تحميل

إبحث

في الصميم

أزمة التعليم… ماذا تبقّى للمدرسة بعد الذكاء الاصطناعي؟

education_maturity_cover

هناك صفقة غريبة جدًا نعقدها مع التعليم. نأخذ من الإنسان اثنتي عشرة سنة كاملة، منذ الصف الأول وحتى نهاية المرحلة الثانوية، ثم نطلب منه أن يضيف إليها أربع سنوات أخرى في الجامعة، فيصبح قد دفع من عمره قرابة نصف شبابه مقابل ماذا؟ مقابل معلومات.

والمشكلة أن الثورة الرقمية جاءت اليوم لتجعل هذه الصفقة تبدو أكثر غرابة، فالمعلومة التي كان الطالب يحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى يصل إليها، يستطيع اليوم أن يجدها خلال دقائق، والمعلومة التي كان يحفظها عن ظهر قلب استعدادًا للامتحان، يستطيع بعد سنوات أن يستعيدها من هاتفه وهو جالس في المقهى.

إذًا، إذا كانت وظيفة التعليم هي فقط أن يمنحني المعلومات، فلدينا مشكلة حقيقية، لأن التكنولوجيا أصبحت قادرة على توفير المعلومات أسرع من أي مدرسة وجامعة.

إنسانٌ أفضل

وبالتالي، عندما أعطيك ابني أربعة عشر أو ستة عشر عامًا من عمره، فأنا لا أريد منك أن تعيده إليّ وهو يحمل رأسًا مليئًا بالمعلومات التي سينسى معظمها لاحقًا، بل أريده أن يعود إليّ إنسانًا أفضل. أريده صالحًا في نفسه، متزنًا في عقله، واعيًا في قراراته، قادرًا على تحمّل المسؤولية، يعرف كيف يختلف، وكيف يخسر، وكيف يفشل، وكيف ينهض من جديد، وكيف يعيش مع الآخرين من دون أن ينهار أمام أول كلمة لا تعجبه.

لكن المشكلة أننا ركزنا كثيرًا على عقل الطالب، ونسينا نفسه. نملأ المناهج بالمعادلات والتواريخ والنظريات، ثم ابحث عن مكان النفس فيها. أين يتعلم الطفل كيف يتعامل مع الغضب؟ أين يتعلم كيف يتحمل الإحباط؟ كيف يسمع النقد؟ كيف يواجه الفشل؟ كيف يعتذر؟ كيف يتحمل نتيجة خطئه؟ كيف يعرف أن الحياة لن تكون دائمًا على مقاس مشاعره؟

المطلوب من المدرسة ألا تُخرّج طالبًا يعرف أكثر من غوغل، بل إنسانًا يعرف ماذا يفعل بما يعرف

هشاشة محمية

الأغرب أننا عندما لاحظنا ارتفاع هشاشة بعض الطلاب نفسيًا، لم نسأل أولًا: كيف نبني نفسًا أكثر صلابة؟ بل ذهبنا إلى الحل الأسهل: فلنضع قانونًا جديدًا. أصبح الطفل هشًّا؟ فلنزد قوانين التنمر. أصبح أكثر حساسية؟ فلنضف مزيدًا من الحماية. تأذى من كلمة؟ فلنبحث عن طريقة لمنع الكلمات.

بهذه الطريقة، قد نصل يومًا إلى طالب يجب التعامل معه كما نتعامل مع قطعة أثرية في متحف: ممنوع الاقتراب، ممنوع اللمس، وممنوع حتى التنفس بالقرب منه حتى لا ينكسر!

طبعًا، لا أحد عاقل يريد التنمر أو الإيذاء أو الإساءة إلى الأطفال. حماية الطفل واجب، لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تحمي الإنسان من الأذى، وبين أن تحاول حماية الإنسان من كل تجربة يمكن أن تجعله أقوى.

فالحياة نفسها لن تفعل ذلك. سيكبر الطفل، وسيرفضه أحد، وسينتقده أحد، وسيفشل في شيء، وسيخسر، وسيختلف مع شخص، وربما يسمع كلامًا لا يعجبه. فهل سنضع حوله طوال حياته سياجًا من القوانين؟

مسؤولية مؤجّلة

هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أننا أصبحنا نؤخر المسؤولية إلى وقت متأخر جدًا. لدينا اليوم ابن في الرابعة عشرة من عمره، فإذا دخل الضيوف إلى البيت، قد يقول له والده: «حبيبي، اذهب إلى غرفتك، هناك رجال». وكأننا نتحدث عن طفل في الرابعة!

بينما في زمن سابق، كان ابن الرابعة عشرة، إذا دخل الضيوف إلى المنزل، هو الذي يفتح الباب، ويرحب بهم، ويجلسهم، ويقدم لهم ما يستطيع تقديمه، وربما جلس يستمع إلى حديث الكبار ويتعلم منه. لم يكن والده يقول له: «أنت طفل، لا شأن لك». كان يعطيه مهمة، وبالمهمة كان يعطيه شعورًا بأنه أصبح شخصًا يُعتمد عليه.

اليوم قد يصل الابن إلى الجامعة، ومع ذلك يبقى في نظر أسرته طفلًا. أمه تتصل لتعرف أين وصل، وأبوه يتابع واجباته، والأسرة تدير مواعيده، وربما تتصل الجامعة بولي أمره، فيجد الأب نفسه يشرح لماذا تأخر ابنه عن محاضرة، بينما الابن جالس بجانبه في الرابعة والعشرين من عمره!

ثم نتساءل بعد ذلك بكل براءة: لماذا لا يتحمل الشباب المسؤولية؟ لأننا لم نعطهم مسؤولية أصلًا.

From Information Overload to Growth
كلما تأخرت المسؤولية، تأخر معها النضج

عضلة النضج

الرجولة، أو النضج بمعناه الإنساني، لا يبدأ بعد التخرج من الجامعة. ليست هناك حفلة تخرج يحصل فيها الشاب، مع الشهادة، على شهادة أخرى مكتوب عليها: «مبروك، أصبحت الآن مسؤولًا».

المسؤولية تُدرَّب كما تُدرَّب العضلات. تعطي الطفل مهمة صغيرة، ثم أكبر، ثم أكبر، فيتعلم أن هناك أشياء تعتمد عليه، وأن خطأه له نتيجة، وأن نجاحه له قيمة، وأن الحياة ليست خدمة فندقية مجانية توفر له كل شيء بمجرد أن يطلبه.

وكلما تأخرت المسؤولية، تأخر معها النضج. هذه علاقة شبه مباشرة. الطفل الذي لا نسمح له باتخاذ قرار صغير في الرابعة عشرة، لا يمكننا أن نطالبه فجأة بأن يتخذ قرارات مصيرية في الرابعة والعشرين. والشاب الذي اعتدنا أن نفعل له كل شيء، لا نستطيع أن نغضب منه لأنه لم يتعلم كيف يفعل شيئًا بنفسه.

معنى التعليم

هنا يجب أن نعيد التفكير في معنى التعليم كله. فليس المطلوب أن تُخرّج المدرسة طالبًا يعرف أكثر من غوغل، لأن غوغل، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا عمومًا، قرروا أن ينافسوا المدارس في هذه الوظيفة، وربما يفوزون علينا أيضًا!

المطلوب أن تُخرّج المدرسة إنسانًا يعرف كيف يستخدم المعرفة، لا مجرد إنسان يحفظها. إنسانًا يستطيع التفكير، والحوار، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الفشل، وضبط نفسه، واحترام الآخرين، والوقوف على قدميه عندما تسقطه الحياة. لأن التعليم الذي يمنحك آلاف المعلومات ولا يعلمك كيف تدير نفسك، قد يجعلك متعلمًا، لكنه لا يضمن أن يجعلك ناضجًا.

ماذا نريد؟

لهذا، عندما أعطي ابني اثنتي عشرة سنة في المدرسة وأربعًا في الجامعة، لا أريد أن أستعيده بعد كل هذه السنوات وهو يقول لي: «أبي، أعرف تعريف الفيزياء، لكن لا أعرف كيف أواجه الفشل».

ولا أريده أن يعرف تاريخ الحروب كلها، لكنه ينهار أمام أول خلاف. ولا أريده أن يحصل على أعلى العلامات، لكنه يحتاج إلى والديه كي يتصلوا بالجامعة نيابة عنه.

ففي زمن تستطيع فيه الآلة أن تعطي الإنسان المعلومة خلال ثوانٍ، أصبح السؤال الحقيقي للتعليم مختلفًا تمامًا: إذا كانت الآلة ستعطينا المعلومات، فماذا سنعلّم الإنسان؟

هنا ربما تكون الإجابة الأهم: سنعلّمه الشيء الذي لا تستطيع أي آلة أن تعيشه بالنيابة عنه؛ سنعلّمه كيف يكون إنسانًا. لأن أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها ابنك ليست ورقة معلقة على الحائط، بل أن يصبح شخصًا تستطيع الحياة أن تسلمه مسؤولية… ولا تخاف عليه.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا