تحميل

إبحث

في الصميم

بين هرمز ولبنان… الاتفاق الذي يتجاوز النووي

Geopolitical handshake over a tense sea

ليس مضيق هرمز مجرد ممرّ مائي تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية بين الخليج والعالم، بل هو أحد أهم مفاتيح القوة في النظام الدولي المعاصر. فمن يملك القدرة على التأثير في حركة هذا الشريان الحيوي يستطيع أن يهزّ أسواق الطاقة، ويرفع كلفة التجارة العالمية، ويعيد رسم الحسابات السياسية في واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية خلال ساعات قليلة.

لهذا السبب، لم يكن مستغرباً أن تتجه الأنظار سريعاً إلى البند الخاص بالملاحة في مضيق هرمز ضمن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية التي وصلت إلى الكونغرس الأميركي. فالوثيقة المؤقتة، التي تتحدث عن وقف العمليات العسكرية وإنهاء الحصار البحري خلال ثلاثين يوماً، وفتح المرور التجاري الآمن لمدة ستين يوماً، لا تتعلق فقط بالملاحة البحرية، بل تمسّ جوهر الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط.

ما وراء التهدئة المؤقتة

في ظاهرها، تبدو المذكرة محاولة لخفض التوتر وفتح نافذة جديدة للحوار بين واشنطن وطهران، لكن قراءة أعمق لبنودها تكشف أنها قد تكون أكثر من مجرد اتفاق تهدئة. فإيران تنظر إلى الوثيقة باعتبارها فرصة للحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية عاجلة، تشمل تخفيف الضغوط، واستعادة جزء من الأموال المجمدة، وتثبيت الاعتراف الدولي بدورها في أمن مضيق هرمز.

في المقابل، تحاول الإدارة الأميركية تقديم الاتفاق باعتباره مرحلة اختبار تمهّد لخطوات نووية إيرانية قابلة للقياس والتحقق. غير أن هذه المقاربة تواجه شكوكاً متزايدة داخل الولايات المتحدة، حيث يخشى معارضو الاتفاق أن تتحول التهدئة إلى مكافأة مجانية تمنح طهران ما تريده من دون أن تقدم مقابلاً استراتيجياً واضحاً.

من هنا جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أكد فيها أن إيران لن تحصل على أي أموال خلال فترة الستين يوماً، في محاولة لاحتواء الاعتراضات المتصاعدة. إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لطمأنة منتقدي الاتفاق داخل الكونغرس.

الصراع لم يعد يدور حول برنامج نووي فقط، بل حول من يمتلك حق إدارة النفوذ في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة

معركة داخل واشنطن

الجدل الأميركي حول المذكرة لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل بالسؤال الأكثر حساسية: ما الثمن الحقيقي الذي تدفعه واشنطن مقابل الهدوء في الخليج؟

فعدد من كبار الجمهوريين رأوا في المذكرة خطوة قد تؤدي إلى تبديد نتائج الضغوط السياسية والعسكرية التي مورست على إيران خلال السنوات الماضية. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن أي تخفيف للعقوبات، أو أي اعتراف بدور إيراني متقدم في أمن الخليج، يجب أن يكون مرتبطاً بضمانات صارمة، لا بمجرد وعود سياسية قابلة للتأويل.

ويعكس هذا الجدل إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة الأميركية بأن الصراع مع إيران لم يعد محصوراً في تخصيب اليورانيوم، بل أصبح يتعلق بشبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران على امتداد المنطقة.

هرمز بين الفتح والسيطرة

لا تكمن المشكلة الحقيقية في فتح المضيق، بل في طبيعة الجهة التي ستدير حركة المرور فيه. فالمخاوف الأوروبية التي تحدثت عن احتمال اضطلاع الحرس الثوري الإيراني بأدوار مرتبطة بالتفتيش أو إدارة ترتيبات العبور، تثير تساؤلات جدية حول معنى «حرية الملاحة» في ظل هذا الاتفاق. فالمضيق قد يكون مفتوحاً من الناحية الشكلية، لكنه قد يبقى خاضعاً عملياً لقدرة إيران على التأثير في حركة السفن، وتأخيرها، أو التحكم بمساراتها متى أرادت.

في هذه الحالة، يصبح الاتفاق اعترافاً غير مباشر بأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم يمر عبر البوابة الإيرانية، وهو ما يمنح طهران ورقة قوة إضافية في أي مواجهة أو مفاوضات مستقبلية.

 

hormuz
حرية الملاحة أم شرعنة السيطرة؟ سؤال هرمز الكبير

لبنان يدخل إلى طاولة التفاوض

لكن هرمز ليس الورقة الوحيدة المطروحة على الطاولة. فإدخال لبنان في مسار التهدئة الإقليمية يكشف أن المفاوضات الجارية تتجاوز بكثير حدود الملف النووي أو أمن الملاحة البحرية.

تدرك إيران أن حزب الله يمثل أحد أهم عناصر نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ولذلك فإن أي ترتيبات إقليمية طويلة الأمد لا يمكن فصلها عن مستقبل هذا الدور. ومن هنا، تبدو المذكرة وكأنها محاولة لإعادة تنظيم شبكة النفوذ الإيرانية، لا مجرد معالجة ملف تقني يتعلق بالتخصيب أو العقوبات.

في هذا السياق، يصبح مضيق هرمز جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. فالملاحة البحرية ترتبط بالعقوبات، والعقوبات ترتبط بالملف النووي، والملف النووي يتقاطع مع النفوذ الإقليمي الممتد من العراق إلى لبنان.

اختبار الإرادة الأميركية

السؤال المركزي الذي تطرحه المذكرة اليوم ليس ما إذا كانت إيران ستلتزم ببنودها، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ربط أي مكاسب سياسية أو اقتصادية بآليات تحقق صارمة وملزمة.

فإذا تحولت التهدئة إلى مكاسب مجانية، فإن الاتفاق قد يصبح غطاءً جديداً يسمح لطهران بتعزيز مواقعها الإقليمية من دون تقديم تنازلات جوهرية في القضايا الخلافية. أما إذا نجحت واشنطن في تحويل الهدوء المؤقت إلى مسار تفاوضي واضح المعالم ومحدد النتائج، فقد تمثل المذكرة بداية مرحلة مختلفة في العلاقة بين الطرفين.

حتى الآن، يبدو أن إيران لا تختبر الاتفاق فحسب، بل تختبر أيضاً حدود الإرادة الأميركية وقدرة واشنطن على فرض شروطها. وبين هرمز والنووي ولبنان، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الأساسي أن الصراع لم يعد يدور حول برنامج نووي فقط، بل حول من يمتلك حق إدارة النفوذ في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا