حينَ أَشعَلَت التِّكنولوجيَا شَرارةَ “الحَرب البارِدة الجَديدةِ”
عام 2016، شهد العالم حدثًا مفصليًا في موازين القوى التكنولوجية والاقتصادية، عندما نجحت شركة هواوي الصينية في تحقيق إنجازٍ كبيرٍ عبر تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات 5G
لم يكن هذا الاختراق مجرد تقدمٍ تقنيٍّ عابر، بل كان إعلانًا غير مباشر عن دخول الصين إلى ميدان قيادة الثورة الرقمية العالمية، وهو ميدانٌ لطالما اعتبرته الولايات المتحدة أحد ركائز تفوقها الاستراتيجي
رد الفعل الأمريكي على هذا الأمر لم يتأخر، إذ أعلن الرئيس دونالد ترامب آنذاك حربًا مفتوحة ضد اعتماد العالم على التكنولوجيا الصينية، ضاغطًا على الدول الحليفة لعدم التعامل مع هواوي. بدا الأمر وكأنه نزاعٌ تجاريٌّ في البداية، لكنه في الحقيقة كان إيذانًا بمرحلةٍ جديدةٍ من الصراع الدولي، مرحلةٍ يمكن وصفها بـ “بداية الحرب الباردة الجديدة” بين واشنطن وبكين.
لم تكن هذه الحرب الباردة كغيرها أو كسابقاتها. فبدلًا من أن تقتصر على سباق التسلح النووي أو النفوذ الأيديولوجي كما كان الحال في القرن الماضي، أصبحت اليوم حربًا تكنولوجية واقتصادية بالدرجة الأولى، تتحكم في سلاسل الإمداد، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والعالم الرقمي.
منذ ذلك التاريخ، أخذت هذه المواجهة تلقي بظلالها الثقيلة على النظام الدولي برمته، لتصبح المحرك الأساسي لكل الصراعات اللاحقة.
من الحرب الباردة إلى الحروب الساخنة
في عام 2022، انفجرت واحدة من أعنف الحروب في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إنها الحرب الروسية الأوكرانية. هذه الحرب، التي توصف بـ “الحرب الساخنة الثابتة”، لم تكن منفصلة عن الصراع الجيوسياسي الأكبر بين الشرق والغرب، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لما أصبح يُعرف اليوم بانقسام العالم بين دول الشمال الصناعي المتقدم ودول الجنوب الصاعد. وجدت موسكو نفسها في خندق المواجهة مع حلف “الناتو”، فيما دعمت بكين حليفها الاستراتيجي الروسي لتثبيت أقدامها في مواجهة واشنطن.
لم يقتصر هذا الانقسام على الجغرافيا فحسب، بل أصبح انقسامًا في الرؤية لمستقبل النظام الدولي: أحادية قطبية تقودها أمريكا أم تعددية قطبية يتقاسمها اللاعبون الكبار؟
صدى النزاع الأكبر
ما تلا حرب أوكرانيا من صراعات في مناطق مختلفة من العالم، يمكن إدراجه تحت ما نسميه “الحروب المتحركة”. هذه الحروب، مثل النزاع في السودان، والحرب الدموية في غزة، والحرب على لبنان، والحرب على إيران، وحتى حرب اليمن التي انضمت لهذه الفئة من الحروب، كلها ليست إلا ارتدادات للصراع الأساسي بين القوى الكبرى. فهي ليست حروبًا ثابتة بحد ذاتها، لأن نتائجها ومآلاتها مرهونة بما ستؤول إليه الحربان الثابتتان:
الحرب الباردة الجديدة بين أمريكا والصين
والحرب الساخنة الثابتة بين روسيا وأوكرانيا
