تحميل

إبحث

ماذا لو

الشهر الذي اسودّ على العرب

Charred Calendar Over a Divided City

هناك تواريخ لا تحتاج إلى شرح طويل كي تستعيد الذاكرة تفاصيلها. يكفي أن تقول «أيلول الأسود»، حتى تفتح في الوجدان العربي واحدة من أكثر الصفحات قسوةً والتباسًا في التاريخ العربي الحديث.

لكن السؤال الذي قلّما يُطرح هو: لماذا أيلول؟ ولماذا أسود؟ ومن الذي أطلق هذه التسمية أصلًا؟

في سبتمبر/أيلول 1970 اندلعت في الأردن مواجهة مسلحة واسعة بين القوات الأردنية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بعد سنوات من تصاعد التوتر بين الدولة الأردنية والتنظيمات الفلسطينية المسلحة التي أصبحت تملك حضورًا عسكريًا وسياسيًا متزايدًا داخل المملكة.

تقول مصادر تاريخية إن تسمية «أيلول الأسود» كانت تسمية فلسطينية للأحداث، في حين أن الوثائق والمراسلات الأميركية المعاصرة، ومنها مراسلات هنري كيسنجر وريتشارد نيكسون، لم تستخدم هذه التسمية بوصفها الاسم الرسمي للأحداث.

هنا تبدأ أهمية الاسم.

فـ«أيلول الأسود» ليس مجرد تحديد زمني لشهر وقعت فيه معارك، إنه وصف سياسي ووجداني لما حدث. كلمة «أسود» تختصر في الذاكرة الفلسطينية مشاهد القتال والضحايا وإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن، فيما بقيت في الذاكرة الأردنية رواية مختلفة ترى أن الدولة واجهت تهديدًا خطيرًا لسيادتها وأمنها، وأن الجيش الأردني خاض معركة لاستعادة سلطة الدولة ومنع تحوّل البلاد إلى ساحة تتعدد فيها مراكز القوة.

بين الروايتين تقف الحقيقة الأكثر إيلامًا: كان الدم عربيًا من الجانبين.

الوصول إلى تلك اللحظة؟

لفهم أيلول 1970 لا يكفي أن نبدأ من سبتمبر نفسه. بعد حرب 1967، تغيّرت البيئة السياسية والعسكرية في المنطقة بصورة جذرية. أصبح الأردن، الذي كان يضم أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين، قاعدة رئيسية للعمل الفدائي الفلسطيني.

ومع مرور الوقت، توسع نفوذ التنظيمات الفلسطينية المسلحة، وتداخل حضورها العسكري مع الحياة اليومية والسياسية داخل الأردن، الأمر الذي خلق احتكاكًا متزايدًا مع مؤسسات الدولة. وتصف دراسات تاريخية تلك المرحلة بأنها شهدت تصاعدًا في التوتر بين الحكومة الأردنية والفصائل الفلسطينية حول السلاح والسيادة وطبيعة العمل الفدائي.

ثم جاءت عمليات خطف الطائرات في سبتمبر 1970، عندما أجبرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عدة طائرات على الهبوط في مواقع داخل الأردن، لتصبح الأزمة أكثر خطورة، ولتدفع الدولة الأردنية إلى مواجهة مفتوحة مع التنظيمات المسلحة.

في 17 سبتمبر تقريبًا، تحولت المواجهة إلى حرب شوارع واسعة في عمّان ومناطق أخرى. واستمر القتال بأشكال مختلفة حتى عام 1971، قبل أن تنتهي المرحلة بخروج معظم الفصائل الفلسطينية المسلحة من الأردن وانتقال مركز ثقل منظمة التحرير إلى لبنان.

لكن اختزال كل ذلك في جملة «الأردن قاتل الفلسطينيين» أو «الفلسطينيون أرادوا إسقاط الأردن» هو تبسيط مُخلّ لتاريخ بالغ التعقيد.

المأساة لم تكن في اختلاف الأردني والفلسطيني، بل في أن القضية التي كان يفترض أن توحّدهما أصبحت سببًا للدم

نحن العرب

لكن هل يجوز أن نقول «نحن العرب»؟ نعم، إذا كان المقصود أننا نقرأ أيلول الأسود بوصفه جرحًا في التاريخ العربي المشترك، لا إذا كان المقصود تذويب المسؤوليات والوقائع.

فليس من الإنصاف أن يُقال «العرب فعلوا»، وكأن هناك طرفًا عربيًا واحدًا اتخذ قرارًا واحدًا. كانت هناك الدولة الأردنية، ومنظمة التحرير وفصائلها، وأنظمة عربية مختلفة، ومواقف دولية متعارضة، وحسابات إقليمية لا يمكن وضعها جميعًا في سلة واحدة.

لكن، في المقابل، فإن تحويل أيلول الأسود إلى قضية «أردنية ضد فلسطينية» فقط هو أيضًا ظلم للتاريخ.

فالذين قُتلوا كانوا عربًا، والذين نزحوا كانوا عربًا، والذين حملوا السلاح كانوا عربًا، والأرض التي سال عليها الدم كانت عربية.

ولهذا فإن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في أن الأردنيين والفلسطينيين اختلفوا، بل في أن القضية الفلسطينية، التي كان يُفترض أن توحد العرب، أصبحت في لحظة ما سببًا لصدام دموي داخل البيت العربي نفسه.

black_september_shared_arab_tragedy
لا منتصر في حرب الإخوة؛ هناك فقط ذاكرة مثقلة بمن دفع الثمن

الدرس الذي لم نتعلمه

ربما يكون أيلول الأسود واحدًا من أكثر الدروس السياسية قسوةً في التاريخ العربي: عندما يصبح السلاح خارج إطار الدولة، وعندما تتعدد مراكز القوة، وعندما تتحول القضية الوطنية إلى مشروع عابر للحدود، فإن النوايا، مهما بدت نبيلة، يمكن أن تقود إلى صدام مع الدولة والمجتمع.

في المقابل، فإن معالجة مثل هذه الأزمات بالقوة وحدها تترك جروحًا لا تنتهي بانتهاء المعركة.

بعد أكثر من نصف قرن، لا يحتاج العرب إلى إعادة فتح أيلول الأسود بحثًا عن منتصر ومهزوم، بقدر ما يحتاجون إلى قراءة أسبابه ونتائجه بلا قداسة سياسية ولا انتقائية تاريخية.

فالأردن كان دولة لها حق الدفاع عن سيادتها، والفلسطينيون كانوا شعبًا يحمل قضية لم تُحلّ. والفصائل الفلسطينية كانت تقاتل من أجل قضية عادلة، لكن العمل المسلح داخل دولة مضيفة خلق إشكالية حقيقية حول السيادة والسلاح.

وبين هذه الحقائق المتداخلة وقعت المأساة. لذلك، ربما يكون الاسم الأكثر إنصافًا لهذا الفصل ليس فقط «أيلول الأسود»، بل «أيلول الذي اسودّ على العرب جميعًا». 

فالتاريخ لا يطلب منا أن نختار بين الأردن وفلسطين، بل يطلب منا أن نفهم كيف وصل الأردني والفلسطيني، وهما في قلب قضية عربية واحدة، إلى لحظة أصبح فيها كل منهما يرى في سلاح الآخر تهديدًا لوجوده.

السؤال الذي ينبغي ألّا يموت مع الذين عاشوا أيلول هو: كيف تتحول القضية العادلة، حين تفقد السياسة قدرتها على إدارة الخلاف، من عامل وحدة إلى سبب للدم؟ ذلك هو الدرس الحقيقي الذي تركه أيلول الأسود… ولذلك بقي أسودًا.
al-Post
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا