“ستارلينك” في زمن الحرب على لبنان
في لبنان، يبدو أنّ الحرب لم تعد فقط تهديدًا خارجيًا، بل تحوّلت إلى مظلّة داخلية لتمرير خيارات بالغة الحساسية.
أحدث هذه الخيارات جاء في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 5 آذار/مارس 2026، حيث أُجيز إطلاق خدمات الإنترنت الفضائي عبر شركة Starlink بشكل فوري، متجاوزًا مسارًا قانونيًا وأمنيًا يُفترض أن يكون شرطًا مسبقًا لا تفصيلًا مؤجّلًا.
الطوارئ لفرض الوقائع
القرار لم يأتِ في لحظة عادية. بالتزامن، كانت إسرائيل تنذر نحو ربع سكان لبنان بإخلاء مناطقهم، في تصعيد غير مسبوق. هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام استجابة تقنية لحالة طارئة، أم أمام استغلالٍ للحظة الحرب لفرض وقائع يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية؟
ينصّ القرار على السماح ببيع الخدمة فورًا قبل استكمال البنية الرقابية والأمنية، وتحديدًا قبل إنشاء مركز التحكّم الأمني الموجود أصلًا خارج لبنان. كما يتجاوز القرار الهيئات التنظيمية المختصة، مثل الهيئة المنظّمة للاتصالات، ويُرحّل الموافقات الأمنية إلى مرحلة لاحقة، في سابقة إدارية تطرح علامات استفهام حول مفهوم “الدولة المؤجّلة”.
ويترافق ذلك مع توسيع نطاق الاستخدام ليشمل جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية، بعدما كان محصورًا سابقًا ضمن إطار تجريبي ضيّق، من دون أن يقترن هذا التوسّع بأي تحديد لسقف الأجهزة أو توزيعها الجغرافي، ما يفتح الباب أمام انتشار غير مضبوط لشبكة موازية.
كسر السلسلة
لفهم خطورة المسألة، لا بدّ من تفكيك المسارين القائمين. في النموذج التقليدي، تمرّ بيانات المستخدم عبر مزوّد الخدمة المحلي، ثم عبر الشبكة الوطنية التي تديرها الدولة، وصولًا إلى البوابات الدولية. هذه السلسلة تتيح للدولة، عبر وزارة الاتصالات ومؤسسة أوجيرو، مراقبة الحركة الرقمية، وتطبيق القرارات القضائية، وإدارة الأمن السيبراني.
في المقابل، يقلب الإنترنت الفضائي هذه المعادلة رأسًا على عقب، إذ ينتقل الاتصال مباشرة من المستخدم إلى القمر الصناعي، ومنه إلى محطة أرضية خارج لبنان، قبل أن يصل إلى الإنترنت العالمي. النتيجة هي مسار بيانات لا يمرّ بالبنية التحتية اللبنانية إطلاقًا، ما يعني عمليًا نشوء “إنترنت خارج الشبكة الوطنية”، أي شبكة رديفة مركز رقابتها خارج البلد، وجزء من حركة البيانات فيها خارج السيطرة التقنية للدولة.
سيادة تتآكل تدريجيًا
هذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مسألة سيادية بامتياز. فالقرار الصادر في آذار/مارس 2026 هو تعديل لقرار سابق صدر في أيلول/سبتمبر 2025، كان قد أثار مخاوف جدية، لأنه سمح بالاتصال المباشر بالأقمار الصناعية وتشغيل شبكة خارج البنية الوطنية، في ظل غياب إشراف سيادي فعلي، ونقل مركز التحكّم الأمني إلى خارج الولاية القضائية اللبنانية.
غير أنّ التعديل الجديد يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي بتكريس هذه الثغرات، بل يسمح باستخدام الخدمة قبل إنشاء أي نظام رقابي فعلي، ما ينقل الإشكالية من موقع الرقابة إلى غيابها الكامل، ولو مؤقتًا.
والمفارقة أنّ هذا المسار ليس جديدًا. خلال حرب 2024، طُرح إدخال ستارلينك تحت عنوان “خطة طوارئ” لضمان استمرارية الإنترنت، لكنه سقط آنذاك أمام اعتراضات قانونية وأمنية تتعلّق بغياب المسار التنظيمي وبمتطلبات الرقابة والتنصّت الشرعي.
اليوم، يعود المنطق نفسه تقريبًا، إذ يبدأ القرار تحت عنوان الاستثناء، على أن تتم التسوية لاحقًا، من دون وجود خطة مُعلنة لإدارة طوارئ الاتصالات تحدد الأولويات والبدائل وشروط الأداء والمساءلة. غير أنّ التجربة اللبنانية تُظهر أنّ “لاحقًا” غالبًا ما تبقى مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى.
السيادة الرقمية
في جوهره، لا يدور النقاش حول رفض التكنولوجيا أو القبول بها، بل حول كيفية إدخالها. الإنترنت الفضائي قد يكون ضرورة في ظروف الانهيار أو الحرب، لكنه يتحوّل إلى ثغرة استراتيجية عندما يُعتمد من دون إطار سيادي واضح. فالدولة التي لا ترى بياناتها لا تستطيع تنظيمها، ولا حمايتها، ولا حتى فهم اتجاهاتها.
لبنان اليوم أمام مفترق دقيق، حيث يتداخل الأمني بالتقني، والسيادي بالإجرائي. إمّا أن ينجح في تطوير نموذج يوازن بين الابتكار والسيادة، أو أن ينزلق تدريجيًا نحو واقع شبكي مزدوج، تفقد فيه الدولة قدرتها على الضبط لصالح بنى اتصالية خارجة عن نطاقها.
الصمت كقرار سيادي
تمرير قرارات بهذا الحجم في ظل الحرب قد يبدو مبرّرًا تحت عنوان “الضرورة”، لكنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة، حيث تتحوّل الطوارئ إلى أداة حكم. وبينما تتآكل الحدود الجغرافية تحت ضغط الصراع، تبدو الحدود الرقمية للبنان وكأنها تُعاد صياغتها بصمت. والصمت، في هذه الحالة، ليس حيادًا، بل خيارٌ سياديّ بحدّ ذاته.

