تحميل

إبحث

في الصميم

التفاحة أمام امتحان المستقبل

Apple’s Past Meets AI-Powered Future

لن يكون مؤتمر «آبل» في التاسع من سبتمبر/أيلول مجرد مناسبة للكشف عن آيفون جديد، بل اختبارًا مبكرًا لشركة تدخل مرحلة مختلفة في تاريخها. فالمؤتمر هو الأول للرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس بعد انتقال تيم كوك إلى رئاسة مجلس الإدارة، وهو يأتي في لحظة لم يعد فيها السؤال الأساسي: ماذا ستضع «آبل» داخل الهاتف المقبل؟ بل: هل تستطيع الشركة أن تعيد تعريف الهاتف نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي؟

على مدى نحو 15 عامًا، نجح كوك في تحويل «آبل» إلى إمبراطورية اقتصادية أكثر تنوعًا وأوسع نفوذًا، ورفع قيمتها السوقية إلى مستويات هائلة، ووسّع حضور الخدمات والأجهزة داخل منظومة مغلقة جعلت المستخدم لا يشتري منتجًا واحدًا بقدر ما يدخل عالمًا متكاملًا يصعب عليه مغادرته. لكن هذا النجاح يخفي تحديًا جديدًا؛ فالتكنولوجيا لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي اعتادت عليها «آبل»، والذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر العلاقة بين الإنسان والجهاز، بينما تبدو الشركة مطالبة باللحاق بسباق تقوده شركات أخرى منذ سنوات.

هنا تأتي أهمية تيرنوس؛ فالرجل ليس غريبًا عن قلب الشركة. لقد أمضى أكثر من 25 عامًا داخلها، وكان مسؤولًا عن هندسة الأجهزة التي صنعت جانبًا كبيرًا من نجاح آيفون وآيباد وماك وآبل ووتش وإيربودز. لكن اختيار مهندس للأجهزة لقيادة «آبل» في عصر الذكاء الاصطناعي يحمل مفارقة واضحة: هل تستطيع خبرة العتاد أن تقود شركة تواجه معركة أصبحت البرمجيات والذكاء الاصطناعي فيها أكثر أهمية من شكل الجهاز؟

آيفون الأغلى… والأقل اعتيادًا

المؤتمر المقبل يحمل تغييرًا في استراتيجية إطلاق آيفون نفسها. فبدلًا من طرح الطراز القياسي في الخريف كما جرت العادة، تشير التوقعات إلى تأجيل آيفون 18 القياسي إلى ربيع العام المقبل، فيما تركز «آبل» على آيفون 18 برو وبرو ماكس، إلى جانب هاتف «آيفون ألترا» القابل للطي، في أول دخول للشركة إلى سوق الهواتف القابلة للطي.

وهذا التحول ليس تفصيلًا تسويقيًا. فالآيفون القياسي كان الأكثر مبيعًا، إذ تصدّر آيفون 17 مبيعات الهواتف عالميًا خلال الربع الثاني من 2026، كما تصدّر آيفون 16 الفترة نفسها من العام السابق. ولذلك، فإن تأجيل الطراز الذي يشتريه العدد الأكبر من المستخدمين يعني أن «آبل» تراهن على الفئات الأعلى سعرًا وهوامش الربح الأكبر.

ومن المتوقع أن يبدأ سعر آيفون 18 برو عند نحو 1199 دولارًا، وبرو ماكس عند 1299 دولارًا أو أكثر، بينما قد يتجاوز الهاتف القابل للطي حاجز 2000 دولار. وبذلك لا تقدم «آبل» هاتفًا جديدًا فقط، بل تختبر أيضًا حدود استعداد المستهلك لدفع ثمن أعلى في سوق أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر نضجًا وأقل قدرة على إبهار المستخدم بالقفزات السنوية التقليدية.

الذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر فرصة لآبل… أو أول نقطة ضعف حقيقية في إمبراطوريتها

الهاتف القابل للطي ليس مجرد شاشة

أهمية «آيفون ألترا» لا تكمن فقط في أنه قابل للطي، وإنما في أنه يكشف عن محاولة «آبل» دخول فئة ظلت لسنوات ملعبًا لشركات منافسة، خصوصًا سامسونغ. ومن المتوقع أن يجمع الهاتف بين شاشة داخلية تقارب 7.8 بوصات وشاشة خارجية أصغر، مع تصميم بالغ النحافة، فيما تشير التوقعات إلى الاستغناء عن Face ID لمصلحة بصمة الإصبع.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع «آبل» صناعة هاتف قابل للطي؟ فهذه التكنولوجيا موجودة منذ سنوات. السؤال هو: هل تستطيع أن تجعله منتجًا جماهيريًا يحمل معنى جديدًا للآيفون؟

إذا نجحت، فقد تكون أمامها فئة جديدة تعيد تنشيط سوق الهواتف الراقية. وإذا فشلت، فقد تتحول إلى مجرد محاولة متأخرة للحاق بمنافسين سبقوها إلى السوق.

الذكاء الاصطناعي هو الامتحان الحقيقي

لكن كل هذه الأجهزة قد تكون أقل أهمية من «سيري». فالذكاء الاصطناعي هو المعركة التي ستحدد موقع «آبل» في السنوات المقبلة، وهنا تحديدًا لا تبدو الصورة مريحة تمامًا.

الشركة أعلنت عن «سيري» أكثر ذكاءً، قادرة على فهم السياق الشخصي للمستخدم، والتعامل مع الرسائل والصور والبريد ومحتوى الشاشة، وتنفيذ إجراءات داخل التطبيقات. لكن بعض هذه المزايا لن يكون متاحًا فورًا، كما أن «سيري» الجديدة لن تدعم العربية في البداية.

وهذه نقطة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلًا تقنيًا. فالمشكلة بالنسبة إلى «آبل» أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية يمكن إطلاقها لاحقًا؛ لقد أصبح طبقة جديدة فوق التكنولوجيا كلها. والمستخدم بدأ يتوقع من هاتفه أن يفهمه، لا أن ينفذ أوامره فقط.

إذا كانت «آبل» قد بنت قوتها على التكامل بين الجهاز والنظام والخدمات، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون الفرصة الأكبر لتوسيع هذا التكامل، لكنه قد يصبح أيضًا نقطة ضعفها إذا سبقها الآخرون في تحويل الهاتف إلى مساعد حقيقي يتنبأ باحتياجات المستخدم وينفذها بدلًا منه.

من اقتصاد الآيفون إلى اقتصاد المنظومة

تظل قوة «آبل» الأساسية ضخمة. لديها قاعدة مستخدمين هائلة، ونظام تشغيل مغلق ومتكامل، ومتجر تطبيقات، وخدمات، وأجهزة مترابطة، وعلامة تجارية تستطيع بيع المنتج بسعر أعلى من معظم المنافسين.

لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد. فكلما كانت المنظومة مغلقة، أصبح التغيير أصعب، وكلما كان المستخدم معتادًا على تجربة مستقرة، أصبح إقناعه بقفزة تكنولوجية جذرية أكثر تعقيدًا.

ولهذا، فإن تيرنوس لا يرث شركة فاشلة، بل يرث شركة ناجحة جدًا تواجه مشكلة النجاح نفسه: كيف تغيّر نموذجًا أثبت نجاحه من دون أن تدمره؟

apple_future_transition_editorial
قد يكون آيفون 18 الأغلى، لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيكون الأكثر ضرورة؟

آبل أمام لحظة تاريخية

من السهل النظر إلى مؤتمر التاسع من سبتمبر باعتباره حفلة أخرى لإطلاق آيفون وساعة وسماعات جديدة. لكن القراءة الأعمق تقول إن «آبل» تدخل اختبارًا أكبر بكثير. فالشركة تغيّر القيادة، وتغيّر استراتيجية إطلاق الآيفون، وتدخل سوق الهواتف القابلة للطي، وتحاول اللحاق بالذكاء الاصطناعي، وترفع الأسعار في وقت يواجه فيه المستهلك العالمي ضغوطًا اقتصادية متزايدة.

ولهذا، فإن السؤال الذي سيخرج من المؤتمر ليس فقط: كم يبلغ سعر آيفون 18؟ بل: هل ما زالت «آبل» قادرة على صناعة المستقبل، أم أنها أصبحت بارعة في تحسين الماضي؟

كان تيم كوك سيد مرحلة التوسع والكفاءة وتحويل الابتكار إلى إمبراطورية مالية. أما جون تيرنوس، فيبدو أنه سيدخل مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة يتعين فيها على «آبل» أن تثبت أن التفاحة لا تزال قادرة على مفاجأة العالم.

ففي سوق التكنولوجيا، لا يكفي أن تكون الأكبر، عليك أن تكون أول من يجعل المستقبل يبدو ضروريًا.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا