تحميل

إبحث

في الصميم

القمامة والقمقم

Sunset Harbor of Trapped Shadows

المدن كالناس، لا تنكشف في أوقات الرخاء، بل في لحظات العطب.

تحار في ما يمكن أن يُقال عن أزمة النفايات في صيدا. قيل فيها كل شيء تقريبًا: بيانات، مواقف، اتهامات، تبريرات، مزايدات، بطولات وهمية، ومعارك افتراضية… وكل طرف يزعم أنه صاحب الحق، وحارس الحقيقة، ومنقذ المدينة.

منذ أكثر من ربع قرن، تعاقبت على صيدا أجيال من المسؤولين والسياسيين والناشطين والخبراء وأصحاب الرؤى. تبدلت الأسماء. تغيرت الوجوه. مات بعضهم. كبر بعضهم. اختفى بعضهم… لكن الزبالة بقيت.

كيف يمكن لمدينة أن تنتج، خلال خمسة أجيال تقريبًا، كل هذا العدد من المتعاطين بالشأن العام، ولا تنتج جوابًا واحدًا نهائيًا عن سؤال: ماذا نفعل بالزبالة؟

ربما لأن المشكلة لم تكن يومًا في القمامة. ربما كانت القمامة مجرد مرآة. والمرآة ليست مسؤولة عن الوجه الذي يظهر فيها.

من كثرة ما قيل في هذا الموضوع، لم تعد الحقيقة وحدها هي التي ضاعت، بل ضاع الناس معها.

بقدر ما تبدو مشكلة النفايات في صيدا معقّدة، هي في جوهرها بسيطة.

هناك معمل. يمكن أن يكون جيدًا أو سيئًا. يمكن نقده. يمكن إصلاحه. يمكن تطويره. يمكن مساءلة القائمين عليه. لكن هناك، في النهاية، شيء موجود يمكن البناء عليه.

بذرة موجودة، لا تعرف مصيرها مسبقًا. يمكن أن تتحول إلى شجرة. ويمكن أن تموت في التراب. الأمر يتوقف على من يسقيها ويرعاها.

إما أن نستمر في صناعة جبال إضافية من النفايات، نكدّسها فوق ما راكمناه ونورّثها للأجيال المقبلة، وإما أن نحوّل هذا الملف إلى قصة نجاح تستفيد منها المدينة ماليًا وبيئيًا وكهربائيًا وتنمويًا.

الأمر ممكن، لكنه يحتاج، قبل التكنولوجيا والمال والخطط، إلى شيء أبسط وأصعب في آن: أن تصلح النوايا. أن تختفي الكيديات، وأن تتوحد الجهود، وأن تتراجع الحسابات الصغيرة، وأن نتجاوز تلك الطفوليات السياسية والشخصية المتأخرة التي أصابت البعض بأعراض «سنّ اليأس»، رجالًا ونساءً.

saida_waste_concept_b

أوراق التين

قيل الكثير في الأزمة الأخيرة التي ضربت المدينة. وقد وجد فيها الجميع مناسبة ليدلي بدلوه، ويتحف الناس بآرائه وحلوله وعبقرياته، حتى بدا أحيانًا أن عدد خبراء النفايات في صيدا يفوق عدد الأكياس على المكبات.

لكن للأزمة فضيلة واحدة على الأقل: أنها نزعت عن كثيرين «أوراق التين».

عرّتنا. كشفتنا أمام أنفسنا قبل الآخرين. فالإنسان قادر على إقناع نفسه بأنه يدافع عن وطن وقضية، بينما هو في الحقيقة يدافع عن ضغينته. قادر على أن يتحدث باسم مصلحة الناس، فيما كل ما يريده هو أن يفشل الآخر. قادر على أن يفرح بسقوط المدينة إذا كان خصمه واقفًا على سطحها.

أظهرت الأزمة أن تحت طبقات الكلام عن المصلحة العامة والمدينة وأهلها، تختزن بعض النفوس مقدارًا مذهلًا من الكراهية تجاه «الآخر»، أيّ آخر.

فالمعامل يمكن إصلاحها، والعقود يمكن تعديلها، والأموال يمكن تأمينها، والتقنيات يمكن تطويرها، والنفايات يمكن فرزها ومعالجتها.

أما الكراهية، فلا يوجد لها معمل فرز، ولا يوجد مكبّ يمكن أن ندفنها فيه، ولا آلة تستطيع أن تحوّلها إلى طاقة.

تلك لا يعالجها إلا شيء واحد: الحب.

لعل أكثر ما تحتاج إليه صيدا اليوم ليس مشروعًا جديدًا ولا بيانًا إضافيًا ولا اجتماعًا آخر، بل قليلًا من الحب بين أبنائها، وبين مسؤوليها، وبين القوى التي تتنازعها كأنها غنيمة، فيما المدينة نفسها تذبل يومًا بعد يوم وتتفلّت من بين أصابعنا.

نحبها بالكلام

زار صيدا هذا الصيف، رغم الحرب والظروف الصعبة، الآلاف من أبنائها المغتربين.

عادوا إلى الأهل والأصدقاء، والحنين إلى الفول والمناقيش، إلى الزيرة والبحر، وإلى الشوارع والذكريات والمقاهي واللقاءات.

جميل. ماذا بعد؟ لا شيء. الجميع يدّعي حب المدينة. والجميع يتحدث عنها بحنين. لكن عندما يصبح الحب فعلًا، واستثمارًا، ومبادرة، وتقديمًا للخبرة أو المال أو العلاقات أو الوقت، يتراجع الحماس.

وكأن المدينة تصلح للحنين، ولا تصلح للمشاركة، والحب، حين يبقى حنينًا، يصبح نوعًا لطيفًا من الأنانية.

الأكثر إيلامًا أن من يريد أن يقدّم شيئًا لها، كثيرًا ما يجد أمامه بيئة ممزقة، وكيانات شاخت ولا تزال تتناحر، وحساسيات صغيرة، وأبوابًا يحرسها الشك بدل أن تفتحها الثقة.

هكذا تبقى المدينة عالقة في دائرة مغلقة: كلنا نحبها، وكلنا نشكوها، وكلنا نطالب بإنقاذها، لكن قلّة فقط مستعدة لأن تدفع من وقتها ومصالحها وراحتها ثمن هذا الإنقاذ.

ربما آن الأوان أن نفهم أن المشكلة لم تعد في القمامة وحدها. القمامة التي تملأ الشوارع يمكن رفعها، لكن ماذا عن القمامة التي تراكمت في النفوس والعقول؟

ماذا عن الحقد، والغيرة، والكيد، والشللية، والأنانية، وحروب الزواريب، والهوس بإفشال الآخر حتى لو كان الثمن فشل المدينة؟ تلك هي النفايات الأخطر.

آن الأوان، قبل كل شيء، أن يخرج الصيداوي من القمقم الذي حبس نفسه داخله طويلًا: قمقم التبعية العمياء، والمصلحة والعائلة، والزعامة القدرية، والحسابات الضيقة، والخلافات القديمة.

المدينة، وإن قزّموها، أكبر من كل هؤلاء، وأطول عمرًا من خصوماتهم.

المشكلة لم تكن يومًا في النفايات وحدها. كانت دومًا في الإنسان الذي يقف أمامها، يشير إليها بإصبعه… ولا يرى نفسه.

 

العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا