تحميل

إبحث

في الصميم

مُدُنُ الزُّجاج وأَمصارُ ابنِ الخَطّابِ

Warrior between flames and desert

لم يعتادوا هكذا مشاهد. قامت تلك المدن على قهر الظروف: الحرارة، الشمس، الماء العذب، الرمال، الرياح…
ظنّوا لوهلةٍ أنهم قادرون عليها، حتى بدّدت لحظةُ حقيقةٍ غفلةً طالت لزمن.

في دول الخليج هناك مفردات لا يعرفها أهلها. نعرفها نحن أهل الشام أكثر من غيرنا لكثرة ما مرّ علينا من حروبٍ وويلات.
القدرة على التعامل والتكيّف مع الضغط. القدرة على التبلور، الصقل، والإنتاج والحلول.

تربّت أجيالٌ لعقودٍ على ثقافاتٍ استهلاكيةٍ بحتة، على مبادئ التلقّي لا الإنتاج، اهتمامٌ تسطيحيٌّ بآخر صيحات الموضة والابتكار والتكنولوجيا ومظاهر الترف ورفاهية الحياة وملذّاتها.
لم تعد قادرًا أن تتخيّل بيتًا في شبه جزيرة العرب بلا وجود مكيّف.

نفطٌ ومالٌ وتطاولٌ في البنيان. تلهٍ وأسفارٌ وأبراجٌ وشركاتٌ وأعمالٌ ومهرجاناتٌ ومواسمٌ وتقليدٌ أعمى لغربٍ تافه…
اتّكالٌ على الآخر لتكريس الحماية، انبهارٌ بقوّته وإنجازاته وما هو قادرٌ على القيام به، عقدةُ دونيةٍ تجاه الشعر الأشقر والعيون الزرقاوية سواء عند الرجال أو النساء.

separator

كم أنت كبيرٌ يا ابن الخطاب. نحاول أن نتناسـاك، لكن عظمتك تحاصرنا بقوّةٍ لا نستطيع نكرانها.
ورد في بعض المصادر التاريخية (كالطبري والبلاذري وابن كثير) أن الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب كان يقول بمعنى كلامه: «لا تُسكنوا الجند في القرى فيضعفوا، ولكن اسكنوهم في مواضع تصلح لمرابطتهم، قريبةٍ من البادية».

تُنقل عنه رواياتٌ كثيرةٌ أنه كان يكره أن يعتاد الرجال على حياة الحضر لما فيها من لينٍ يضعف الشدّة القتالية للروح الطوّاقة لتغيير البشرية للأحسن، لتحريرها من نير العبودية والاستعباد والاستغلال والشر. لذلك تجلّت هذه العبقرية في تأسيسه الأمصار العسكرية. فالحياة في جوهرها ميدان قتالٍ متواصلٍ بأشكالٍ تختلف باختلاف الأيام والظروف، لكنها في الحقيقة ليست سوى ساحات قتالٍ وجولاتٍ وصولات.

هذه السياسة لم تكن مجرد حنينٍ إلى البادية، بل كانت ذات أبعادٍ إنسانيةٍ وعسكريةٍ عميقة: الحفاظ على الصلابة البدنية المرتبطة بحياة البادية، منع الذوبان الاجتماعي السريع داخل الشعوب المفتوحة، ضبط الانضباط العسكري عبر أمصارٍ منظّمة، تسهيل التعبئة السريعة عند الحاجة للمواجهة.

separator

مهما يكن من أخطاء سبقت، فالعروبة ليست نسبًا فحسب، بل خُلُقٌ يُختبر ساعة الشدّة.
العرب قومٌ جعلوا الضيف أمانةً، والعهد دينًا، والكلمة شرفًا.
إذا وعدوا صدقوا، وإذا استُنجدوا لبّوا، وإذا أُهينوا انتفضوا كأن الصحراء كلّها قامت معهم.

لم تكن بلاغتهم زخرفًا، بل سلاحًا. ولم يكن كرمهم ترفًا، بل هوية. ولم تكن شجاعتهم تهوّرًا، بل وعيًا بأن الحياة بلا عزّةٍ لا تستحق.
هكذا وُلدت العروبة: مروءةً تمشي على قدمين، وكرامةً لا تُساوِم، وصوتًا إذا ارتفع ملأ الأفق.

من خيمةٍ في الصحراء خرجت خيرُ أمةٍ علّمت الدنيا أعظم معاني وجودها… الدين.
كم هو جميلٌ هذا اليوم الذي تشرق فيه الشمس، من دون أن تكون السماء ملبّدةً بغيوم ظلامٍ تنجلي للمرة الأولى منذ سنين طال علينا جورها وأدمتنا وأوجعت قلوبنا ودموعنا.

فيه نتغنّى ببيتٍ أصيل، يؤسّس لمرحلةٍ نحلم بها جميعًا: أن نكون على قلب رجلٍ واحد، بأيدينا نصنع ما صنعه أسلافنا، ونقول:

تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّرًا.     وإذا افترقنَ تكسّرت آحادا

separator
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا