تحميل

إبحث

في الصميم

إيران ربحت الحرب… فهل تخسر ثمار النصر؟

Strategic waters and geopolitical chess

في السياسة الدولية، لا يكون الانتصار دائماً نهاية الصراع، بل قد يكون بداية الاختبار الأصعب. فبعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، تبدو طهران اليوم في موقع مختلف تماماً عن ذلك الذي كانت عليه عشية المواجهة.

الدولة التي دخلت الحرب مثقلةً بالأزمات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية والضغوط الدولية، خرجت منها محتفظةً بنظامها السياسي، وبأهم ورقة استراتيجية امتلكتها منذ قيام الجمهورية الإسلامية: القدرة الفعلية على تهديد حركة التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.

غير أن المعضلة التي تواجه القيادة الإيرانية اليوم لا تتعلق بكيفية الانتصار في الحرب، بل بكيفية إدارة السلام الذي أعقبها.

من الهزيمة العسكرية إلى المكسب الجيوسياسي

عندما اندلعت المواجهة، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات العسكرية ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ملفها النووي وسلوكها الإقليمي. لكن ما حدث كان معاكساً إلى حدّ بعيد.

فبدلاً من إخضاع إيران، انتهت الحرب إلى تكريس حقيقة جديدة: أي هجوم واسع على الجمهورية الإسلامية بات يحمل معه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، الشريان الذي تمرّ من خلاله نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية.

ولهذا لم يعد النفوذ الإيراني قائماً فقط على الصواريخ أو الشبكات الإقليمية، بل على قدرة طهران على التأثير الفوري في الأسواق العالمية. إنها قوة ردع مختلفة، أقل تكلفة وأكثر تأثيراً من كثير من الأدوات العسكرية التقليدية.

أكبر إنجاز يمكن لإيران تحقيقه بعد الحرب هو الامتناع عن استخدام أقوى أوراقها؛ فالقوة الحقيقية لا تكمن دائماً في تشغيل السلاح، بل في إبقائه حاضراً في الحسابات من دون الحاجة إلى إطلاقه

اتفاق هش يؤجل الانفجار

مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين واشنطن وطهران نجحت في تثبيت وقف إطلاق النار، وفتحت الباب أمام فترة تفاوضية تمتد ستين يوماً، لكنها لم تحسم القضايا الجوهرية.

فالمسائل الأكثر حساسية، من مستقبل البرنامج النووي إلى آليات رفع العقوبات وإدارة مضيق هرمز، تم ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية تاريخية. وتكمن المشكلة في أن الطرفين يفتقران إلى الثقة المتبادلة.

الإيرانيون لا ينسون انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، فيما لا تزال واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها خصماً استراتيجياً طويل الأمد، وليس شريكاً يمكن بناء تفاهمات مستقرة معه. لذلك تبدو احتمالات الوصول إلى اتفاق شامل خلال المهلة المحددة محدودة للغاية.

نقطة القوة التي قد تتحول ضعفاً

السؤال المركزي اليوم لا يتعلق بالبرنامج النووي بقدر ما يتعلق بمضيق هرمز.

فبعد الحرب، بدأت إيران تتصرف باعتبارها صاحبة اليد العليا في الممر البحري الأهم في العالم، عبر إنشاء آليات جديدة لإدارته، والتلويح بفرض رسوم وقيود على حركة الملاحة الدولية.

ومن وجهة النظر الإيرانية، يبدو هذا منطقياً؛ فالحرب خلّفت أضراراً اقتصادية ضخمة، والقيادة الإيرانية تريد ترجمة مكاسبها الاستراتيجية إلى عائدات مالية ونفوذ سياسي دائم. لكن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة خطيرة، فقوة هرمز بالنسبة إلى إيران لا تكمن في استخدامه، بل في القدرة على استخدامه.

بمعنى آخر، قيمة المضيق كرادع استراتيجي تستند إلى التهديد بإغلاقه عند الضرورة، لا إلى تحويله إلى مصدر دخل أو أداة ابتزاز اقتصادي يومي. فكلما توسعت طهران في فرض الرسوم والقيود، زادت الحوافز لدى خصومها وحلفائها على السواء للبحث عن بدائل دائمة تقلل أهمية المضيق وتضعف تأثيره المستقبلي.

العالم لن يقبل “خصخصة” هرمز

لا تقتصر الاعتراضات على الولايات المتحدة وإسرائيل، فدول الخليج، والصين، والهند، والاتحاد الأوروبي، تعتمد بدرجات متفاوتة على انسياب التجارة والطاقة عبر هذا الممر الحيوي. ومن غير المرجح أن تقبل هذه القوى بتحويل أحد أهم الممرات البحرية الدولية إلى منطقة خاضعة لرسوم سياسية أو ترتيبات أحادية الجانب.

بل إن أي محاولة إيرانية لفرض واقع جديد قد تؤدي إلى تسريع مشاريع الطاقة وخطوط النقل البديلة، وهو ما سيقوّض تدريجياً الأهمية الاستراتيجية التي منحها المضيق لإيران بعد الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حاولت طهران استثمار هرمز مالياً، ازدادت احتمالات تآكل قيمته الجيوسياسية.

iran_hormuz_strategy
إيران وهرمز… حين يصبح الانتصار عبئاً استراتيجياً

فخ الثقة المفرطة

قبل أشهر فقط، كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أنهما تمتلكان زمام المبادرة الاستراتيجية. واليوم تبدو إيران في الموقع ذاته تقريباً. لكن التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أخطر لحظات الدول ليست لحظات الضعف، بل لحظات الشعور المفرط بالقوة.

فالولايات المتحدة وإسرائيل أخطأتا عندما افترضتا أن الحرب ستنتج استسلاماً إيرانياً. أما إيران فتواجه الآن خطر الوقوع في الخطأ نفسه إذا اعتقدت أن مكاسبها الحالية تسمح لها بإعادة صياغة قواعد الملاحة والتجارة الدولية وفق شروطها الخاصة.

بين الردع والهيمنة

المعادلة التي تواجه طهران بسيطة نظرياً، لكنها شديدة التعقيد عملياً: هل تريد استخدام مضيق هرمز كضمانة أمنية تمنع الحروب المستقبلية، أم كأداة نفوذ اقتصادي وسياسي مباشر؟

الجمع بين الهدفين قد يكون مستحيلاً. فكلما تحول المضيق إلى أداة هيمنة، تراجعت فعاليته كوسيلة ردع. ولهذا قد يكون أكبر إنجاز يمكن لإيران تحقيقه بعد الحرب هو الامتناع عن استخدام أقوى أوراقها. فالقوة الحقيقية لا تكمن دائماً في تشغيل السلاح، بل في إبقائه حاضراً في الحسابات من دون الحاجة إلى إطلاقه.

لقد ربحت طهران الحرب السياسية التي أعقبت المعركة العسكرية، لكن الحفاظ على هذا المكسب يتطلب قدراً من ضبط النفس لا يقل أهمية عن القدرة على خوض الحروب نفسها. وفي عالم ما بعد الحرب، قد يكون التحدي الأكبر أمام إيران ليس كيفية فرض قوتها، بل كيفية تجنب الإفراط في استخدامها.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا