تحميل

إبحث

في الصميم

ماسك يرفع الراية البيضاء… الذكاء الاصطناعي خرج من يد البشر

Mask AI

قبل سنوات، كان إيلون ماسك أحد أكثر الأصوات تحذيراً من الذكاء الاصطناعي. كان يتحدث عن “استدعاء الشيطان”، ويحذر من أن الروبوتات قد تشكل تهديداً وجودياً للبشرية، بل وقدّر احتمال انقراض الإنسان بسبب الذكاء الاصطناعي بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المئة.

لكن، في مقابلته الأخيرة مع مجلة «The Economist»، بدا الرجل وكأنّه تخلّى عن فكرة المقاومة، وانتقل من موقع المحذّر إلى موقع المتعايش مع ما يعتبره قدرًا لا يمكن إيقافه.

هذا التحوّل ليس مجرّد تغيير في النبرة، بل يعكس تغيّرًا أعمق في طريقة تفكير قادة صناعة الذكاء الاصطناعي أنفسهم. فبدلًا من السؤال: «كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من تجاوز الإنسان؟»، أصبح السؤال: «كيف نتعايش مع عالم لم يعد الإنسان فيه الكائن الأذكى؟».

أفضل من البشر

يذهب ماسك إلى حدّ توقّع أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع الذكاء البشري خلال نحو خمس سنوات، وأن يصبح قادرًا على أداء كلّ مهمّة تقريبًا بصورة أفضل من الإنسان، باستثناء كونه إنسانًا. وإذا تحقّق هذا السيناريو، فإن البشرية ستكون أمام لحظة تاريخية غير مسبوقة، لا تشبه الثورة الصناعية ولا ثورة الإنترنت، بل تمثّل انتقالًا في مركز الذكاء نفسه من الإنسان إلى الآلة.

المثير أن ماسك لا يقدّم هذه الرؤية بوصفها نذيرًا كارثيًّا، بل يربطها بعصر يسمّيه «الوفرة المذهلة». ففي تصوّره، ستصبح القدرة الإنتاجية للذكاء الاصطناعي والروبوتات هائلة إلى درجة أن كلّ إنسان قد يمتلك تقريبًا كلّ ما يستطيع تخيّله، ما لم تتدخّل كارثة كبرى، كحرب عالمية نووية، لتعطيل هذا المسار.

لم يعد السؤال: هل سيتفوّق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ بل: مَن سيملكه حين يصبح أذكى من البشر جميعًا؟

الذكاء الكارثة

لكنّ هذا التفاؤل لا يلغي المفارقة الأساسية في حديثه. فالرجل لا يزال يعتقد أن احتمال وقوع كارثة بسبب الذكاء الاصطناعي قائم، ومع ذلك يرى أن محاولة إيقاف التطوّر أصبحت غير واقعية. إنّها ليست ثقة مطلقة بالتكنولوجيا، بل نوع من الاستسلام أمام سرعتها.

الأكثر إثارة أن ماسك يعترف، بصورة غير مباشرة، بأن جهوده السابقة للموازنة بين القوى في هذا المجال جاءت بنتائج عكسية. فهو يقول إن تأسيس «OpenAI» كان، في الأصل، يهدف إلى كسر احتكار غوغل لأبحاث الذكاء الاصطناعي، لكن النتيجة العملية كانت تسريع السباق العالمي، ثم جاءت «Anthropic» لتضيف لاعبًا جديدًا إلى المنافسة. وكأن كلّ محاولة لتنظيم السباق تؤدّي، في النهاية، إلى زيادة سرعته.

هذه واحدة من أخطر المفارقات في صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم. فالمنافسة التجارية لا تدفع الشركات إلى التباطؤ من أجل السلامة، بل إلى التسارع خوفًا من أن يسبقها المنافسون. ولذلك يرى ماسك أن الحلّ لا يكمن في وقف التطوير، وإنّما في إنشاء آلية دائمة يجتمع فيها قادة شركات الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة، لمراجعة نماذج بعضهم بعضًا، وإبلاغ الحكومات بالمخاطر المحتملة قبل إطلاقها.

جهل الحكومات

هذا الاقتراح يكشف أيضًا أزمة الثقة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا. فبحسب ماسك، لا تمتلك الحكومات المعرفة التقنية الكافية للحكم على مخاطر النماذج الجديدة، بينما يفهم المنافسون تفاصيلها بصورة أفضل. وبذلك، تتحوّل الشركات نفسها إلى جهة رقابة على بعضها بعضًا، في نموذج غير مسبوق يجعل القطاع الخاص جزءًا من منظومة التنظيم، لا مجرّد طرف يخضع لها.

ورغم أن الحوار لم يخلُ من انتقادات شخصية، خاصة تجاه سام ألتمان، فإن خلف هذه الخلافات يكمن سؤال أكبر: مَن يملك حقّ رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي؟ هل هي الحكومات؟ أم الشركات؟ أم العلماء؟ أم أن السباق خرج بالفعل من يد الجميع؟

انضمّ إليهم

ربما كانت أكثر جملة تعبّر عن فلسفة ماسك الجديدة قوله: «إذا لم تستطع التغلّب عليهم، فانضمّ إليهم». فهي ليست مجرّد عبارة ساخرة، بل إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من التفكير؛ مرحلة كان الاعتقاد فيها أن البشرية تستطيع ضبط سرعة التطوّر، وبداية مرحلة أخرى ترى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قوة تاريخية تتجاوز قدرة أيّ شركة أو دولة أو شخص على إيقافها. لكنّ السؤال الذي تجاهله ماسك، أو ربما لم يجد له جوابًا، هو ما إذا كانت «الوفرة المذهلة» التي يتحدّث عنها ستكون متاحة للجميع فعلًا، أم أنها ستتركّز في يد الشركات التي تمتلك الحواسيب العملاقة، والبيانات، والطاقة، ورقائق الذكاء الاصطناعي. فالتاريخ يعلّمنا أن كلّ ثورة تكنولوجية صنعت ثروات هائلة، لكنها صنعت أيضًا تفاوتًا هائلًا في القوة والنفوذ. ربما لهذا السبب، فإن القضية لم تعد تتعلّق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتفوّق على الإنسان، بل بمَن سيملك هذا الذكاء عندما يتحقّق ذلك. فالتحدّي الحقيقي في السنوات المقبلة قد لا يكون تقنيًّا، بل سياسيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، يتعلّق بمَن يكتب قواعد العالم الجديد قبل أن يكتبها الذكاء الاصطناعي بنفسه.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا