تحميل

إبحث

في الصميم

رصاصٌ في قلب الدبلوماسية

War room under attack during crisis

لا تحسم كل الحروب في ساحات القتال، فبعضها يُخاض في الغرف المغلقة، حيث تتحول طاولات التفاوض إلى امتداد مباشر لجبهات النار، ويصبح المفاوضون أنفسهم أهدافًا عسكرية لا تقل أهمية عن القادة الميدانيين.

عندما يصل الصراع إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال: من يربح الحرب؟ بل من يملك حق تحديد شكل السلام؟

حروب الغرف

تكشف المعطيات المتداولة داخل دوائر صنع القرار الأميركية أن المواجهة مع إيران لم تكن مجرد صدام بين واشنطن وطهران، أو بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية، بل شهدت أيضًا صراعًا خفيًا بين رؤيتين متناقضتين داخل المعسكر الواحد. ففي الوقت الذي كانت الإدارة الأميركية تسابق الزمن لإبقاء باب التسوية السياسية مفتوحًا، كانت إسرائيل، وفق تلك التقديرات، تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره الفرصة الأخيرة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، حتى لو تطلب ذلك استهداف الشخصيات الإيرانية التي كانت تتولى التفاوض مع الولايات المتحدة.

لم يكن الخلاف الحقيقي حول كيفية إدارة الحرب، بل حول شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعدها: شرق أوسط تُصنع ملامحه على طاولة التفاوض، أم آخر يُرسم بعمليات الاغتيال.

بنك الأهداف

وبحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، اعتقدت واشنطن أن إسرائيل وضعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ضمن بنك أهدافها خلال ذروة المفاوضات التي انطلقت في ربيع عام 2026، وهو ما أثار قلقًا بالغًا داخل الإدارة الأميركية، خشية أن يؤدي اغتيالهما إلى نسف مسار التفاوض وإشعال الحرب من جديد.

ولم يقتصر الأمر على التحذيرات الدبلوماسية الموجهة إلى تل أبيب، بل امتد، وفق الروايات المتداولة، إلى استخدام قنوات إقليمية لنقل رسائل تحذير إلى طهران بشأن احتمالات استهداف وفدها المفاوض، في خطوة نادرة تعكس حجم التباين بين الحليفين حول مستقبل الحرب وأهدافها النهائية.

مع انطلاق الحرب، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحركان ضمن استراتيجية واحدة تقوم على إضعاف إيران عسكريًا. لكن مع مرور الوقت، بدأ الاختلاف يظهر بوضوح.

فالولايات المتحدة رأت أن الإنجاز العسكري ينبغي أن يتحول إلى مكسب سياسي عبر اتفاق يضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز، ويؤسس لمسار تفاوضي بشأن البرنامج النووي الإيراني، بينما كانت إسرائيل تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لتغيير النظام الإيراني، أو على الأقل إضعافه بصورة تمنعه من استعادة نفوذه الإقليمي والعسكري.

هذا التباين جعل من وقف إطلاق النار هدفًا أميركيًا، في حين اعتبرته إسرائيل عقبة أمام تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

اغتيال السياسة

ضمن هذا السياق، لم تعد سياسة الاغتيالات الإسرائيلية مقتصرة على القيادات العسكرية، بل امتدت إلى شخصيات كانت واشنطن ترى فيها شركاء محتملين لأي تسوية مستقبلية.

فقد شملت الضربات شخصيات بارزة مثل علي لاريجاني وكمال خرازي، اللذين كانا منخرطين في قنوات تفاوض غير مباشرة مع الأميركيين، في مؤشر إلى أن تل أبيب كانت تتعامل مع أي شخصية قادرة على إنتاج تسوية سياسية باعتبارها جزءًا من المشكلة لا من الحل.

ومن هنا، لم يكن استهداف عراقجي أو قاليباف مجرد عملية أمنية محتملة، بل كان سيعني عمليًا اغتيال مسار التفاوض نفسه.

حماية المقاتلات

وتكشف الوقائع أن الوفد الإيراني عاش بالفعل تحت هاجس الاغتيال. فخلال زيارة الوفد إلى إسلام آباد، رافقت مقاتلات باكستانية الطائرة الإيرانية ذهابًا وإيابًا، بعد حصول طهران، عبر وسطاء قطريين وباكستانيين، على تطمينات أميركية بعدم تعرض الوفد لأي استهداف.

لكن رحلة العودة شهدت تطورًا دراماتيكيًا، بعدما تلقت الطائرة التي كانت تقل محمد باقر قاليباف تحذيرًا استخباراتيًا من احتمال تعرضها لهجوم، ما اضطرها إلى الهبوط الاضطراري في مدينة مشهد، قبل أن يكمل أعضاء الوفد رحلتهم برًا إلى طهران، وسط إجراءات أمنية استثنائية.

ورغم تلك المخاطر، استمرت اللقاءات السياسية لاحقًا في الدوحة وسويسرا، في محاولة للحفاظ على المسار التفاوضي.

أسفرت المفاوضات لاحقًا عن اتفاق إطار بين واشنطن وطهران شمل إعادة فتح مضيق هرمز والانطلاق نحو مفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني.

إلا أن هذا الاتفاق قوبل في إسرائيل باعتباره انتكاسة استراتيجية، لأنه منح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والسياسية من دون تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة، وفي مقدمتها تغيير النظام، وتقويض برنامجه الصاروخي، وإنهاء نفوذه الإقليمي.

ما وراء الرواية

سواء ثبتت جميع هذه المعطيات أم بقي بعضها في إطار التقديرات الاستخباراتية، فإنها تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين خصوم، بل أصبحت أيضًا ساحة لصراع الإرادات بين الحلفاء أنفسهم.

 

فالولايات المتحدة كانت ترى أن القوة العسكرية وسيلة لفرض تسوية سياسية، بينما كانت إسرائيل ترى أن أي تسوية تُبقي النظام الإيراني قائمًا تعني أن الحرب لم تحقق غايتها.
al-Post

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا