تحميل

إبحث

في الصميم

كأس العالم… بطولة على عشب السياسة

Game of nations at the crossroads

من يعتقد أن كأس العالم بطولة رياضية خالصة، يقرأ التاريخ بعين واحدة. فالرياضة لم تكن يومًا معزولة عن السياسة، بل كانت، في كثير من المحطات، إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرًا، ومنصّة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول، وتصدير الروايات، وتعزيز الشرعية، أو حتى فرض العزلة.

ليس هذا استنتاجًا متعسفًا. فمنذ أولمبياد برلين عام 1936، الذي حوّله النظام النازي إلى منصة دعائية لإظهار تفوقه الأيديولوجي، مرورًا بالمقاطعات الأولمبية المتبادلة خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى العقوبات الرياضية التي فُرضت على روسيا بعد غزوها أوكرانيا عام 2022، ظلّت الملاعب امتدادًا للصراع السياسي، وإن ارتدت قمصانًا رياضية بدل البزّات العسكرية.

ولم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم استبعاد المنتخب الروسي وأنديته من المنافسات الدولية، بما فيها تصفيات كأس العالم، سوى دليل إضافي على أن الرياضة ليست محصّنة من الحسابات الجيوسياسية، مهما رُفعت شعارات الحياد.

كما شهدت بطولات مختلفة جدلًا سياسيًا وأمنيًا حول منتخبات أخرى، من بينها المنتخب الإيراني، في ظل التوترات الإقليمية والدولية، وهو ما يعكس أن الرياضة كثيرًا ما تتقاطع مع السياسة، حتى وإن اختلفت الآراء حول طبيعة تلك الوقائع وأسبابها.

والواقع أن الجماهير نفسها تمارس السياسة، ولو بصورة غير مباشرة. فكثيرون يشجعون منتخبات لا بسبب مستواها الفني فقط، بل لأنها تمثل دولًا يرون فيها امتدادًا لهويتهم أو لقضاياهم أو لانحيازاتهم الأخلاقية، أو لأنها تنتمي إلى دول الجنوب أو العالم النامي في مواجهة القوى التقليدية.

الكرة، كما أثبت التاريخ مرارًا، لم تكن يومًا بعيدة عن السياسة، والمدرجات كثيرًا ما تعكس ما تعجز عنه المنابر الدبلوماسية
football_politics_worldcup
المنتخب والدولة: هل يمكن فصل القميص عن القرار؟

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن فصل المنتخب عن الدولة التي يمثّلها؟

في حالة الأرجنتين، يفرض هذا السؤال نفسه بقوة في ظل مواقف رئيسها الحالي، خافيير ميلي، الذي جعل من دعمه لإسرائيل أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية. فقد أعلن مرارًا أنه «فخور بكونه الرئيس الأكثر صهيونية في العالم»، واعتبر أن سقوط إسرائيل يعني سقوط الغرب، كما أعلن عزمه نقل سفارة بلاده إلى القدس، ورفض ملاحقة بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووضع القضية الفلسطينية في إطار مقاربته الأمنية والسياسية.

بطبيعة الحال، لا يمكن اختزال منتخب الأرجنتين في مواقف رئيسه، ولا تحميل لاعبيه مسؤولية سياسات الحكومة. فالمنتخب يمثل شعبًا متعدد الآراء والانتماءات، كما أن الرياضة لا تختزل بالضرورة خيارات السلطة السياسية.

لكن يبقى السؤال مشروعًا: عندما تتحول الرياضة إلى أداة في معركة الصورة والرمزية، هل يبقى تشجيع المنتخبات فعلًا رياضيًا خالصًا، أم أنه يحمل، ولو بصورة غير مباشرة، أبعادًا سياسية لا يمكن تجاهلها؟

ربما لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. لكن المؤكد أن الكرة، كما أثبت التاريخ مرارًا، لم تكن يومًا بعيدة عن السياسة، وأن المدرجات كثيرًا ما تعكس ما تعجز عنه المنابر الدبلوماسية.

العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا