“أديداس”…إنحياز لإسرائيل على حساب الضحايا

هنا لا تعود المسألة مجرد إعلان تجاري، بل تصبح معركة على الذاكرة: من يحق له أن يظهر كضحية، ومن يُدفع إلى خارج الكادر؟
بطل الإعلان
اختارت شركة «أديداس» الرياضية العالمية شاليف بيتون، الجندي الإسرائيلي السابق الذي فقد ساقه، للترويج لحملتها الجديدة لحذاء فردي مخصص لمن فقد أحد أطرافه.
الصورة مثالية بكل المقاييس التسويقية: رياضي مبتور، وإرادة تتحدى الإصابة، وحذاء واحد يتحول إلى رمز للاستقلال والقدرة على مواصلة الحياة. لكن الصورة النظيفة تخفي وراءها تاريخًا لا يبدو أن الإعلان يريد للمشاهد أن يسأل عنه.
في مايو/أيار 2021، أُصيب بيتون بجروح بالغة بعدما استهدف صاروخ فلسطيني موجّه الآلية العسكرية التي كان يستقلها. وتربط روايات فلسطينية سيرته بالخدمة قناصًا في الكتيبة 931 خلال «مسيرات العودة الكبرى» في قطاع غزة.
الجسد الغائب
هنا تبدأ المفارقة التي لا يستطيع أي حذاء أن يغطيها. «مسيرات العودة» لم تكن قصة رياضي يتحدى الإعاقة، بل كانت واحدة من أكثر مراحل المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية دموية، خلّفت أكثر من مئتي قتيل فلسطيني وعشرات آلاف الجرحى، بينهم آلاف الأطفال، إضافة إلى إصابات أدت إلى بتر أطراف وإعاقات دائمة.
كان هناك جنود إسرائيليون في الجهة المقابلة، وكان هناك فلسطينيون يحملون أجسادهم المنهكة من آثار المواجهة. لكن عندما وصلت القصة إلى الإعلان، بقي جسد الجندي، واختفى السياق.
لا أحد يقول إن الإنسان يفقد حقه في التعاطف لأنه كان جنديًا، ولا ينبغي أن تتحول الإعاقة نفسها إلى تهمة. لكن هناك فرقًا هائلًا بين التعاطف مع إنسان فقد ساقه، وبين تحويل هذه الإصابة إلى قصة إنسانية مكتملة بعد اقتطاع الظروف التي أنتجتها من الرواية.
أيُّ ألم يُرى؟
السؤال إذن ليس: لماذا اختارت «أديداس» رجلًا مبتور الساق؟ السؤال هو: لماذا اختارت أن تحكي قصة بتر واحدة، وكأن آلاف عمليات البتر الفلسطينية لا وجود لها؟
لماذا يصبح الجسد الإسرائيلي قصة إلهام عالمية، بينما يتحول الجسد الفلسطيني إلى رقم في تقرير حقوقي؟ لماذا يُطلب من العالم أن يرى الألم الإسرائيلي باعتباره مأساة إنسانية، فيما يُختزل الألم الفلسطيني في أرقام القتلى والجرحى؟
منذ اندلاع الحرب على غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين عشرات الآلاف، واستمر سقوط الضحايا في القطاع والضفة الغربية المحتلة. وخلف هذه الأرقام أطفال فقدوا أطرافهم، وعائلات فقدت أبناءها، وأجساد ستعيش بقية حياتها محمّلة بآثار الحرب.
نصف الحقيقة
ومع ذلك، لا تصل هذه الأجساد إلى الإعلانات بالطريقة نفسها. إنها ليست مصادفة بصرية، بل مشكلة في الرواية نفسها. فالدعاية الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى الكذب الصريح؛ يكفيها أن تختار نصف الحقيقة، وأن تضعه تحت إضاءة جيدة، ثم تترك النصف الآخر في الظلام.
هكذا يصبح الجندي «رياضيًا ملهمًا»، وتصبح الإصابة «قصة انتصار»، فيما تختفي خلف الصورة أسئلة الاحتلال والحرب والضحايا والمسؤولية.
يمكن للحذاء أن يساعد إنسانًا على استعادة قدرته على الحركة، وهذه غاية إنسانية لا خلاف عليها. لكن لا يمكن لحذاء واحد أن يعيد ساقًا إلى طفل فلسطيني، أو يعيد الحياة إلى قتيل، أو يمحو ذاكرة شعب عاش عقودًا تحت الاحتلال.
المشكلة ليست في الحذاء، بل في ما أُريد للحذاء أن يمحوه. فحين يظهر الجرح الإسرائيلي في واجهة الإعلان بوصفه بطولة، بينما يُدفن الجرح الفلسطيني في خلفية المشهد، لا تعود صناعة الإعلان مجرد تسويق لمنتج؛ إنها صناعة لرواية تختار من يستحق أن يكون إنسانًا كاملًا أمام الكاميرا، ومن يبقى مجرد رقم خارجها.
لم يكن المطلوب من «أديداس» أن تروي تاريخ الصراع كله في إعلان تجاري، لكن كان يمكنها، على الأقل، ألا تجعل الجرح منفصلًا عن السياق الذي أنتجه. لأن الاحتلال قد يملك السلاح والجدار والقوة، لكنه يحتاج أيضًا إلى شيء آخر كي يستمر: أن يصبح الألم الفلسطيني قابلًا للنسيان. والحذاء، مهما كان لامعًا، لا يستطيع أن يمحو الجريمة من الذاكرة.
