، بل في صفقاتٍ صامتة، في تواطؤٍ مموّه، في صمتٍ أخطر من الخيانة نفسها. ليس الكلُّ لبنان. وهذه ليست مبالغة، بل توصيفٌ دقيق. فيك من جرّدك من الأمان، ومن جعل الخوف مقيمًا دائمًا في بيوت أبنائك. فيك من استبدل الوطن بالدولة، والدولة بالطائفة، والطائفة بالزعيم، حتى تاه المعنى، وصار الانتماء طبقاتٍ متراكبة، لا تصل، في كثيرٍ من الأحيان، إلى لبنان. تعدّدت الدول في داخلك، وتكاثرت الأديان والعقائد والخرائط، حتى بدا كأنّك أكثر من بلد، أو أقلّ من وطن. كلُّ فريقٍ يحمل لبنان الخاصّ به، يراه من زاويته، ويدافع عنه بقدر ما يخدم روايته. أمّا لبنان الجامع، فبقي فكرةً مؤجّلة، أو حنينًا يُستدعى في الخطابات. ومع ذلك، حين يُذكر الجنوب، تتغيّر النبرة. هناك شيءٌ مختلف، شيءٌ أقرب إلى الحقيقة. الجنوب ليس شعارًا، بل امتحانٌ دائم. منه خرج رجالٌ، سابقًا عبر التاريخ، لم يكتفوا بالكلام، بل جعلوا الفعل معيارهم الوحيد. سيوفهم حاضرة، وأقلامهم شاهدة، ودمهم ليس رقمًا في نشرات الأخبار، بل قصّةٌ تُكتب في التراب وتبقى. لكن حتى هذا الجنوب، لم يسلم من التوظيف، ولا من الاستغلال. رُفع اسمه حينًا ليُغطّى على فشل الداخل، واستُخدم حينًا آخر كورقةٍ في صراعاتٍ أكبر منه. ومع ذلك، بقي فيه من يحرس الحدود، ومن ارتقى ليحرس السماء. بقي فيه من يلبّي نداء الوطن بلا حسابات، ومن يواجه الفتن التي ساورت البلاد، فيما آخرون فقدوا الحياء، أو تخلّوا عنه طوعًا. الجنوب قلب لبنان، نعم، لكن القلب لا يكفي إذا كان الجسد منهكًا. حماه شعبه عبر الزمن، لا لأنّ الدولة كانت حاضرة، بل لأنّ الغياب كان سيعني النهاية. في البرّ والبحر، واجه احتلالًا لم يُخفِ أطماعه، فردّ عليه أبناؤه كلَّ مرّة، لا بالشعارات، بل بالفعل. كرامة هذا الجنوب لم تُصنع في الخطب، بل في دماء من ارتقوا دفاعًا عن كلِّ شبر. أرزه لم يكن مجرّد رمز، بل شاهدًا على صمودٍ طويل. مقاومته، مهما اختلفت حولها القراءات، كانت في لحظاتٍ كثيرة خطَّ الدفاع الأخير، حين تراجع الآخرون أو انشغلوا بحساباتهم. وفيك، يا لبنان، من نطق بالحقّ عابرًا للطوائف، رافضًا أن يُختصر الوطن في هويّةٍ ضيّقة. للأسف، أغلبهم مقيَّدٌ معنويًّا أو مسجونٌ جسديًّا. وفيك أيضًا من سقط في الامتحان، فانكشفت هشاشته، وتبيّن أنّ مواقفه كانت ظرفيّة، لا مبدئيّة. لم تحمِكَ الأكثريّة يومًا، بل تلك القلّة التي عرفت معنى أن يكون الوطن مسؤوليّة. أمّا الباقون، فتوزّعوا بين من خُدع، ومن خدع، ومن رضي بالذلّ، أو اعتاده حتى صار جزءًا من يوميّاته. ليس الجميع للوطن، وهذه ليست دعوةً لليأس، بل محاولةٌ لإعادة تعريف الحقيقة، أو لإعادة تأليف نشيدٍ وطنيٍّ جديد، بلحنٍ جديد… فحين نعترف أنّ فينا من يبيع الوطن، يصبح السؤال: من يشتريه؟ ومن يبقى ليحمله حين يسقط من أيدي الآخرين؟