تحميل

إبحث

في الصميم

سوزان سارندون… نجمة خارج طاعة هوليوود

susan_sarandon_conscience_landscape

حين يمرّ تاريخ السينما العالمية على أسماء النجمات اللواتي تركن بصمة لا تُمحى في وجدان الجمهور، يتوقف مرارًا أمام وجه ملأ الشاشات بسحر ملامحه وعمق أدائه.

سوزان سارندون لم تكن يومًا مجرد ممثلة نالت أرفع الجوائز وحظيت بتصفيق النقاد في المهرجانات الدولية، بل هي حالة استثنائية للفنان المبدع الذي يرفض أن ينفصل فنّه عن قضايا العدالة، والانتصار للضمير، والدفاع عن الضعيف، ومواجهة الظلم مهما كان الثمن باهظًا.

الدرب الوعر

في عالم هوليوود، حيث تحكم الحسابات التجارية ومصالح الشركات الكبرى، وتُفرض الرقابة الذاتية على المواقف السياسية تجنبًا لخسارة الأدوار والعقود، اختارت سارندون أن تسير في الدرب الوعر. لم تخشَ يومًا من دفع ضريبة مواقفها الأخلاقية، بل جعلت من شهرتها منصة ومكبّرًا لصوت من لا صوت لهم، لتقدّم نموذجًا حيًّا للمثقف المشتبك والملتزم بقضايا الإنسان في كل مكان، وصولًا إلى موقفها التاريخي والمستمر في دعم حقوق الشعب الفلسطيني ومناهضة حرب الإبادة والظلم الواقع عليه، وهو الموقف الذي كلّفها الكثير في أروقة صناعة السينما، لكنه منحها احترامًا أبديًا في قلوب أحرار العالم.

لم يولد هذا الموقف الصلب والضمير اليقظ لسوزان سارندون من فراغ، بل هو نتاج رحلة طويلة بدأت من جذور طفولتها وتربيتها والتجارب القاسية التي صقلت وعيها وجعلتها المرأة والمبدعة التي هي عليها اليوم. وُلدت سارندون في مدينة نيويورك لعائلة كبيرة تنتمي إلى الطبقة العاملة، ونشأت في بيئة محافظة تحكمها تربية كاثوليكية صارمة.

في تلك الطفولة المبكرة، وبين جدران المدارس الدينية، بدأت تتشكّل ملامح شخصيتها المتمردة؛ لم تكن طفلة تقبل الإجابات الجاهزة أو تخضع للترهيب الفكري، بل كانت تطرح الأسئلة الصعبة وتبحث عن مكامن الحق والعدل والمساواة. هذه التربية الدينية، رغم صرامتها، غرست في داخلها مفاهيم عميقة حول نصرة المظلوم ومساعدة الفقير وإغاثة الملهوف، وهي المبادئ التي جرّدتها لاحقًا من إطارها الطقسي الضيق، لتبني بها عقيدة إنسانية شاملة تتجاوز الحدود والأعراق والأديان.

في عالم تُحسب فيه الكلمات بالعقود والأدوار، قالت سارندون ما تؤمن به ودفعت الثمن

فترة الغليان

مع انتقالها إلى الحياة الجامعية في ستينيات القرن الماضي، عاصرت سارندون واحدة من أكثر الفترات غليانًا في التاريخ الأميركي الحديث. كانت حركة الحقوق المدنية لمكافحة التمييز العنصري ضد السود في أوجها، وكانت التظاهرات المناهضة لحرب فيتنام تملأ الشوارع والجامعات. في هذا المناخ الثوري المشحون بالرغبة في التغيير، نزل الوعي السياسي والاجتماعي لسوزان سارندون من برج التنظير العاجي إلى أرض الواقع والشارع. شاركت في المسيرات، واستمعت إلى خطابات القادة الحقوقيين، وعاينت بنفسها كيف يمكن للسلطة الغاشمة أن تقمع أصوات المطالبين بالحرية والسلام. هذه التجارب الميدانية الأولى صهرت وعيها الإنساني، وجعلتها تدرك أن الصمت في وجه الظلم هو تواطؤ مع الظالم، وأن الفنان لا يمكنه أن ينعزل في فقاعة الشهرة بينما العالم من حوله يئنّ تحت وطأة الحروب والاضطهاد.

هذا التلاحم بين الوعي السياسي والخيارات الفنية ظهر مبكرًا في مسيرتها السينمائية، حيث رفضت سارندون أن تكون مجرد أداة للترفيه السطحي، واختارت أدوارًا تعكس فكرها النضالي وتطرح تساؤلات أخلاقية عميقة.

أدوار أيقونية

تجسّد ذلك بوضوح في فيلمها الأيقوني «Thelma & Louise» عام 1991، والذي تحوّل إلى صرخة سينمائية مدوية لتمكين المرأة وثورتها ضد القمع الذكوري والظلم الاجتماعي. كما قدّمت واحدًا من أعظم أدوارها في فيلم «Dead Man Walking» عام 1995، والذي نالت عنه جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة؛ حيث جسّدت شخصية الراهبة «هيلين بريجين» التي تدافع عن إنسانية سجين محكوم عليه بالإعدام.

هذا الدور لم يكن مجرد أداء تمثيلي عبقري، بل كان انعكاسًا مباشرًا لموقف سارندون الحقيقي في الحياة، والمناهض لعقوبة الإعدام، وتأكيدًا على رؤيتها بأن السينما يجب أن تحمل رسالة أخلاقية تحرّك ركود المجتمع وتواجه قوانينه القاسية.

تعيين أممي

هذا التاريخ النضالي الطويل والطبيعي لسارندون تجسّد في مواقف لا حصر لها على مدار عقود، ولم يقتصر على الشاشة الكبيرة، بل امتد إلى ساحات العمل الإنساني الدولي. في عام 1999، تم تعيين سارندون سفيرة للنوايا الحسنة لوكالة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، وهو منصب لم تتعامل معه كوجاهة اجتماعية، بل كمسؤولية ميدانية حقيقية.

سافرت سارندون إلى أكثر مناطق العالم فقرًا وتضررًا من الحروب والأوبئة، من الهند وكمبوديا إلى تنزانيا والبرازيل، مدافعة عن حقوق الأطفال والنساء، ومحاربة لمرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، ومنددة بالآثار المدمرة للحروب والصراعات المسلحة والفقر على مستقبل الأجيال الناشئة. ومن هنا، كانت دائمًا في مقدمة الصفوف الداعمة لقضايا حقوق العمال، وحقوق المهاجرين، والعدالة البيئية.

Celebrity and Solidarity in Golden Light
حين اختار كثيرون الصمت، اختارت سارندون أن ترفع صوتها

ضد الغزو والإبادة

وحين قررت الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003، لم تتردد سارندون في قيادة المسيرات المناهضة للحرب، معبّرة بجرأة عن رفضها للآلة العسكرية الأميركية وتزييف الحقائق، ومتقبلة بصدر رحب حملات الشيطنة والتشويه التي شنّتها ضدها وسائل الإعلام اليمينية في ذلك الوقت. بالنسبة إليها، كانت المبادئ الإنسانية غير قابلة للتجزئة؛ فلا يمكن المطالبة بالحرية والعدالة في الداخل الأميركي وتبرير سحقهما وتدمير حياة الشعوب في الخارج.

من هذا المنطلق الإنساني الشامل والصلب، جاء موقف سوزان سارندون المناصر للشعب الفلسطيني كحلقة طبيعية وتتويج حتمي لمسيرتها النضالية الطويلة وتجاربها مع المنظمات الدولية. إن ما جعل سارندون تقف بكل ثقلها وشجاعتها إلى جانب القضية الفلسطينية هو المحرك نفسه الذي جعلها تدافع عن الحقوق المدنية في شبابها، وهو الوعي نفسه الذي تعمّق لديها خلال جولاتها الإنسانية؛ وهو رفضها المطلق للاستعمار، والاضطهاد، والتمييز العنصري، وحصار الشعوب وتجويعها.

لم تنظر سارندون يومًا إلى القضية الفلسطينية عبر حسابات السياسة المعقدة أو البروباغندا الإعلامية الموجّهة التي تهيمن على الغرب، بل نظرت إليها بعيون الأم والإنسانة وسفيرة حقوق الإنسان التي ترى شعبًا يُحرم من أبسط حقوقه في الحياة والحرية وتقرير المصير على أرضه التاريخية. إن طفولتها وتجاربها علّمتها أن تقف دائمًا مع الضحية ضد الجلاد، ومع المستضعف ضد القوة العاتية التي تحاول محو وجوده وهويته.

وفي السنوات الأخيرة، وتحديدًا خلال حرب الإبادة والعدوان الغاشم والمستمر على قطاع غزة، رفعت سارندون سقف التحدي والمواجهة إلى مستويات لم يجرؤ عليها سوى القلة في هوليوود. نزلت إلى الشوارع والميادين في نيويورك، وتحدثت في التظاهرات الجماهيرية الحاشدة بكلمات حفرت في الأذهان، حيث صدح صوتها أمام الآلاف قائلة: «ليس من الضروري أن تكون فلسطينيًا لتهتم بما يحدث في غزة، بل يجب عليك فقط أن تكون إنسانًا. إن الصمت في هذه الأوقات يجعلك متواطئًا في الجريمة».

واستخدمت حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي لفضح الجرائم الإسرائيلية ونشر الحقيقة وتفنيد السرديات المضللة. لم تكتفِ بالتعاطف الإنساني الخجول، بل سمّت الأشياء بمسمّياتها؛ أدانت نظام الفصل العنصري، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار وفك الحصار، وانتقدت بشدة تواطؤ الحكومة الأميركية والدعم العسكري والمالي المطلق الذي تقدمه للاحتلال.

ماكينات ومكائد

هذه الجرأة الاستثنائية سرعان ما واجهتها ماكينة الترهيب في هوليوود برد فعل انتقامي وقاسٍ ومباشر؛ حيث قامت واحدة من كبريات وكالات المواهب الفنية في الولايات المتحدة (UTA) بفسخ عقودها وقطع علاقتها بها، وتراجعت شركات إنتاج عن التعاقد معها في مشاريع سينمائية جديدة، فضلًا عن حملات التشويه الشرسة التي اتهمتها بمعاداة السامية، في محاولة بائسة لإسكاتها واغتيالها معنويًا وفنيًا.

لكن رد سارندون كان يمثّل جوهر معدنها النضالي؛ فلم تتراجع، ولم تعتذر، ولم تنحنِ للعاصفة من أجل إنقاذ مسيرتها المهنية أو الحفاظ على ثروتها وشهرتها. بل أكدت بصلابة وعزم أن خسارة دور في فيلم أو عقود عمل لا تُقارن أبدًا بخسارة الإنسانية والضمير، وأنه لا يمكن الصمت أمام أشلاء الأطفال ودمار المستشفيات والمدارس في غزة وفلسطين.

ولم تكن سارندون وحدها في معركة الإلغاء الشرسة هذه، بل شكّل موقفها شرارة ألهمت جبهة عريضة من الفنانين داخل هوليوود الذين تضامنوا معها علنًا وضد سياسة تكميم الأفواه. فقد خرج عشرات النجوم من زملائها، مثل النجم جون كوزاك، والممثلة الحائزة على الأوسكار تيلدا سوينتون، والممثل والمخرج مارك روفالو، معلنين مساندتهم التامة لحقها في التعبير، ومنددين بالإجراءات العقابية التي اتُّخذت ضدها.

ووقّع المئات من صُنّاع السينما على بيانات مفتوحة تدعم سارندون وتؤكد أن مناهضة المجازر والدفاع عن الحق الفلسطيني هما التزامان أخلاقيان يقعان على عاتق كل مبدع حقيقي، مما أثبت أن محاولات الاستفراد بأيقونة بحجم سارندون قد باءت بالفشل، وساهمت في كسر جدار الخوف الذي هيمن عقودًا على أروقة الصناعة الترفيهية في أميركا.

إن ما جعل سوزان سارندون ما هي عليه اليوم هو ذلك التلاحم العضوي والنادر بين المبدع والمناضل داخل جسد واحد ونفس واحدة. إنها الفنانة التي أدركت مبكرًا أن الفن الحقيقي ليس أداة للترفيه السطحي أو وسيلة لجمع الثروات والتصفيق، بل هو رسالة أخلاقية تحررية تسعى لتغيير العالم وجعله أكثر عدلًا وإنسانية.

إن شجاعتها في مواجهة اللوبي الداعم للاحتلال، وإصرارها على نصرة الحق الفلسطيني، يثبتان أن الضمير الحي لا يُباع ولا يُشترى، وأن القامات الفنية العظيمة تُقاس بمواقفها الإنسانية في المنعطفات التاريخية الكبرى، وليس بعدد الجوائز والترشيحات على السجادة الحمراء.
al-Post
* كاتب صحافي وناقد سينمائي
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا