وكأنّه لم يعد في بلدة الهلالية (شرق صيدا) من مخالفات إلا بضع شجرات وكمّ وردة، وكأنّ احتكار أحد المحظيّين للمولدات الخاصة، و«السيرك» في رخص البناء وغيرها من التجاوزات، باتت أمورًا ثانوية. فجأة، استفاق رئيس البلدية على أنّ هناك قطعة أرض يريد أن يحوّلها إلى قصر بلدي يليق به وبالمنظومة الحاكمة معه، فأراد استرجاع ما يعتبره حقًّا له. فبحسب معلومات «البوست»، فوجئ عدد من العائلات الصيداوية المعروفة والمقيمة في البلدة منذ سنوات، بينهم (أبو عمر الدندشلي، وأرملة الدكتور جودت الدادا، والسفير السابق عبد المولى الصلح)، بتلقّي كتب إنذار تتهمهم بمخالفة القوانين المرعية الإجراء، على خلفية إشغال أرض مشاع وزراعة عدد من الشتلات فيها. لكنّ اللافت، وفق متابعين للملف، ليس إصدار الإنذارات بحد ذاته، بل الانتقائية التي رافقته. إذ تتقاطع المعلومات عن أنّ أحد الأشخاص الذين يشغلون الأرض المذكورة أو يستفيدون منها لم يشمله الإنذار، في وقت تزامن استثناؤه لعدم توقيعه على العريضة التي سبق أن رُفعت ضد البلدية من قِبل عدد من الأهالي والأشخاص الذين طالتهم الإنذارات، علمًا أنّ الخلاف بين الأفرقاء لا يزال في مساره القانوني الذي لم يُحسم بعد.
تعكف منذ أشهر جهات متموّلة على البحث عن موقع استراتيجي ومميّز في مدينة صيدا، تمهيدًا لتشييد مستشفى جديد قد يشكّل واحدًا من أكبر المشاريع الطبية المستحدثة في المدينة. في الظاهر، قد يبدو الخبر سارًّا لصيدا وأهلها، استثمار جديد، مستشفى جديد، وفرص إضافية في قطاع صحي تحتاج إليه المدينة. لكن خلف هذه الصورة، تفاصيل تثير أسئلة مريبة أكثر مما تقدّم إجابات. بحسب مصادر «البوست»، تقف خلف «الواجهة» الاستثمارية والطبية للمشروع جهات ذات ارتباطات حزبية لا تنتمي إلى النسيج الطبيعي للمدينة، وهي غير مرحّب بها من قبل أغلبية أهلها. وفي حين لم يُحسم حتى الآن، بحسب مصادر عقارية، الموقع النهائي للمستشفى، يؤكد مطّلعون أنّ الجهة التي تقف خلف المشروع أبلغت من يعنيهم الأمر أنّها تفضّل إقامة الصرح الطبي المزمع تشييده على الأطراف الجنوبية للمدينة، ولا سيما في المنطقة الممتدة من “دوّار السراي” حتى “حسبة الخضار” ومحيطها. وبعد السقوط المدوّي لمستشفى حمود وانتقاله إلى يد جهات «وافدة» على المدينة، يخشى متابعون أن يكون المشهد مرشّحًا للتكرار، لكن بصورة أكثر وضوحًا وفجاجة هذه المرة. فالخشية ليست من بناء مستشفى جديد، بل من أن يتحوّل القطاع الصحي نفسه إلى بوابة جديدة لتوسيع النفوذ والإمساك تدريجيًا بمزيد من مفاصل المدينة الاقتصادية والخدماتية والحياتية، تمهيدا للأسوء. هنا لا يعود السؤال، هل تحتاج صيدا إلى مستشفى جديد؟ بالتأكيد تحتاج. بل مَن يقف خلف هذا المستشفى؟ ولماذا هذا الموقع تحديدًا؟ وهل نحن أمام فصل جديد من إعادة رسم خريطة النفوذ للإطباق على المدينة؟ في صيدا، يبدو أنّ «الغرباء» لا يكتفون بالدخول إلى المدينة، بل يتمدّدون ويتشعّبون وسط صمت ولا مبالاة واستسلام تام…
مع تصاعد التوتر في الملف الإيراني، وعودة الأسئلة الثقيلة حول حصيلة التدخلات والحروب الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، تقف واشنطن اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة: أن تصنع في سوريا قصة نجاح حقيقية، بدل أن تضيف إلى سجل المنطقة أزمة جديدة تُدار ولا تُحل. المسألة تتجاوز بكثير ترميم صورة الولايات المتحدة أو تحسين حضورها السياسي في الشرق الأوسط. فإذا نجحت سوريا في الانتقال من سنوات الحرب والعزلة والانهيار إلى دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم، فإن هذا النجاح سيصبح أكثر تأثيرًا من آلاف الخطب والرسائل السياسية الأميركية. فالشعوب لا تغيّر قناعاتها بالوعود وحدها، ولا تؤمن بالنماذج لأنها تُسوَّق لها إعلاميًا. إنها تصدّق عندما ترى أمامها تجربة حيّة تثبت أن التغيير ممكن، وأن الخروج من الخوف والعزلة والفقر ليس شعارًا، بل مسارًا يمكن تحقيقه. سوريا جسر الثقة إذا أرادت الولايات المتحدة أن تخاطب الشعب الإيراني بلغة مقنعة عن الحرية والفرص وتغيير الواقع، فهي تحتاج أولًا إلى بناء جسر من الثقة. وهذا الجسر لا يُبنى بالتصعيد العسكري والعقوبات والرسائل السياسية وحدها، بل بنموذج نجاح ملموس في دولة مجاورة مثل سوريا. فسوريا تمتلك ما يكفي لتكون هذا النموذج: شعبًا متعلمًا، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وموارد بشرية كبيرة، وإرثًا حضاريًا عميقًا، وصلات تاريخية وثقافية واسعة بمحيطها العربي والعالم. واليوم، تجتمع في سوريا عناصر قلّما تتوافر في لحظة واحدة: قيادة منفتحة على التعاون الخارجي، ورغبة شعبية جارفة في الاستقرار وإعادة البناء، ومناخ إقليمي أكثر استعدادًا لمساندة البلاد بدلًا من حصارها وعزلها. ورغم حجم الدمار الذي أصاب سوريا، فإنها ما زالت أرضًا واسعة للفرص: في البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، وفي التعليم والصحة والسياحة والتكنولوجيا، فضلًا عن عملية إعادة إعمار يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر ورش الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة. لذلك، لم يعد السؤال: هل تستطيع أميركا أن تساعد سوريا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا تنتظر؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الفراغ لا ينتظر واشنطن ترك سوريا معلّقة بين الوعود والانتظار لن يعني بقاء الأمور على حالها، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا طويلًا. هناك دائمًا من سيتقدّم لملئه. وتركيا تدرك ذلك جيدًا. فهي تتحرك بوضوح لحماية مصالحها، وترسيخ حضورها الاقتصادي والسياسي، وتوسيع نفوذها داخل سوريا، ولن تنتظر واشنطن حتى تحسم خياراتها. وإذا استمرت الإدارة الأميركية في التردد، فقد تستيقظ بعد سنوات على واقع جديد تكون فيه أنقرة قد أصبحت الشريك الأكثر حضورًا وتأثيرًا في سوريا، بينما تبدو الولايات المتحدة قوة بعيدة اكتفت بالتصريحات ولم تنجح في تحويل خطابها عن الاستقرار والديمقراطية والازدهار إلى نتائج يلمسها الناس. عندها، لن تكون واشنطن قد خسرت مجرد فرصة استثمارية أو سياسية، بل ربما خسرت موقعًا استراتيجيًا كاملًا كان في متناولها. رصيد أميركي لم ينفد بعد لو سألت مواطنًا سوريًا عاقلًا اليوم: من تفضّل أن يكون شريكًا أساسيًا في دعم مستقبل سوريا، الولايات المتحدة أم تركيا؟ فقد يميل كثيرون إلى الولايات المتحدة. ليس لأن السوريين يرفضون تركيا، أو يقلّلون من أهمية العلاقة معها، بل لأن أميركا ما زالت، رغم كل الأخطاء والخيبات، تمتلك في المخيال السوري رصيدًا مرتبطًا بالجامعات والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والانفتاح على العالم. ولا يزال كثيرون ينظرون إليها باعتبارها قوة قادرة، إذا أرادت، على فتح أبواب الاقتصاد العالمي أمام سوريا، وجذب رؤوس الأموال الكبرى، والمساهمة في بناء المؤسسات، وربط البلاد بمستقبل اقتصادي يتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية الضيقة. لكن هذا الرصيد ليس شيكًا مفتوحًا إلى الأبد, فالثقة تتآكل حين تبقى الوعود معلّقة، والفرص تضيع عندما لا تتحول النيات إلى قرارات، والشعوب التي تُترك وحيدة في اللحظات المصيرية تبحث، عاجلًا أم آجلًا، عن شركاء آخرين. نجاح سوريا قد يعيد شيئًا فقدته أميركا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي ترامب وصفقة القرن السوري الرئيس دونالد ترامب معروف بعقلية الصفقات، وبميله إلى اقتناص الفرص التي يراها الآخرون معقّدة أو عالية المخاطر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي النظر إلى سوريا. فسوريا اليوم ليست بالضرورة عبئًا يجب على أميركا الهروب منه، بل قد تكون واحدة من أكبر الفرص السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المتاحة لها في الشرق الأوسط منذ عقود. بل إن نجاح التجربة السورية يمكن أن يمنح واشنطن ما لم تمنحها إياه عشرات العمليات العسكرية: نموذجًا تقول من خلاله لشعوب المنطقة إن الشراكة مع الولايات المتحدة يمكن أن تقود إلى الاستقرار والنمو والانفتاح، لا إلى الحرب والفوضى فقط. إن دعم استقرار سوريا، وتخفيف العوائق أمام اقتصادها، وتشجيع الشركات والاستثمارات على دخولها، ومساندة مؤسسات الدولة كي تقف على قدميها، ليس عملًا خيريًا تقدّمه واشنطن للسوريين. إنه استثمار أميركي مباشر في استقرار الشرق الأوسط، وفي تقليص مساحات الفوضى والتطرف، وفي الحد من نفوذ الخصوم والمنافسين، وفي بناء شريك جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. والأهم أنه يمنح الولايات المتحدة فرصة لاستعادة شيء فقدته تدريجيًا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي نفسه. قصة نجاح بدل حرب جديدة ربما لا تحتاج أميركا اليوم إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط كي تثبت قوتها. لديها من الحروب ما يكفي، ومن التجارب المريرة ما يكفي، ومن الأسئلة حول نتائج تلك الحروب ما يكفي أيضًا. ما تحتاج إليه هو قصة نجاح. وسوريا تستطيع أن تكون هذه القصة. دولة خرجت من حرب مدمرة، ونجحت في إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، واستعادت موقعها في العالم، وتحولت من ساحة صراع بين القوى إلى نموذج للاستقرار والتنمية. مثل هذا الإنجاز سيخاطب الإيراني والعراقي واللبناني وكل شعوب المنطقة بلغة أقوى من أي خطاب: لغة النتيجة. skip render: ucaddon_box_testimonial