تحميل

إبحث

في الصميم

حرب الشرايين الخفيّة…الكابلات البحرية وصراع تدفّق المعلومات

digital_geopolitic_landscape

لم تَعُدِ الحروبُ الحديثةُ تُقاسُ بعددِ حاملاتِ الطائراتِ أو حجمِ الترساناتِ العسكريةِ فحسب، بل باتت تُقاسُ بقدرةِ الدولِ على التحكُّمِ بتدفُّقِ البيانات، تمامًا كما تتحكّمُ بالمضائقِ البحرية

فإذا كانت مضائقُ مثلُ مضيقِ هرمزَ تُمثّلُ شريانَ الطاقةِ العالمي، فإن كابلاتِ الإنترنتِ البحريةَ تُمثّلُ اليومَ الشريانَ العصبيَّ للاقتصادِ الدولي، حيث تمرُّ عبرها أكثرُ من 95% من الاتصالاتِ الرقميةِ العالمية.
في هذا السياق، يتحوّلُ الصراعُ بين القوى الكبرى — وفي مقدّمتها الولايات المتحدةُ والصين — إلى سباقٍ محمومٍ للسيطرةِ على البنيةِ التحتيةِ غيرِ المرئيةِ التي تربطُ العالم. فالكابلاتُ الممتدّةُ في أعماقِ البحارِ لم تَعُدْ مجرّدَ أدواتِ اتصال، بل أصبحت أهدافًا استراتيجية، يمكنُ قطعُها أو التجسّسُ عليها أو إعادةُ توجيهها، بما يوازي في تأثيرِه إغلاقَ مضيقٍ بحريٍّ حيوي.

أستراليا… عقدةُ الجغرافيا الرقمية
في قلبِ هذا التحوّل، تبرزُ أستراليا كلاعبٍ محوريٍّ يتجاوزُ حجمَه التقليدي. فموقعُها الجغرافي، بين المحيطين الهندي والهادئ، يجعلُها نقطةَ ارتكازٍ أساسيةً في شبكةِ الكابلاتِ التي تربطُ آسيا بالغرب. ومع تصاعدِ التوتّرِ في بحرِ الصينِ الجنوبي، أصبحت أستراليا بمثابةِ “مضيقٍ رقمي” بديلٍ وآمنٍ تمرُّ عبره البياناتُ بين القارات.
دفع هذا الواقعُ الولاياتِ المتحدةَ إلى تعزيزِ شراكتِها مع كانبيرا، ليس فقط ضمن تحالفاتٍ عسكريةٍ مثل AUKUS، بل أيضًا عبر استثماراتٍ ضخمةٍ في البنيةِ التحتيةِ الرقمية، تشملُ الكابلاتِ البحريةَ ومراكزَ البيانات. الهدفُ هنا واضح: بناءُ شبكةِ اتصالاتٍ موثوقةٍ خارجَ نطاقِ النفوذِ الصيني.
في المقابل، تسعى الصينُ إلى توسيعِ حضورِها عبر “طريقِ الحريرِ الرقمي”، مستثمرةً في الكابلاتِ ومشاريعِ الاتصالاتِ في آسيا وأفريقيا، في محاولةٍ لتشكيلِ نظامٍ رقميٍّ موازٍ يُقلّلُ من هيمنةِ الغرب. وهنا تتحوّلُ أستراليا إلى ساحةِ تنافسٍ غيرِ مباشر، حيث تتقاطعُ المصالحُ الأمنيةُ مع الاستثماراتِ التكنولوجية.
لا تقتصرُ أهميةُ أستراليا على موقعِها الجغرافيِّ بين المحيطين الهندي والهادئ، بل تتجسّدُ أيضًا في كونِها نقطةَ هبوطٍ فعليةً لعددٍ كبيرٍ من الكابلاتِ البحريةِ الدولية. فالهيئةُ الأستراليةُ للإعلامِ والاتصالات ACMA تنشرُ خريطةً رسميةً تُظهرُ الكابلاتِ الدوليةَ التي تهبطُ على السواحلِ الأسترالية، ما يؤكّدُ أن البلادَ ليست مجرّدَ موقعِ عبورٍ نظري، بل عقدةُ اتصالٍ حقيقيةٌ في الشبكةِ العالمية. كما أنشأت أستراليا مناطقِ حمايةٍ قانونيةً لبعضِ مساراتِ الكابلاتِ البحريةِ قربَ سيدني وبيرث للحدِّ من الأنشطةِ التي قد تُعرّضُ هذه البنيةَ التحتيةَ للتلفِ أو التعطيل، وهو ما يعكسُ إدراكًا رسميًّا متزايدًا بأن الكابلاتِ البحريةَ باتت أصلًا سياديًّا وأمنيًّا، لا مجرّدَ بنيةِ اتصالاتٍ مدنية.

لم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على التحكّم بتدفّق البيانات

من الكابلاتِ إلى الخوادم
لا يتوقّفُ التحوّلُ الأستراليُّ عند الكابلاتِ البحرية، بل يمتدُّ إلى الخوادمِ ومراكزِ البيانات. فأستراليا أصبحت تستضيفُ حضورًا متزايدًا لأكبرِ مزوّدي البنيةِ السحابيةِ في العالم. لدى AWS منطقتان سحابيتان رئيسيتان في أستراليا، في سيدني وملبورن، وتضمُّ منطقةُ ملبورن ثلاثَ مناطقِ توافر Availability Zones. كما توفّر Google Cloud منطقتين في سيدني وملبورن، بينما تُظهرُ مايكروسوفت وجودَ مناطقَ Azure أستراليةٍ تشمل Australia East وAustralia Southeast، إلى جانبِ بنيةٍ متخصّصةٍ مرتبطةٍ بكانبيرا للجهاتِ الحكومية.
يعني هذا التمركزُ أن أستراليا لم تَعُدْ فقط ممرًّا لحركةِ البيانات، بل أصبحت أيضًا مكانًا لتخزينِها ومعالجتِها وتشغيلِها، وهو ما يرفعُ من وزنِها في معادلةِ السيادةِ الرقميةِ الإقليمية.

بديلٌ موثوقٌ داخلَ التحالفِ الغربي
في ظلِّ تصاعدِ الحساسيةِ الجيوسياسيةِ في بحرِ الصينِ الجنوبي، تزدادُ قيمةُ أستراليا داخلَ المعسكرِ الغربيِّ باعتبارِها مساحةً مستقرةً سياسيًّا، وحليفةً أمنيًّا، وقادرةً على استضافةِ البنيةِ التحتيةِ الرقميةِ الحسّاسة. لذلك فإن دورَها في تحالفاتٍ مثل AUKUS لا ينبغي فهمُه فقط من منظورِ الغواصاتِ أو الردعِ العسكري، بل أيضًا من زاويةِ بناءِ منظوماتِ اتصالٍ ومعالجةِ بياناتٍ أكثرَ أمانًا وموثوقيةً لحلفاءِ الولاياتِ المتحدةِ في منطقةِ الإندو-باسيفيك. ومن هنا، فإن أستراليا تتحوّلُ تدريجيًّا من دولةٍ طرفيةٍ جغرافيًّا إلى مركزِ ارتكازٍ رقميٍّ واستراتيجيٍّ في النظام.

Digital conflict beneath the waves
أستراليا في عين العاصفة الرقمية: لماذا تحوّلت إلى عقدة استراتيجية في الحرب على البيانات

مَن يملكُ الفضاءَ الرقمي؟
المفارقةُ أن السيطرةَ على هذه الشرايينِ لا تقتصرُ على الدول، بل تتقاسمُها مع عمالقةِ التكنولوجيا. شركاتٌ مثل Google وAmazon وMicrosoft باتت تملكُ وتديرُ أجزاءً كبيرةً من البنيةِ التحتيةِ للإنترنت، من الكابلاتِ إلى الخوادمِ السحابية.
هذا التداخلُ بين القطاعين العامِّ والخاصِّ يطرحُ سؤالًا جوهريًّا: مَن يتحكّمُ فعليًّا بتدفّقِ المعلومات؟ هل هي الدولُ التي تملكُ السيادةَ السياسية، أم الشركاتُ التي تملكُ البنيةَ التقنية؟
في حالةِ أستراليا، يظهرُ هذا التداخلُ بوضوح، حيث تعتمدُ البلادُ على استثماراتِ هذه الشركاتِ لتطويرِ بنيتِها الرقمية، وفي الوقتِ ذاته تسعى للحفاظِ على سيادتِها الرقمية، خصوصًا في ظلِّ المخاوفِ من الاختراقاتِ والتجسّس.
فإذا كانت الكابلاتُ تُمثّلُ الشرايين، فإن الهجماتِ السيبرانيةَ تُمثّلُ “الجلطات” التي يمكنُ أن تشلَّ هذه الشرايين. فالهجماتُ على البنيةِ التحتيةِ الرقمية — سواءٌ عبر الاختراقِ أو التخريب — أصبحت أداةً رئيسيةً في الصراعاتِ الدولية.
وقد شهدت أستراليا خلالَ السنواتِ الأخيرةِ تصاعدًا في الهجماتِ السيبرانية، ما دفعَها إلى تعزيزِ قدراتِها الدفاعية، بالتعاونِ مع حلفائِها. وهنا يتّضحُ أن الحربَ الرقميةَ ليست بديلًا عن الحربِ التقليدية، بل امتدادًا لها، تُخاضُ بالتوازي وعلى القدرِ نفسِه من الأهمية.

النظرةُ الأستراليةُ إلى الفضاءِ الرقميِّ لم تَعُدْ تقنيةً فقط، بل أمنيةً بامتياز. فالتقاريرُ الرسميةُ الصادرةُ عن ASD وACSC تؤكّدُ أن التهديداتِ السيبرانيةَ تمسُّ بصورةٍ مباشرةٍ البنيةَ التحتيةَ الحيويةَ في البلاد، وأن الحكومةَ الأستراليةَ باتت توسّعُ برامجَ الحمايةِ لتشملَ أصولًا حيويةً مملوكةً للقطاعِ الخاصِّ أيضًا.
أشار تقريرُ التهديداتِ السيبرانيةِ السنوي 2023–2024، ASD، إلى ارتفاعِ الحوادثِ المرتبطةِ بالابتزازِ السيبراني، وأن نحوَ 71% من تلك الحوادثِ ارتبطت ببرامجِ الفدية، كما تعاملتِ الجهةُ نفسُها مع عشراتِ حوادثِ الحرمانِ من الخدمة DoS وDDoS خلالَ العامِ المالي. هذه الأرقامُ تجعلُ الحديثَ عن “الحربِ الرقمية” في السياقِ الأسترالي حديثًا عن تهديدٍ مباشرٍ للبنيةِ الاقتصاديةِ والأمنيةِ الوطنية، وليس مجرّدَ سيناريو نظري.

نفطُ القرنِ الحادي والعشرين
في نهايةِ المطاف، تكمنُ أهميةُ هذه الصراعاتِ في طبيعةِ الموردِ ذاتِه: البيانات. فكما كان النفطُ محرّكَ الاقتصادِ الصنااعي، أصبحتِ البياناتُ محرّكَ الاقتصادِ الرقمي. ومن يسيطرُ على تدفّقِها، يملكُ القدرةَ على التأثيرِ في الأسواق، والسياسات، وحتى الرأيِ العام.
أستراليا، بحكمِ موقعِها وتحالفاتِها، تجدُ نفسَها في قلبِ هذا التحوّل، مطالبةً بالموازنةِ بين أمنِها القوميِّ ومصالحِها الاقتصادية، وبين انخراطِها في المنظومةِ الغربيةِ ورغبتِها في الحفاظِ على استقلاليةِ قرارِها.

من المضائقِ إلى الكابلات
ما بين مضيقٍ بحريٍّ وكابلٍ بحريٍّ، يتكرّرُ المشهدُ ذاتُه: صراعٌ على الشرايينِ التي تحرّكُ العالم. وإذا كان الجزءُ الأولُ من هذه السلسلةِ قد تناولَ الجغرافيا الصلبةَ للممرّاتِ البحرية، فإن هذا الجزءَ يكشفُ عن جغرافيا موازية، غيرَ مرئية، لكنها لا تقلُّ أهمية.

غيرَ أن هذا الصراعَ لا يتوقّفُ عند حدودِ الكابلاتِ أو حتى البياناتِ نفسِها، بل يتجاوزُها إلى مستوى أكثرَ تعقيدًا: مَن يملكُ القدرةَ على تحليلِ هذه البياناتِ وتوظيفِها. وهنا يدخلُ العالمُ مرحلةً جديدةً عنوانُها السباقُ على الذكاءِ الاصطناعي.
فالذكاءُ الاصطناعيُّ لا يعملُ في الفراغ، بل يقومُ أساسًا على ثلاثةِ عناصر: البيانات، والبنيةُ التحتيةُ (الخوادمُ ومراكزُ البيانات)، والقدرةُ الحسابية. أي إن مَن يسيطرُ على الكابلاتِ وتدفّقِ البيانات، يمتلكُ في الواقعِ الموادَّ الخامَّ التي تُغذّي خوارزمياتِ الذكاءِ الاصطناعي، وتحدّدُ مَن يتفوّقُ في هذا السباق.
في هذا السياق، يتحوّلُ التنافسُ بين القوى الكبرى من مجرّدِ السيطرةِ على “مرورِ البيانات” إلى السيطرةِ على معنى البيانات: مَن يحلّلُها، ومَن يوجّهُها، ومَن يحوّلُها إلى قراراتٍ ونفوذ. وهنا تحديدًا، يتقاطعُ الصراعُ الجيوسياسيُّ مع الثورةِ التكنولوجية، ليُنتجَ شكلًا جديدًا من الهيمنة، لا يقومُ فقط على التحكّمِ بالبنيةِ التحتية، بل على التحكّمِ بالعقلِ الرقميِّ الذي يديرُها.

في عالمِ اليوم، لم يَعُدْ كافيًا أن تسيطرَ على الأرضِ أو البحر، ولا حتى على الكابلات؛ بل يجبُ أن تسيطرَ على ما يتدفّقُ داخلَها، وعلى القدرةِ على فهمِه وتوجيهِه. من المضائقِ إلى الكابلات، ومن الكابلاتِ إلى الخوادم، وصولًا إلى الذكاءِ الاصطناعي — تتّسعُ دائرةُ الصراع، لكن جوهرَها يبقى واحدًا: مَن يتحكّمْ بتدفّقِ البيانات (data flow)، ويتحكّمْ بتفسيرِه، يتحكّمْ بالعالم.
al-Post
*أمين عام تيار المستقبل
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا