تحميل

إبحث

في الصميم

وسام سعادة … والعصر الذهبي

The intersection of history and justice

من المؤسف أن يقع مثقف واسع الاطلاع ضحية آلية اقتطاع دعائي مبتذل، وأن تختزل جملة قيلت في سياق الاستشهاد إلى عبارة مبتورة توحي بتبن مباشر لمقولة لم تقل. ولا خلاف على أن هذا الأسلوب في صيد الاستفزاز صار جزءا من اقتصاد المشاهدات، وأن القنوات تعرف تماما أين تضع السكين، في بداية الجملة أو نهايتها. وقد بيّن وسام سعادة أكثر من مرة أن ما حدث جرى بغير علمه، وقد شكا ضعف المهنية والاحتراف لدى هذه القناة.

والجملة التي أثارت جدلا هي اقتباس من ساطع الحصري، إذ اعتبر أن العصر الذهبي للعرب هو عصر الجاهلية، لكن القناة عند الإعلان عن الحلقة اقتطعت ذكر ساطع الحصري، فظهر وسام سعادة كأنه يقول رأيه.
وبما أن الموضوع أثار جدلا، فربما تكون هذه مناسبة لشرح بعض المسائل المعروفة في مجال الدراسات الإسلامية، والتي قد لا تكون واضحة للقارئ غير المتخصص، وقد وردت ضمن النقاط التي أثيرت.

الجاهلية كمفهوم

إن التفكير في مفهوم الجاهلية ذاته أمر مشروع ومهم دون شك. فمن الممكن قراءة النص القرآني على أن الجاهلية ليست توصيفا زمنيا فحسب، بل حالة سلوكية وقيمية قد تتجاوز التحقيب التاريخي الضيق. والتفريق بين الجاهلية كمفهوم أخلاقي، والجاهلية كمرحلة تاريخية في شبه الجزيرة العربية، مسألة تستحق الدراسة الهادئة بعيدا عن التوظيف السياسي أو الشعاراتي. والبحث في هذا الباب يمكن أن يكون إضافة معرفية حقيقية.

وفي التراث الإسلامي ما يوضح هذه الدلالة بجلاء، كما في الحديث المعروف حين عيّر الصحابي أبو ذر رجلا بأمه لأنها كانت أعجمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. هذا السياق يبين أن المسألة ليست مسألة تحقيب زمني فقط، بل سلوك وقيم.

طه حسين وحدود المنهج

أما قضية الأديب العربي الكبير طه حسين فهي محطة مهمة في تاريخ الفكر العربي الحديث. كان منهجه قائما على الشك التاريخي في مصادر الرواية العربية المبكرة، وهو توجه تأثر فيه بجو نقدي شائع في دراسات ذلك الزمن. ورأى أن كثيرا مما نسب إلى العصر الجاهلي صيغ في عصور لاحقة لخدمة اعتبارات لغوية أو قبلية أو سياسية.

غير أن الإشكال ظهر عندما انتقل هذا المنهج من التشكيك في نصوص أدبية إلى مساءلة البنية التاريخية التي تتصل، مباشرة أو غير مباشرة، ببعض الروايات الإيمانية. ففي بعض المواضع بدت قراءته وكأنها تفصل بين المعطى الديني بوصفه إيمانا، وبين المعطى التاريخي بوصفه مادة قابلة للفحص والنقد، وهو ما فُهم عند كثيرين على أنه يمس شخصيات دينية مذكورة في القرآن، مثل إبراهيم وإسماعيل، لا من باب الإنكار العقدي المباشر، بل من باب مساءلة السرد التاريخي المرتبط بهما. هنا كان جوهر الإشكال، أي حدود النقد التاريخي حين يلامس الذاكرة الدينية الجماعية.

وهذه مسألة فكرية معقدة تتعلق بعلاقة المنهج التاريخي بالنصوص المؤسسة، وليست مسألة دفاع عن الجاهلية بوصفها عصرا ذهبيا.

باتريشيا كرون ودور مكة التجاري

أما في ما يخص باتريشيا كرون، فقد ناقشت في كتابها الصادر عام 1987 الصورة الاقتصادية التي رسمت لمكة في بعض الدراسات الكلاسيكية، خاصة تلك التي اعتبرتها مركزا رئيسيا في شبكة تجارة عالمية بين اليمن والشام. اعتمدت كرون على تحليل مسارات التجارة المعروفة في المصادر الكلاسيكية، وخلصت إلى أن الدور التجاري المنسوب إلى مكة قد يكون أقل مما صورته السيرة التقليدية أو بعض المستشرقين السابقين، مثل مونتغمري وات.

غير أن أطروحتها لم تُستقبل كحقيقة نهائية، بل واجهت نقدا منهجيا واسعا من حيث قراءة الأدلة، ومن حيث الاستنتاجات الجغرافية. أي أننا أمام فرضية جريئة ضمن حقل بحثي حي، لا أمام نتيجة محسومة. والبحث في نشأة الإسلام اليوم شديد التنوع والتعقيد، ويصعب اختزاله في أطروحة واحدة.

 

حرية النقاش

وفي النهاية تبقى حرية التفكير والنقاش شرطا أساسيا لأي تقدم معرفي. ليس من الضروري أن يتحول كل طرح فكري إلى معركة، ولا أن يواجه كل رأي بنبرة هجومية. الاختلاف جزء من طبيعة البحث الإنساني، والإيمان، بحسب النص القرآني نفسه، لا يقوم على الإكراه، بل على الاقتناع.

  • أستاذ محاضر في جامعة جورج تاون (الدوحة – قطر)
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا