لا قبة تحمي السماء… هكذا تسقط أسطورة الردع
في الشرق الأوسط، لا تكفي المليارات لصناعة حصانة مطلقة. فكلما اشتدّ سباق التسلح، تبيّن أن أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا ليست دروعًا كاملة، بل وسائل لتخفيف الخسائر وتأخير الضربة لا لمنعها نهائيًا. وهذا ما أعادت الحروب الأخيرة كشفه بوضوح: حتى القبة الحديدية ومنظومة “ثاد” ليستا خارج منطق الاختراق
بنت إسرائيل والولايات المتحدة، على مدى سنوات، شبكة دفاع جوي وصاروخي تُعد من الأكثر تطورًا في العالم، لحماية المدن والقواعد والمنشآت الحيوية من الصواريخ والقذائف الباليستية. غير أن مشاهد الصواريخ التي نجحت في العبور، والانفجارات التي وقعت رغم وجود هذه الأنظمة، أعادت طرح السؤال الكبير: كيف تخترق الصواريخ هذه المنظومات المتقدمة؟
درع للاعتراض لا ضمانة للنجاة
تُعد القبة الحديدية (Iron Dome) أحد أشهر أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وقد صُممت لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى وقذائف المدفعية التي يتراوح مداها بين 4 و70 كيلومترًا. وجاء تطويرها بعد حرب لبنان عام 2006، حين تعرضت إسرائيل لآلاف الصواريخ، قبل أن تدخل الخدمة رسميًا عام 2011.
تعتمد القبة الحديدية على ثلاثة عناصر رئيسية مترابطة:
رادار للكشف والتتبع، ومركز لإدارة المعركة وتحليل المسار، وصاروخ اعتراض من طراز “تامير” يُطلق لتدمير الهدف في الجو قبل سقوطه.
وبحسب الأرقام المعلنة، تتراوح نسبة نجاحها بين 85 و90 في المئة، وهي نسبة مرتفعة نظريًا، لكنها لا تعني أبدًا أن المنظومة قادرة على اعتراض كل شيء. فهذه النسبة، مهما بدت كبيرة، تترك هامشًا كافيًا لوصول بعض الصواريخ، خصوصًا في ظروف القصف الكثيف أو الهجمات المركبة.
صاروخ رخيص يربك المعادلة
من أكثر النقاط إثارة للجدل في القبة الحديدية، الكلفة الباهظة لاعتراض تهديدات منخفضة الكلفة. فتقدَّر تكلفة البطارية الواحدة بما بين 50 و100 مليون دولار، فيما يتراوح سعر صاروخ الاعتراض الواحد بين 40 و100 ألف دولار.
في المقابل، قد لا تزيد كلفة الصاروخ المهاجم على 500 إلى 2000 دولار فقط. وهنا تظهر معضلة كبرى تعرف باسم حرب الاستنزاف الاقتصادية: مهاجم يطلق ذخائر رخيصة نسبيًا، فيدفع الطرف المدافع إلى استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن لمواجهتها.
المظلّة الأميركية
أما منظومة “ثاد” (THAAD) فهي ليست مخصصة للصواريخ القصيرة، بل لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى على ارتفاعات عالية، داخل الغلاف الجوي أو خارجه. وهي اختصار لعبارة Terminal High Altitude Area Defense، وقد طورتها شركة لوكهيد مارتن الأميركية.
يصل مدى الاعتراض في هذه المنظومة إلى نحو 200 كيلومتر، فيما قد يبلغ ارتفاع الاعتراض حوالى 150 كيلومترًا. وتستخدم “ثاد” تقنية الاصطدام المباشر (Hit-to-Kill)، أي تدمير الهدف بطاقة الاصطدام من دون رأس متفجر.
لكن هذه الفاعلية التقنية تأتي بكلفة هائلة، إذ قد تصل كلفة البطارية الواحدة إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما تتراوح كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد بين 8 و12 مليون دولار، ما يجعلها من أغلى أنظمة الدفاع الجوي في العالم.
هجمات الإغراق
رغم هذا التقدم، تبقى الحقيقة العسكرية ثابتة: لا وجود لدفاع مطلق. ومن أكثر الوسائل فعالية لاختراق المنظومات الدفاعية ما يُعرف بـهجمات الإغراق (Saturation Attack)، أي إطلاق عدد كبير من الصواريخ في وقت واحد.
في هذا السيناريو، لا تكون المشكلة في عجز المنظومة عن اعتراض الصاروخ الواحد، بل في محدودية قدرتها على المعالجة والتتبع والإطلاق في وقت متزامن. فلكل بطارية عدد محدود من الصواريخ الاعتراضية، ولكل رادار ومركز تحكم سقف محدد من القدرة على التعامل مع الأهداف. وعندما تنهال عشرات أو مئات الصواريخ خلال دقائق، يصبح اعتراضها جميعًا أمرًا شبه مستحيل.
التهديد الذي يمر تحت العين
تواجه هذه الأنظمة أيضًا صعوبة في التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة جدًا. فالتضاريس والمباني والعوائق الطبيعية قد تؤخر اكتشاف الهدف، وتحدّ من زمن رد الفعل، ما يمنح المقذوف المهاجم فرصة أكبر للوصول.
وهنا لا تكون الأزمة في ضعف التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الحدود الطبيعية لأي رادار يعمل ضمن بيئة ميدانية معقدة ومزدحمة بالعوائق.
الجيل الذي يربك الدفاعات
من أخطر التحديات أيضًا الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)، التي تتجاوز سرعتها 5 ماخ، ولا تكتفي بذلك، بل تغيّر مسارها أثناء التحليق، ما يجعل تعقبها واعتراضها أكثر تعقيدًا من الصواريخ التقليدية.
هذا النوع من السلاح لا يختبر فقط سرعة المنظومات الدفاعية، بل يختبر أيضًا قدرتها على التنبؤ، لأن نجاح الاعتراض لا يقوم على الرصد وحده، بل على حساب المسار المتوقع للهدف. وكلما زادت قدرة الصاروخ على المناورة، تراجعت فرص اعتراضه.
معركة غير مرئية في قلب السماء
لا تدور معركة الدفاع الجوي بالصواريخ فقط، بل بالإشارات أيضًا. فبعض الجيوش يعتمد التشويش على الرادارات، والتضليل الإلكتروني، واستخدام أهداف وهمية لإرباك أنظمة الدفاع واستنزافها أو دفعها إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الاختراق ناجمًا فقط عن قوة الصاروخ، بل أحيانًا عن نجاح المهاجم في تعمية عين المنظومة أو تضليل عقلها.
درع متعدد الطبقات… لكنه ليس معصومًا
لا تعتمد إسرائيل على القبة الحديدية وحدها، بل على شبكة دفاع متعددة الطبقات:
القبة الحديدية للصواريخ القصيرة، مقلاع داوود (David’s Sling) للصواريخ المتوسطة،
ومنظومات Arrow-2 وArrow-3 للصواريخ الباليستية البعيدة.
هذه البنية تعكس تطورًا كبيرًا في العقيدة الدفاعية، لكنها لا تلغي الحقيقة الأساسية: كثرة الطبقات لا تعني استحالة الاختراق، بل تعني فقط تقليل احتمالاته وخفض حجم الأضرار.
تمثل القبة الحديدية و”ثاد” ذروة ما بلغته التكنولوجيا العسكرية في مجال الدفاع الجوي، لكن الحروب الحديثة تثبت مرة تلو الأخرى أن الدفاع الكامل ضد الصواريخ لا يزال وهمًا أكثر منه واقعًا.
ففي معادلة الصراع بين الصاروخ والدرع، يبقى الهجوم قادرًا على تطوير أدوات جديدة للاختراق، سواء عبر الإغراق الصاروخي، أو الصواريخ الفرط صوتية، أو الهجمات منخفضة الارتفاع، أو الحرب الإلكترونية.

