في لحظةٍ عالمية يتصاعد فيها القلق بشأن جدوى التعليم العالي، برزت تجارب صينية تمنح درجة الدكتوراه مقابل ابتكار منتج ملموس، فهزّت المسلّمات الأكاديمية التقليدية لم يعد الباحث هناك مطالباً بتكديس مئات الصفحات التي قد لا يغادر أثرها رفوف المكتبات، بل بتقديم أثرٍ قابلٍ للقياس في الواقع: نظام يعمل، أو تقنية تُستخدم، أو منتج يدخل السوق. تحوّل السؤال من «ماذا كتبت؟» إلى «ماذا غيّرت؟». هذا التحول ليس مجرد تعديلٍ إداري في منظومة التعليم، بل تعبير عن فلسفة أعمق في فهم وظيفة المعرفة. ففي التجربة الصينية، لا تُقاس قيمة البحث بكمّ الاستشهادات أو عدد الصفحات، بل بقدرته على حل مشكلة صناعية أو مجتمعية قائمة. ومنذ إصلاحات بدأت قبل نحو عقد وتكثّفت تشريعياً في الأعوام الأخيرة، أُعطيت الجامعات مرونة غير مسبوقة لتقييم الباحثين على أساس الإنجاز التطبيقي. جامعات كبرى مثل جامعة تسينغهوا نسجت شبكات شراكة عميقة مع عشرات الشركات، فانتقل طلاب الدراسات العليا من قاعات المحاضرات إلى ورش التصميم ومختبرات التطوير، حيث تولد براءات الاختراع جنباً إلى جنب مع الرسائل العلمية، لا بعدها. طقوس بلا أثر بالنسبة للعالم العربي، يطرح هذا النموذج سؤالاً وجودياً أكثر منه تربوياً: لماذا تظل آلاف الرسائل العلمية حبيسة الأدراج، فيما تتحول جامعات شرق آسيا إلى محركات ابتكار اقتصادي؟ الفجوة هنا ليست في الذكاء ولا في الطموح الفردي، بل في بنية مؤسسية تجعل البحث طقساً شكلياً أكثر منه أداة تغيير. كثير من طلاب الدراسات العليا في جامعات عربية يروون تجارب متشابهة: سنوات تُستنزف في تنسيق المراجع، وإرضاء أذواق إشرافية، وتضخيم صفحات، بينما يُهمّش السؤال المركزي: ما المشكلة التي نحلّها؟ وما القيمة التي نضيفها؟ بهذا المعنى، لا تعاني بعض البيئات الأكاديمية العربية من «شحّ المصادر» بقدر ما تعاني من تفريغ الباحث من دوره الخلّاق. تتحول الرسالة إلى نصٍ مُؤدّى لا فكرة مُكتشفة، وتصبح لجنة المناقشة محكمةً إجرائية أكثر منها فضاءً علمياً للنقاش. النتيجة ما يمكن تسميته «أبحاثاً ميتة»: جهود حقيقية، لكنها تنتهي إلى أرشيف مغلق، بلا أثر اقتصادي أو اجتماعي يُذكر. إنها معرفة بلا دورة حياة. المشكلة ليست في عدد الصفحات التي نكتبها، بل في عدد المشكلات التي نحلّها لا يكفي الاستنساخ ومع ذلك، فإن استنساخ النموذج الصيني حرفياً قد يكون وهماً جديداً. فنجاح الصين لم ينبثق من قرار أكاديمي معزول، بل من منظومة صناعية كثيفة، وتمويل مستدام، وسياسة وطنية تعتبر الابتكار أداة سيادة. هناك طلب صناعي حقيقي على الحلول، وشركات قادرة على استيعاب مخرجات البحث، وثقافة مؤسسية تعرف كيف تُحوّل الأفكار إلى منتجات. في بيئة لا تمتلك قاعدة صناعية ناضجة، قد يؤدي تحويل الدكتوراه إلى «منتج» إلى مخرجات ضعيفة علمياً وصناعياً معاً: منتجات بلا عمق معرفي، وأبحاث بلا سوق. ليست المعضلة العربية إذن في «شكل الدكتوراه» بل في «اقتصاد المعرفة» الذي يحتضنها. العلاقة بين الجامعة والصناعة ما تزال هشة في معظم الدول العربية؛ كثير من الشركات لا تمتلك تقاليد بحث وتطوير، ولا تعرف كيف تُعرّف احتياجاتها التقنية للجامعات، فيما تبقى الجامعات أسيرة مؤشرات نشر وترقية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي. هكذا تستمر الحلقة المفرغة: لا طلب صناعي لأن لا ثقة في البحث، ولا بحث تطبيقي لأن لا طلب صناعي. بداية دورة حياة جديدة على الرغم من ذلك، تلوح إشارات مختلفة في بعض التجارب العربية الحديثة، حيث بدأت جامعات بإنشاء حاضنات تقنية ومراكز نقل معرفة، وتمويل مشاريع ابتكارية بالشراكة مع القطاعين الصناعي والتقني. هذه المبادرات، وإن كانت محدودة النطاق، تكشف أن التحول ممكن حين تتغير الحوافز. حين يُكافأ الباحث على الأثر لا على الشكل، وتُقيَّم الجامعة بقدرتها على حل مشكلات الاقتصاد لا بعدد مجلدات مكتبتها، تبدأ دورة حياة جديدة للمعرفة. السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في التعليم العالي العربي ليس ما إذا كان ينبغي منح الدكتوراه على أساس منتج، بل كيف يمكن بناء منظومة تجعل المنتج نتيجة طبيعية للبحث، لا بديلاً قسرياً عنه. المطلوب ليس «إلغاء الأطروحة» بل إعادة تعريفها: أطروحة تُختبر في المصنع كما تُناقش في القاعة، وتُقاس قيمتها بما تضيفه من معرفة قابلة للتطبيق والتراكم معاً. الجامعة بين المعرفة والاقتصاد ربما الدرس الأهم من التجربة الصينية ليس في الإجراء، بل في الجرأة على طرح السؤال المحرج: ما وظيفة الجامعة في القرن الحادي والعشرين؟ هل هي معبدٌ للحفظ الأكاديمي؟ أم مختبرٌ لإنتاج القوة الاقتصادية؟أم فضاءٌ لصياغة وعيٍ نقديٍّ يحمي المجتمع من السقوط في تبعية معرفية جديدة؟ من الأطروحة إلى الأثر.. إعادة تعريف الجامعة إذا كانت الإجابة هي إنتاج معرفة تغيّر الواقع، فإن العالم العربي لا يحتاج إلى استيراد نموذج بعينه، بل إلى شجاعة مؤسسية تعيد ربط الجامعة بحياة المجتمع واقتصاده. عندها فقط يمكن أن تُبعث الحياة في «الأبحاث الميتة» — لا بقرار إداري، بل بتحول حضاري في معنى العلم نفسه.
من المؤسف أن يقع مثقف واسع الاطلاع ضحية آلية اقتطاع دعائي مبتذل، وأن تختزل جملة قيلت في سياق الاستشهاد إلى عبارة مبتورة توحي بتبن مباشر لمقولة لم تقل. ولا خلاف على أن هذا الأسلوب في صيد الاستفزاز صار جزءا من اقتصاد المشاهدات، وأن القنوات تعرف تماما أين تضع السكين، في بداية الجملة أو نهايتها. وقد بيّن وسام سعادة أكثر من مرة أن ما حدث جرى بغير علمه، وقد شكا ضعف المهنية والاحتراف لدى هذه القناة. والجملة التي أثارت جدلا هي اقتباس من ساطع الحصري، إذ اعتبر أن العصر الذهبي للعرب هو عصر الجاهلية، لكن القناة عند الإعلان عن الحلقة اقتطعت ذكر ساطع الحصري، فظهر وسام سعادة كأنه يقول رأيه.وبما أن الموضوع أثار جدلا، فربما تكون هذه مناسبة لشرح بعض المسائل المعروفة في مجال الدراسات الإسلامية، والتي قد لا تكون واضحة للقارئ غير المتخصص، وقد وردت ضمن النقاط التي أثيرت. الجاهلية كمفهوم إن التفكير في مفهوم الجاهلية ذاته أمر مشروع ومهم دون شك. فمن الممكن قراءة النص القرآني على أن الجاهلية ليست توصيفا زمنيا فحسب، بل حالة سلوكية وقيمية قد تتجاوز التحقيب التاريخي الضيق. والتفريق بين الجاهلية كمفهوم أخلاقي، والجاهلية كمرحلة تاريخية في شبه الجزيرة العربية، مسألة تستحق الدراسة الهادئة بعيدا عن التوظيف السياسي أو الشعاراتي. والبحث في هذا الباب يمكن أن يكون إضافة معرفية حقيقية. وفي التراث الإسلامي ما يوضح هذه الدلالة بجلاء، كما في الحديث المعروف حين عيّر الصحابي أبو ذر رجلا بأمه لأنها كانت أعجمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. هذا السياق يبين أن المسألة ليست مسألة تحقيب زمني فقط، بل سلوك وقيم. طه حسين وحدود المنهج أما قضية الأديب العربي الكبير طه حسين فهي محطة مهمة في تاريخ الفكر العربي الحديث. كان منهجه قائما على الشك التاريخي في مصادر الرواية العربية المبكرة، وهو توجه تأثر فيه بجو نقدي شائع في دراسات ذلك الزمن. ورأى أن كثيرا مما نسب إلى العصر الجاهلي صيغ في عصور لاحقة لخدمة اعتبارات لغوية أو قبلية أو سياسية. غير أن الإشكال ظهر عندما انتقل هذا المنهج من التشكيك في نصوص أدبية إلى مساءلة البنية التاريخية التي تتصل، مباشرة أو غير مباشرة، ببعض الروايات الإيمانية. ففي بعض المواضع بدت قراءته وكأنها تفصل بين المعطى الديني بوصفه إيمانا، وبين المعطى التاريخي بوصفه مادة قابلة للفحص والنقد، وهو ما فُهم عند كثيرين على أنه يمس شخصيات دينية مذكورة في القرآن، مثل إبراهيم وإسماعيل، لا من باب الإنكار العقدي المباشر، بل من باب مساءلة السرد التاريخي المرتبط بهما. هنا كان جوهر الإشكال، أي حدود النقد التاريخي حين يلامس الذاكرة الدينية الجماعية. وهذه مسألة فكرية معقدة تتعلق بعلاقة المنهج التاريخي بالنصوص المؤسسة، وليست مسألة دفاع عن الجاهلية بوصفها عصرا ذهبيا. باتريشيا كرون ودور مكة التجاري أما في ما يخص باتريشيا كرون، فقد ناقشت في كتابها الصادر عام 1987 الصورة الاقتصادية التي رسمت لمكة في بعض الدراسات الكلاسيكية، خاصة تلك التي اعتبرتها مركزا رئيسيا في شبكة تجارة عالمية بين اليمن والشام. اعتمدت كرون على تحليل مسارات التجارة المعروفة في المصادر الكلاسيكية، وخلصت إلى أن الدور التجاري المنسوب إلى مكة قد يكون أقل مما صورته السيرة التقليدية أو بعض المستشرقين السابقين، مثل مونتغمري وات. غير أن أطروحتها لم تُستقبل كحقيقة نهائية، بل واجهت نقدا منهجيا واسعا من حيث قراءة الأدلة، ومن حيث الاستنتاجات الجغرافية. أي أننا أمام فرضية جريئة ضمن حقل بحثي حي، لا أمام نتيجة محسومة. والبحث في نشأة الإسلام اليوم شديد التنوع والتعقيد، ويصعب اختزاله في أطروحة واحدة. حرية النقاش وفي النهاية تبقى حرية التفكير والنقاش شرطا أساسيا لأي تقدم معرفي. ليس من الضروري أن يتحول كل طرح فكري إلى معركة، ولا أن يواجه كل رأي بنبرة هجومية. الاختلاف جزء من طبيعة البحث الإنساني، والإيمان، بحسب النص القرآني نفسه، لا يقوم على الإكراه، بل على الاقتناع. أستاذ محاضر في جامعة جورج تاون (الدوحة – قطر)