اقتصاد الرصاصة… لبنان يطلق النار على قدميه
بينما يعاني لبنان أزمات اقتصادية وانهيارًا ماليًّا غير مسبوق، تواصل الدوائر الرسمية إصدار حزمة من القرارات والإجراءات الإدارية غير المفهومة، التي تستهدف الوجود السوري والفلسطيني على أراضيه.
فمن تقييد الإقامات وشروط العمل، إلى التضييق على ممارسة المهن وتملّك العقارات، وصولًا إلى الأنشطة اليومية، تدهشنا الدوائر الرسمية بقرارات لا تبدو مجدية، بل تكاد تشبه تصرّف صبية يلعبون كرة القدم في الشارع، فيقرر أحدهم أخذ الكرة ليُفسد اللعبة على الجميع.
وفي أشدّ الأوقات التي تكون فيها الدولة بحاجة إلى كل قطرة من السيولة النقدية، نشهد صدور مثل هذه القرارات. فهل نحن أمام تجفيف للموارد أم حماية للسيادة؟ وكيف تضرب قيود التملّك والإقامات الشريان المالي للبنان وتخنق قطاعه العقاري؟
إنّ قراءة اقتصادية متأنية لواقع الاقتصاد اللبناني تُظهر أنّ هذه الإجراءات ليست قاصرة وغير مجدية فحسب، بل قد تشكّل خطرًا مباشرًا على اقتصاد يعاني أصلًا شحًّا حادًّا في السيولة، متجاهلةً حقيقة واضحة، وهي أنّ السوريين والفلسطينيين يشكّلون أحد مصادر ضخّ العملة الصعبة والسيولة النقدية في السوق المحلية.
مقاربة عقيمة
تستند السياسات المحلية إلى فرضية أنّ التضييق على السوريين والفلسطينيين سيؤدي حتمًا إلى عودتهم إلى بلادهم، وبالتالي تخفيف الضغط على البنى التحتية، وإتاحة فرص عمل إضافية أمام اللبنانيين. لكنّ التعمّق في الواقع الميداني يكشف قصور هذه المقاربة.
فالسوري والفلسطيني، سواء كان مقيمًا أم لاجئًا، يُعدّان جزءًا أساسيًّا من الدورة الاقتصادية اليومية، بدءًا من استئجار العقارات واستهلاك السلع، وصولًا إلى التحويلات المالية بالعملة الصعبة (الدولار الأميركي)، التي تُضخّ مباشرة في السوق اللبنانية، وتُنعش الأسواق والشركات والقطاع التجاري الصغير.
إنّ القوانين التعجيزية وشروط التملّك الصارمة، بما فيها القيود التي تطال الفلسطينيين، حتى بعض حاملي الجنسيات الأخرى، أسهمت في الحدّ من حركة البيع والشراء والاستثمار العقاري، ما انعكس سلبًا على المالكين اللبنانيين، وحرمهم من عائدات مالية حيوية كانت تعينهم على مواجهة تداعيات الأزمة المعيشية.
هروب الرساميل
تسعى دول العالم إلى توفير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمارات والأموال التي يحملها المقيمون، سواء عبر تحويلاتهم الخارجية بالدولار أو إنفاقهم في القطاع العقاري. أمّا في لبنان، فتؤدي سياسات التضييق إلى دفع بعض هؤلاء نحو البحث عن أسواق إقليمية بديلة، ما قد يحرم الاقتصاد اللبناني من ملايين الدولارات التي كان يمكن أن تُنعش قطاعات الهندسة والبناء وتجارة التجزئة.
وبدلًا من أن تؤدي هذه القيود الإدارية إلى تنظيم العمالة، فإنّها تدفع آلاف العمال والمستثمرين نحو «السوق السوداء»، بعيدًا عن أعين الدولة ورقابتها. وهذا التحوّل يحرم الخزينة العامة من رسوم الإقامات والضرائب وإجازات العمل القانونية، ويزيد من احتمالات الفساد الإداري والرشاوى المرتبطة بالالتفاف على القيود.
بدائل عملية ومستدامة
إنّ معالجة الأزمات الديموغرافية والاقتصادية في لبنان لا تكمن في سياسات العقاب الجماعي والتضييق العشوائي، بل في الإدارة الرشيدة وتنظيم الموارد، بدءًا من التحوّل نحو الإقامات المنتجة.
فبدلًا من سياسات التخويف والرسوم الباهظة التي يصعب تحصيلها، يمكن استحداث «إقامات عمل مرنة» مرتبطة بقطاعات محدّدة تحتاج إليها الأسواق، كالزراعة والبناء والتكنولوجيا وغيرها، مع فرض رسوم قانونية واضحة ومدروسة تُحصّل بالدولار لصالح خزينة الدولة، بما يضمن تنظيم اليد العاملة وتأمين إيرادات إضافية ومستدامة للخزينة.
وبما أنّنا في عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن إطلاق نافذة رقمية موحّدة لتنظيم المعاملات العقارية لغير اللبنانيين، بما يضمن حقوق المالكين والمستثمرين على حدّ سواء، مع اعتماد ضرائب ورسوم مقبولة، وتوجيه العائدات نحو إعادة الإعمار والمشاريع التنموية الكبرى، بما يحدّ من التنافس السلبي ويعزّز النشاط الاقتصادي المنظّم.
الأمن الاقتصادي أولًا
إنّ الأمن القومي الحقيقي لأي دولة يمرّ عبر بوابة الإنعاش الاقتصادي وقوة مؤسساتها، لا عبر سياسات الانغلاق والتضييق المرتجلة.
إنّ بقاء السوريين والفلسطينيين ضمن أطر قانونية واضحة ومنتجة، مع احترام القوانين اللبنانية وتنظيم الإقامة والعمل، يمثّل مصلحة اقتصادية لبنانية، تضمن استمرار تدفّق العملة الصعبة، وتحريك العجلة الاقتصادية، وتعزيز إيرادات الدولة، وتحفظ لها هيبتها وقدرتها على التنظيم، بعيدًا عن الشعبوية العقيمة.
فالسيادة لا تُصان بتجفيف موارد الاقتصاد، ولا تُحمى الدولة بإغلاق أبواب الاستثمار، بل بقوانين عادلة ومؤسسات قوية واقتصاد قادر على تحويل الأعباء إلى فرص، بدلًا من تحويل الفرص إلى أزمات.
