دمشق بعد الأسد… كما تراها تل أبيب
في الشرق الأوسط، لا تُكتب الكتب دائماً لتوثيق الماضي، ولا تصدر جميعها بدافع البحث الأكاديمي الخالص. فكثير منها يُكتب لاستشراف المستقبل، والتأثير في دوائر القرار، وتهيئة الرأي العام لتحولات لم تتبلور بعد. لذلك، فإن صدور كتاب إسرائيلي جديد بعنوان «الثورة في سوريا.. الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد» لا يمكن التعامل معه بوصفه إصداراً فكرياً عابراً، بل باعتباره وثيقة سياسية تستحق أن تُقرأ بين السطور، خصوصاً أنه يأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتُطرح أسئلة جديدة حول موقع سوريا في الشرق الأوسط بعد انتهاء حقبة حكم عائلة الأسد.
وتتضاعف أهمية الكتاب عندما تقع العين على غلافه قبل صفحاته. فصورة الرئيس أحمد الشرع تتصدر المشهد، فيما تبدو صورة بشار الأسد ممزقة في الخلفية، في مشهد بصري لا يبدو بريئاً أو اعتباطياً. ففي الأدبيات السياسية الإسرائيلية، لا يُعدّ الغلاف مجرد عنصر فني، بل جزءاً من الرسالة ذاتها. وكأن الناشر والمؤلفين يريدان القول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة يحكمها الأسد، بل بوصفها دولة جديدة ينبغي فهمها والتعامل مع قيادتها الجديدة. إنها ليست محاولة لتوثيق نهاية رجل، بقدر ما هي إعلان عن بداية مرحلة، وإعادة تعريف لسوريا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي.
من داخل التجربة
ولا يقل اسم المؤلفين أهمية عن مضمون الكتاب. فالبروفيسور إيتمار رابينوفيتش ليس مجرد مؤرخ أو أستاذ جامعي، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، ورئيس الوفد الإسرائيلي الذي خاض مفاوضات السلام مع دمشق خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو رجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، بعدما كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. أما كرميت فالنسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، والذي يُنظر إليه باعتباره خزاناً للأفكار التي تجد طريقها لاحقاً إلى المؤسسة الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يمثّل مجرد اجتهاد فكري، بل يعكس بدرجة كبيرة اتجاهاً داخل النخبة الإسرائيلية يسعى إلى إعادة تعريف سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته.
وإذا كان عنوان الكتاب يربط بين الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد، فإن الرسالة الأعمق تكمن في أن المؤلفين يعتبران أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن سنوات الحرب نفسها، بل انتهاء النظام الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن. فالحرب، وفق هذه القراءة، ليست سوى مقدمة، أما الفصل الأهم فيبدأ بعد سقوط النظام، حين تصبح الأسئلة مرتبطة بطبيعة الدولة الجديدة، وهوية قيادتها، واتجاهاتها الإقليمية، وحدود براغماتيتها، وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل معها.
أسئلة استراتيجية
ومن هنا، يبدو واضحاً أن النقاش داخل النخبة الإسرائيلية انتقل من سؤال هيمن على سنوات الصراع: هل يسقط النظام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ستكون سوريا بعد الأسد؟ وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الفوضى إلى التفكير في الدولة التي قد تنهض من تحت أنقاض الحرب، بعدما كانت الأولوية طوال سنوات الصراع منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، وإبقاء سوريا في حالة إنهاك استراتيجي.
ويمنح تاريخ رابينوفيتش هذا الكتاب بُعداً إضافياً. فقد سبق له أن أثار جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فوّت فرصة تاريخية لاستعادة الجولان، عندما رفض، بحسب روايته، التجاوب مع المبادرة التي طُرحت خلال قمة جنيف السورية الإسرائيلية عام 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. ورغم أن هذه الرواية بقيت موضع خلاف بين الباحثين والمؤرخين، الذين يشيرون إلى أن الخلافات حول حدود الانسحاب والترتيبات الأمنية كانت سبباً رئيسياً في انهيار المفاوضات، فإن استعادتها اليوم تحمل دلالة سياسية؛ إذ توحي بأن المؤلف يرى في القيادة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً عن المدرسة التي حكمت دمشق لعقود، وربما أكثر استعداداً لاعتماد مقاربات سياسية أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بحسابات الدولة.
أما كرميت فالنسي، فقد كرّست خلال السنوات الأخيرة معظم أبحاثها لمتابعة التحولات السورية واللبنانية، وكانت من أكثر الأصوات الإسرائيلية انتقاداً لسياسة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا. فهي ترى أن الإفراط في الضربات العسكرية قد يدفع دمشق إلى تجاوز ما تصفه بـ«نقطة اللاعودة»، بما يحول دون الاستفادة من أي توجهات براغماتية لدى القيادة السورية الجديدة. وفي أكثر من دراسة، دعت إلى قراءة سوريا بعقل استراتيجي لا بعقلية أمنية صرفة، معتبرة أن إسرائيل قد تفوّت فرصة تاريخية إذا بقيت أسيرة سياسة إدارة التهديدات بدل إدارة التحولات.
تحديات الداخل
ولا تعني هذه القراءات بالضرورة أن دمشق تتبنى الرؤية ذاتها. فالقيادة السورية الجديدة تواجه أولويات داخلية هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة اللاجئين، وترميم البنية التحتية، واستعادة وحدة الأراضي السورية. كما أن قضية الجولان المحتل تبقى جزءاً من الثوابت الوطنية السورية، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو تبدل الخطاب السياسي. ولذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن «براغماتية دمشق» لا ينبغي تفسيره بوصفه استعداداً سورياً لتقديم تنازلات استراتيجية، بقدر ما يعكس قراءة إسرائيلية لترتيب مختلف للأولويات في مرحلة إعادة بناء الدولة.
لكن اللافت في هذا الكتاب أنه يقول عن إسرائيل بقدر ما يقول عن سوريا. فهو يكشف أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولة يُعاد بناؤه، لا مجرد ساحة حرب أو مساحة نفوذ إيراني أو روسي. وهذا التحول في الإدراك قد يكون أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه، لأنه يعكس بداية مراجعة داخلية لطريقة النظر إلى الجار السوري، بعد سنوات من الاكتفاء بإدارة الصراع ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد.
ولعل الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب أن إسرائيل لم تعد تناقش مستقبل الحرب السورية، بل مستقبل الدولة السورية، وأنها تحاول استباق هذا المستقبل عبر إنتاج سردية جديدة تفسّر التحول وتحدد كيفية التعامل معه. فالكتب، في البيئة الإسرائيلية، كثيراً ما تسبق القرارات السياسية، وتبدأ الأفكار في مراكز الدراسات قبل أن تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء وقاعات المجلس الوزاري الأمني المصغر.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه هذا الإصدار لا يتعلق فقط بمحتواه، بل بما إذا كان يمثّل مقدمة لتحول أوسع داخل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فهل بدأت تل أبيب تقتنع بأن سوريا الجديدة تستدعي أدوات سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع نظام الأسد؟ وهل تمهّد النخبة الأكاديمية والأمنية لنقاشات قد تفضي، في مرحلة لاحقة، إلى مقاربة جديدة تجاه دمشق؟
