لم يكن لبنان يوماً جزيرةً معزولةً في شرق المتوسّط، ولم تُبنَ تجربته السياسية والاقتصادية والثقافية على الانكفاء أو الانفصال عن محيطه العربي. فمنذ نشأة الدولة اللبنانية الحديثة، شكّلت العروبة المعتدلة ركيزةً أساسيةً في تثبيت الاستقرار الوطني، وفي بناء علاقات لبنان الاقتصادية والسياسية مع أشقائه العرب، وفي توفير شبكة أمان استراتيجية حمت البلاد في أصعب الظروف. على امتداد عقود، أثبتت التجربة أن قوة لبنان لم تكن في موقعه الجغرافي فحسب، بل في قدرته على الجمع بين خصوصيته الوطنية وانتمائه العربي. فكلما تعزّزت علاقاته العربية، ازدهر اقتصاده، واستقطب الاستثمارات، وازداد حضوره الدبلوماسي، واستعاد دوره الثقافي والمالي في المنطقة. وكلما ابتعد عن هذا العمق، دخل في دوّامات العزلة والأزمات والتراجع. ثقة ومشروع لقد دفع لبنان أثماناً باهظة عندما تحوّلت بعض القوى السياسية إلى مشاريع تتجاوز الدولة، وتضع مصالح المحاور الإقليمية فوق المصلحة الوطنية. ومع مرور الوقت، تراجعت ثقة الأشقاء العرب بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بمبدأ النأي بالنفس واحترام السيادة العربية، فخسر لبنان تدريجياً جزءاً من موقعه الطبيعي كجسر تواصل بين الشرق والغرب، وبين العالم العربي والمجتمع الدولي. في المقابل، مثّل مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري نموذجاً واضحاً لفهم العلاقة بين لبنان وعروبته. فقد أدرك أن ازدهار لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال شراكة متينة مع الدول العربية، وأن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى عمقه الخليجي والعربي كما يحتاج إلى انفتاحه الدولي. لذلك ارتبطت مرحلة إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي بعودة لبنان إلى الحضن العربي، واستعادة الثقة العربية والدولية به. من هذا الإرث الوطني والعربي انطلق تيار المستقبل، حاملاً مشروع الدولة القوية، والمؤسسات الشرعية، والاعتدال السياسي، والعلاقات الأخوية مع الدول العربية. لم يكن التيار يوماً مجرد قوة سياسية داخلية، بل شكّل جسراً بين لبنان ومحيطه العربي، ودافع عن فكرة أن العروبة ليست شعاراً أيديولوجياً، بل خياراً سيادياً يحمي لبنان من العزلة، ويمنحه عناصر القوة والاستقرار. لعب تيار المستقبل دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة الاعتدال ومواجهة مشاريع التطرّف والانقسام، وفي الدفاع عن اتفاق الطائف باعتباره الصيغة التي أنهت الحرب الأهلية وأعادت تثبيت هوية لبنان العربية. كما ساهم في تعزيز حضور لبنان في المحافل العربية والدولية، وحافظ على شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية التي خدمت مصالح اللبنانيين في الداخل والاغتراب. skip render: ucaddon_material_block_quote ترسيخ حقيقة اليوم، وبعد سنوات من الأزمات المتراكمة والانهيار الاقتصادي والتوترات الإقليمية، تتأكد مجدداً حقيقة أساسية: لا يمكن للبنان أن يستعيد توازنه بعيداً عن عمقه العربي. فالعالم العربي لم يكن يوماً عبئاً على لبنان، بل كان دائماً شريكاً في نهوضه واستقراره. والاستثمارات العربية، والسياحة العربية، والدعم السياسي العربي، كلها عناصر أساسية في أي مشروع إنقاذ وطني. إن استعادة لبنان لدوره الطبيعي تبدأ بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها الشرعية، وبالتمسك باتفاق الطائف، وبإحياء أفضل ما في التجربة اللبنانية القائمة على الانفتاح والاعتدال والتوازن. كما تبدأ بإعادة بناء الثقة مع الأشقاء العرب على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة الوطنية. لقد أثبتت الأحداث أن لبنان يربح عندما يكون عربياً في انتمائه، مستقلاً في قراره، ومنفتحاً على العالم. ويخسر عندما يتحوّل إلى ساحة لصراعات الآخرين، أو منصة لمشاريع لا تشبه هويته وتاريخه. لذلك تبقى العروبة شبكة الأمان السياسية والاقتصادية التي يحتاجها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتبقى القوى التي حملت هذا المشروع، وفي مقدمتها تيار المستقبل، جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة وإعادة وصل لبنان بمحيطه الطبيعي، بما يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة. فرصة لاستعادة الموقع العربي تشهد المنطقة اليوم تحوّلات استراتيجية قد تعيد رسم موازين القوى والعلاقات الإقليمية، وفي مقدمتها التفاهم الأميركي ـ الإيراني الذي تم التوصل إليه هذا الأسبوع، والذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من خفض التوترات وإعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط. ورغم أن نتائج هذا الاتفاق لا تزال مرتبطة بآليات التنفيذ والتفاهمات اللاحقة، إلا أنه يحمل دلالة سياسية مهمة تتمثل في انتقال المنطقة من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التسويات وإدارة المصالح. في هذا السياق، يجد لبنان نفسه أمام فرصة تاريخية للخروج من موقع ساحة الصراعات إلى موقع الدولة القادرة على الاستفادة من مناخ التهدئة الإقليمي. فكلما تراجعت حدة الاستقطاب بين القوى الإقليمية، ازدادت الحاجة إلى دولة لبنانية قوية وموحدة، تحتكر قرارها السيادي، وتعيد بناء علاقاتها العربية والدولية على أسس واضحة ومتوازنة. حين تعود بيروت إلى العرب… يستعيد لبنان توازنه الموقف التركي كما تكتسب المواقف الإقليمية المستجدة أهمية خاصة، ومن بينها ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مشكوراً، عندما أكد أن «أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت»، في إشارة تعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن استقرار لبنان لم يعد شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار في المشرق كله. وإذا كان من الممكن أن تختلف القراءات السياسية لهذه التصريحات، فإن ما يستحق التوقف عنده هو تضمين بيروت في معادلة الأمن الإقليمي، وإبراز مكانة لبنان ودوره في استقرار المنطقة. وهو موقف يمكن للبنان أن يثمّنه من زاوية التأكيد على أهمية سيادته واستقراره ووحدة أراضيه، وعلى ضرورة أن يحظى بالدعم العربي والإقليمي والدولي الذي يساعده على تجاوز أزماته واستعادة دوره التاريخي كمنصة للحوار والتلاقي، لا كساحة للنزاعات. تؤكد المتغيرات الحالية أن العالم يتجه نحو التسويات لا المواجهات، ونحو بناء الشراكات لا تكريس المحاور. ومن هنا تبرز أهمية المشروع الذي دعا دائماً إلى ربط لبنان بعمقه العربي وبشبكة علاقاته الطبيعية مع محيطه، لأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة الدول المنعزلة، بل مرحلة الدول القادرة على توظيف موقعها وعلاقاتها لخدمة مصالح شعوبها. اليوم، وفي ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من التفاهمات الدولية والإقليمية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة تثبيت البوصلة الوطنية اللبنانية. فلبنان لا يستطيع التأثير في المتغيرات الكبرى، لكنه قادر على الاستفادة منها إذا امتلك دولة قوية، وقراراً وطنياً مستقلاً، وعلاقات عربية متينة. skip render: ucaddon_box_testimonial
في السياسة الدولية، لا يكون الانتصار دائماً نهاية الصراع، بل قد يكون بداية الاختبار الأصعب. فبعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، تبدو طهران اليوم في موقع مختلف تماماً عن ذلك الذي كانت عليه عشية المواجهة. الدولة التي دخلت الحرب مثقلةً بالأزمات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية والضغوط الدولية، خرجت منها محتفظةً بنظامها السياسي، وبأهم ورقة استراتيجية امتلكتها منذ قيام الجمهورية الإسلامية: القدرة الفعلية على تهديد حركة التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. غير أن المعضلة التي تواجه القيادة الإيرانية اليوم لا تتعلق بكيفية الانتصار في الحرب، بل بكيفية إدارة السلام الذي أعقبها. من الهزيمة العسكرية إلى المكسب الجيوسياسي عندما اندلعت المواجهة، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات العسكرية ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ملفها النووي وسلوكها الإقليمي. لكن ما حدث كان معاكساً إلى حدّ بعيد. فبدلاً من إخضاع إيران، انتهت الحرب إلى تكريس حقيقة جديدة: أي هجوم واسع على الجمهورية الإسلامية بات يحمل معه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، الشريان الذي تمرّ من خلاله نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية. ولهذا لم يعد النفوذ الإيراني قائماً فقط على الصواريخ أو الشبكات الإقليمية، بل على قدرة طهران على التأثير الفوري في الأسواق العالمية. إنها قوة ردع مختلفة، أقل تكلفة وأكثر تأثيراً من كثير من الأدوات العسكرية التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote اتفاق هش يؤجل الانفجار مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين واشنطن وطهران نجحت في تثبيت وقف إطلاق النار، وفتحت الباب أمام فترة تفاوضية تمتد ستين يوماً، لكنها لم تحسم القضايا الجوهرية. فالمسائل الأكثر حساسية، من مستقبل البرنامج النووي إلى آليات رفع العقوبات وإدارة مضيق هرمز، تم ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية تاريخية. وتكمن المشكلة في أن الطرفين يفتقران إلى الثقة المتبادلة. الإيرانيون لا ينسون انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، فيما لا تزال واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها خصماً استراتيجياً طويل الأمد، وليس شريكاً يمكن بناء تفاهمات مستقرة معه. لذلك تبدو احتمالات الوصول إلى اتفاق شامل خلال المهلة المحددة محدودة للغاية. نقطة القوة التي قد تتحول ضعفاً السؤال المركزي اليوم لا يتعلق بالبرنامج النووي بقدر ما يتعلق بمضيق هرمز. فبعد الحرب، بدأت إيران تتصرف باعتبارها صاحبة اليد العليا في الممر البحري الأهم في العالم، عبر إنشاء آليات جديدة لإدارته، والتلويح بفرض رسوم وقيود على حركة الملاحة الدولية. ومن وجهة النظر الإيرانية، يبدو هذا منطقياً؛ فالحرب خلّفت أضراراً اقتصادية ضخمة، والقيادة الإيرانية تريد ترجمة مكاسبها الاستراتيجية إلى عائدات مالية ونفوذ سياسي دائم. لكن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة خطيرة، فقوة هرمز بالنسبة إلى إيران لا تكمن في استخدامه، بل في القدرة على استخدامه. بمعنى آخر، قيمة المضيق كرادع استراتيجي تستند إلى التهديد بإغلاقه عند الضرورة، لا إلى تحويله إلى مصدر دخل أو أداة ابتزاز اقتصادي يومي. فكلما توسعت طهران في فرض الرسوم والقيود، زادت الحوافز لدى خصومها وحلفائها على السواء للبحث عن بدائل دائمة تقلل أهمية المضيق وتضعف تأثيره المستقبلي. العالم لن يقبل “خصخصة” هرمز لا تقتصر الاعتراضات على الولايات المتحدة وإسرائيل، فدول الخليج، والصين، والهند، والاتحاد الأوروبي، تعتمد بدرجات متفاوتة على انسياب التجارة والطاقة عبر هذا الممر الحيوي. ومن غير المرجح أن تقبل هذه القوى بتحويل أحد أهم الممرات البحرية الدولية إلى منطقة خاضعة لرسوم سياسية أو ترتيبات أحادية الجانب. بل إن أي محاولة إيرانية لفرض واقع جديد قد تؤدي إلى تسريع مشاريع الطاقة وخطوط النقل البديلة، وهو ما سيقوّض تدريجياً الأهمية الاستراتيجية التي منحها المضيق لإيران بعد الحرب. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حاولت طهران استثمار هرمز مالياً، ازدادت احتمالات تآكل قيمته الجيوسياسية. إيران وهرمز… حين يصبح الانتصار عبئاً استراتيجياً فخ الثقة المفرطة قبل أشهر فقط، كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أنهما تمتلكان زمام المبادرة الاستراتيجية. واليوم تبدو إيران في الموقع ذاته تقريباً. لكن التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أخطر لحظات الدول ليست لحظات الضعف، بل لحظات الشعور المفرط بالقوة. فالولايات المتحدة وإسرائيل أخطأتا عندما افترضتا أن الحرب ستنتج استسلاماً إيرانياً. أما إيران فتواجه الآن خطر الوقوع في الخطأ نفسه إذا اعتقدت أن مكاسبها الحالية تسمح لها بإعادة صياغة قواعد الملاحة والتجارة الدولية وفق شروطها الخاصة. بين الردع والهيمنة المعادلة التي تواجه طهران بسيطة نظرياً، لكنها شديدة التعقيد عملياً: هل تريد استخدام مضيق هرمز كضمانة أمنية تمنع الحروب المستقبلية، أم كأداة نفوذ اقتصادي وسياسي مباشر؟ الجمع بين الهدفين قد يكون مستحيلاً. فكلما تحول المضيق إلى أداة هيمنة، تراجعت فعاليته كوسيلة ردع. ولهذا قد يكون أكبر إنجاز يمكن لإيران تحقيقه بعد الحرب هو الامتناع عن استخدام أقوى أوراقها. فالقوة الحقيقية لا تكمن دائماً في تشغيل السلاح، بل في إبقائه حاضراً في الحسابات من دون الحاجة إلى إطلاقه. skip render: ucaddon_box_testimonial
في تحوّل سياسي وديبلوماسي بالغ الأهمية، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصّل إلى اتفاق سلام أنهى نحو أربعة أشهر من المواجهة العسكرية التي هزّت الشرق الأوسط، ودفعت أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي إلى حافة اضطراب واسع. وهو اتفاق وُصف بأنه أحد أبرز الاختراقات السياسية في المنطقة منذ سنوات، ليس فقط لأنه أوقف الحرب، بل لأنه فتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة والنفوذ. وجاء الإعلان تتويجاً لمسار تفاوضي شاق ومعقّد قادته باكستان، بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين، على أن تُستكمل مراسم التوقيع الرسمية خلال الأيام المقبلة في سويسرا، بما يمنح الاتفاق بعداً دولياً واضحاً ويضع الأطراف أمام اختبار الالتزام العلني بما تم التوصل إليه خلف أبواب المفاوضات. من الحرب إلى التفاهم لا يقتصر الاتفاق الجديد على وقف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، بل يؤسس لمرحلة سياسية مختلفة، تتضمن وقفاً دائماً للأعمال القتالية على مختلف الجبهات المتصلة بالنزاع، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، التي تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أخطر نقاط الاحتكاك الإقليمي. وبحسب المعطيات الأولية، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة كاملة، مقابل إنهاء الولايات المتحدة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، في خطوة يُتوقع أن تنعكس سريعاً على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، وأن تخفف جزءاً من الضغوط التي راكمتها الحرب على الاقتصاد الدولي. كما يفتح الاتفاق الباب أمام جولة تفاوضية تمتد ستين يوماً حول البرنامج النووي الإيراني، الملف الذي ظل لعقود جوهر الصراع بين البلدين. وتراهن طهران على أن تقود هذه المرحلة إلى رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، في مقابل التزامات وضمانات تتصل بطبيعة برنامجها النووي ومستقبله وآليات الرقابة عليه. skip render: ucaddon_material_block_quote حسابات ترامب لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأشهر الماضية، رغبته في إنهاء المواجهة مع إيران، بعدما بدأت الحرب تُلقي بثقلها على الداخل الأميركي من خلال ارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الانتقادات داخل قاعدته السياسية، وتصاعد المخاوف من الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة. وفي حديثه عن الاتفاق، شدد ترامب على أنه يتضمن تعهداً إيرانياً بعدم امتلاك أسلحة نووية، مؤكداً أن ملف المواد النووية والتفتيش الدولي سيُستكمل في مراحل لاحقة من التفاوض. كما أوضح أنه لا يرى أولوية لتغيير النظام في إيران، معتبراً أن القيادة الحالية أظهرت قدراً من البراغماتية يسمح بالتعامل معها، خلافاً لما واجهته الإدارات الأميركية السابقة من تصلّب في مراحل مختلفة. بهذا المعنى، يبدو أن واشنطن اختارت، في هذه اللحظة، منطق إدارة الخطر لا إسقاط النظام، والتسوية لا المواجهة المفتوحة، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب أن كلفة التصعيد لا تطال إيران وحدها، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية ومصالح الحلفاء. لبنان يعقّد المشهد ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت الإعلان، فإن الساعات التي سبقت الاتفاق شهدت توتراً حاداً بفعل التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» على الجبهة اللبنانية، ما أعاد التذكير بأن أي تفاهم أميركي ـ إيراني يبقى هشاً ما لم ينجح في ضبط الساحات الإقليمية المتصلة بالنزاع. فلبنان، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى إحدى ساحات الضغط المتبادل، سيكون أحد الاختبارات الأولى لجدية الاتفاق. إذ لا يكفي وقف النار بين واشنطن وطهران إذا بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة على احتمالات الانفجار، أو إذا استُخدمت كورقة تفاوضية في مراحل لاحقة. وعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الاتفاق، لا تزال المعارضة الداخلية في أكثر من عاصمة تمثل تحدياً جدياً أمام تنفيذه. ففي إيران، يواجه وزير الخارجية عباس عراقجي انتقادات من التيار المحافظ والمتشدد، الذي يتهمه بتقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة. كما حذرت شخصيات نافذة في المؤسسة الأمنية الإيرانية من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في المسار التفاوضي برمته. أما في إسرائيل، فتتحدث تقارير عن تحفظات داخل الحكومة على بنود الاتفاق، وسط مخاوف من أن يؤدي رفع الضغوط عن إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي مستقبلاً. في المقابل، يتعرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لانتقادات متناقضة من خصومه وحلفائه، بين من يرى أن الاتفاق يمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها، ومن يعتبر أن واشنطن باتت تقيّد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في لبنان. اختبار التنفيذ ورغم الاحتفاء الدولي بالاتفاق، فإن الطريق نحو سلام مستدام لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاح التفاهم الجديد لن يُقاس بلحظة الإعلان عنه، بل بقدرة الأطراف على تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية، وبمدى قدرتها على منع الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، من التحول مجدداً إلى نقاط اشتعال تعرقل المسار الديبلوماسي. فالملفات المؤجلة أكثر تعقيداً من وقف النار نفسه: البرنامج النووي، العقوبات، مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، أمن الملاحة في الخليج، ودور إسرائيل في المرحلة المقبلة. وكل واحد من هذه الملفات قادر، إذا أُسيء التعامل معه، على إعادة المنطقة إلى مربع التصعيد. وبينما تتجه الأنظار إلى مراسم التوقيع المرتقبة في سويسرا، يقف الشرق الأوسط أمام سؤال حاسم: هل يكون هذا الاتفاق بداية مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب المصالح، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع ظل لعقود أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وتأثيراً على النظام الدولي؟ الثابت حتى الآن أن أربعة أشهر من المواجهة لم تنتهِ فقط بوقف النار، بل فتحت الباب أمام خريطة سياسية جديدة. أما ما إذا كانت هذه الخريطة ستقود إلى استقرار طويل، أو إلى جولة أخرى من الصراع بأدوات مختلفة، فذلك سيتوقف على ما سيجري بعد التوقيع، لا على ما قيل عند إعلان الاتفاق.