ما قام به صانع المحتوى والناشط السوري حسان عقّاد يتجاوز بكثير كونه حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو موقفًا عابرًا في مواجهة نفوذ اقتصادي واسع. ما فعله يمكن قراءته بوصفه نموذجًا مدنيًا وسياسيًا يستحق التوقف عنده، لأنه قدّم للناس فكرة الدولة بلغة عصرهم: واضحة، ذكية، قريبة من الشباب، وساخرة حين تصبح السخرية وسيلة لكسر الخوف وإسقاط هالة النفوذ المصطنع. في بلد خرج من عقود طويلة من احتكار المجال العام، ومن تداخل السلطة بالمال والنفوذ، يصبح الدفاع عن الشفافية والمؤسسات والمساءلة فعلًا سياسيًا بحد ذاته، حتى لو لم يرفع صاحبه راية حزب أو يعلن مشروعًا سياسيًا. فالمواجهة هنا ليست مع فرد، ولا شركة، ولا اسم بعينه. إنها مواجهة مع نموذج كامل اعتاد، عبر السنوات، أن يغيّر لغته وواجهاته وتحالفاته بحسب السلطة القائمة، وأن يحافظ على نفوذه من خلال شبكة متشابكة من العلاقات المالية والاجتماعية والإعلامية. قد تتبدّل الحكومات، وتتغيّر الشعارات، وتسقط أسماء وتصعد أخرى، لكن الخطر يبدأ حين تبقى الآلية نفسها، مال يبحث عن سلطة تحميه، ونفوذ يبحث عن أبواب خلفية، وعلاقات شخصية تحاول أن تكون أقوى من المؤسسة. هنا يصبح السؤال، هل تغيّرت الدولة فعلًا، أم تغيّرت فقط أسماء الواقفين حولها؟ صناعة الخوف الخطر الحقيقي لا يكمن في اسم هذا الطرف أو ذاك، بل في محاولة ترسيخ قناعة لدى السوريين بأن القرار العام يمكن اختزاله في شبكة مصالح، وأن الدولة، مهما تبدّلت، تظل أضعف من المال والعلاقات والنفوذ. الأخطر من ذلك أن تتحول القوة المالية إلى أداة لصناعة الخوف، أن تُنسج حول بعض الأشخاص صورة توحي بأنهم قادرون على الوصول إلى كل مكان، والتأثير في كل قرار، وإسكات كل صوت، بحيث يصبح المواطن مقتنعًا، قبل أن يخوض أي مواجهة، بأن السؤال نفسه مكلف. عند هذه النقطة، لا يعود المال مجرد ثروة، بل يتحول إلى سلطة موازية. skip render: ucaddon_material_block_quote تجربة وتفاعل هنا تكمن قيمة تجربة حسان عقّاد. لقد فهم المزاج العام، وخصوصًا مزاج جيل جديد من السوريين لم يعد مستعدًا لسماع الخطب الطويلة، ولا للاقتناع بالشعارات الجاهزة. لم يخاطب الناس بلغة سياسية ثقيلة، ولم يتعامل معهم بوصفهم جمهورًا يحتاج إلى الوصاية، بل تحدث بلغتهم اليومية، واحترم ذكاءهم، واستخدم أدواتهم، من الفيديو إلى السخرية والإعلام الرقمي، من دون أن يتنازل عن جوهر الفكرة. الفكرة، في جوهرها، بسيطة وعميقة في آن واحد: من يعمل في المجال العام يجب أن يكون قابلًا للسؤال. لا حصانة للمال أمام المساءلة، ولا قداسة للنفوذ، ولا يجوز أن يتحول القرب من السلطة، أو من دوائر التأثير، إلى جدار يمنع المجتمع من السؤال. لهذا استطاع عقّاد أن يصنع تفاعلًا واسعًا، وأن يجذب متطوعين ومؤيدين وجدوا في خطابه شيئًا افتقده السوريون طويلًا: القدرة على مساءلة القوة من دون امتلاك قوة مماثلة لها. فالحراك المدني الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من حزب كبير، ولا من مؤسسة ممولة، ولا من زعيم يمتلك جمهورًا منظمًا. أحيانًا يبدأ من سؤال بسيط يُطرح في اللحظة المناسبة، بطريقة يفهمها الناس، ثم يكتشف آلاف الأشخاص أنهم كانوا يريدون طرح السؤال نفسه لكنهم لم يجدوا من يبدأ. نموذج يستحق الدراسة ما فعله حسان عقّاد يستحق أن يُدرّس كنموذج عن الحراك المدني الحديث: كيف تفهم المجتمع بدل أن تعظه، وكيف تلامس قلقه الحقيقي، وكيف تستخدم الإعلام الرقمي والسخرية واللغة اليومية لتبسيط قضية عامة من دون تسطيحها. والأهم: كيف تستطيع أن تكون حادًا من دون أن تتحول إلى خطاب كراهية، وأن تنتقد النفوذ من دون أن تجعل المعركة شخصية، وأن تحافظ على البوصلة الأخلاقية بحيث يبقى الهدف هو تعزيز المؤسسات لا الانتقام من الأشخاص. هذه إحدى أهم معضلات الحركات المدنية العربية: أن تنتقل من رفض الأشخاص إلى بناء القواعد. لأن تغيير رجل أعمال لا يصنع دولة، وإسقاط صاحب نفوذ لا يهدم منظومة النفوذ، واستبدال شبكة مصالح بشبكة أخرى ليس إصلاحًا. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح القاعدة أقوى من الأشخاص. لا حرب على رأس المال هذا الكلام ليس هجومًا على القطاع الخاص، ولا إعلان حرب على رجال الأعمال، العكس تمامًا. سوريا تحتاج، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى رأس المال، وإلى الاستثمار، وإلى شركات حقيقية قادرة على خلق فرص العمل، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الإعمار، واستعادة الكفاءات التي غادرت البلاد. لكنها تحتاج، قبل كل ذلك، إلى قاعدة واحدة لا تحتمل الالتباس: لا استثمار فوق القانون، ولا رجل أعمال فوق الدولة، ولا علاقة شخصية أقوى من المؤسسة. فالاقتصاد الحقيقي لا يخاف من الشفافية، ورجل الأعمال الحقيقي لا يحتاج إلى تضخيم نفوذه أو الإيحاء بأن له كلمة حاسمة داخل مؤسسات الدولة. على العكس، رأس المال الجدي يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل، وقواعد معلنة، وعقود واضحة، وفرص متكافئة، ومنافسة نزيهة. فالمال نفسه يصبح أكثر أمانًا عندما تحميه القوانين بدل أن تحميه العلاقات. امتحان الدولة الجديدة هنا تحديدًا تبرز مسؤولية الدولة السورية الوليدة، ومسؤولية الرئيس أحمد الشرع. فبناء الثقة مع السوريين، وخصوصًا مع أولئك المتوجسين من مصير الحراك المدني وحرية النقد والمساءلة، لا يتحقق بالتصريحات وحدها، مهما كانت مطمئنة، الثقة تُبنى بالسوابق. تبنى عندما يرى المواطن أن النافذ يُحاسب كما يُحاسب الضعيف، وأن صاحب المال لا يمتلك بابًا خاصًا إلى الدولة، وأن النقد لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن من يطرح سؤالًا عن المال العام أو المصلحة العامة لا يُعامل بوصفه خصمًا للدولة. الدولة الجديدة تحتاج إلى رسائل عملية لا تقبل التأويل: لا أحد فوق القانون، لا شبكة علاقات تستطيع أن تحل محل مؤسسات الدولة، لا صفقة اقتصادية تمر من دون قواعد واضحة وشفافية ومصلحة عامة ورقابة حقيقية. والدولة التي تريد من مواطنيها أن يثقوا بها، عليها أولًا أن تجعلهم يشعرون بأن مؤسساتها أقوى من الأشخاص الذين يتحركون حولها. مهما كبر نفوذ الحيتان المالية، ومهما اتسعت علاقاتهم، تبقى الدولة هي المظلة القانونية والسياسية لأي نشاط اقتصادي، وأي عقد، وأي صفقة. وإذا امتلكت الإرادة، تستطيع أن تضع الحدود، وتحمي المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتفصل بين المال والقرار العام، والأهم: أن تمنع إعادة إنتاج المنظومات القديمة بأسماء جديدة ووجوه جديدة وشعارات جديدة. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لسوريا الجديدة ليس عودة النظام القديم بشكله القديم، فهذا يكاد يكون مستحيلًا، بل عودة طريقة عمله داخل مؤسسات تحمل أسماء جديدة. أن يتغير الحاكم ويبقى الخوف. أن يتغير الخطاب وتبقى الواسطة. أن تتغير الوجوه ويبقى النفوذ أقوى من القانون، عندها يكون السوريون قد غيّروا المشهد، ولم يغيّروا القواعد. بذرة للحماية حسان عقّاد قدّم، بقصد أو من دون قصد، درسًا مهمًا في السياسة والمجتمع: الناس لا يحتاجون دائمًا إلى سلطة أو ثروة كي يتحركوا. يحتاجون أحيانًا إلى صوت صادق يفهمهم، ويحترم عقولهم، ويمنحهم شجاعة طرح السؤال. وهذه ربما تكون واحدة من أهم بذور الحراك المدني الذي
لن يكون مؤتمر «آبل» في التاسع من سبتمبر/أيلول مجرد مناسبة للكشف عن آيفون جديد، بل اختبارًا مبكرًا لشركة تدخل مرحلة مختلفة في تاريخها. فالمؤتمر هو الأول للرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس بعد انتقال تيم كوك إلى رئاسة مجلس الإدارة، وهو يأتي في لحظة لم يعد فيها السؤال الأساسي: ماذا ستضع «آبل» داخل الهاتف المقبل؟ بل: هل تستطيع الشركة أن تعيد تعريف الهاتف نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي؟ على مدى نحو 15 عامًا، نجح كوك في تحويل «آبل» إلى إمبراطورية اقتصادية أكثر تنوعًا وأوسع نفوذًا، ورفع قيمتها السوقية إلى مستويات هائلة، ووسّع حضور الخدمات والأجهزة داخل منظومة مغلقة جعلت المستخدم لا يشتري منتجًا واحدًا بقدر ما يدخل عالمًا متكاملًا يصعب عليه مغادرته. لكن هذا النجاح يخفي تحديًا جديدًا؛ فالتكنولوجيا لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي اعتادت عليها «آبل»، والذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر العلاقة بين الإنسان والجهاز، بينما تبدو الشركة مطالبة باللحاق بسباق تقوده شركات أخرى منذ سنوات. هنا تأتي أهمية تيرنوس؛ فالرجل ليس غريبًا عن قلب الشركة. لقد أمضى أكثر من 25 عامًا داخلها، وكان مسؤولًا عن هندسة الأجهزة التي صنعت جانبًا كبيرًا من نجاح آيفون وآيباد وماك وآبل ووتش وإيربودز. لكن اختيار مهندس للأجهزة لقيادة «آبل» في عصر الذكاء الاصطناعي يحمل مفارقة واضحة: هل تستطيع خبرة العتاد أن تقود شركة تواجه معركة أصبحت البرمجيات والذكاء الاصطناعي فيها أكثر أهمية من شكل الجهاز؟ آيفون الأغلى… والأقل اعتيادًا المؤتمر المقبل يحمل تغييرًا في استراتيجية إطلاق آيفون نفسها. فبدلًا من طرح الطراز القياسي في الخريف كما جرت العادة، تشير التوقعات إلى تأجيل آيفون 18 القياسي إلى ربيع العام المقبل، فيما تركز «آبل» على آيفون 18 برو وبرو ماكس، إلى جانب هاتف «آيفون ألترا» القابل للطي، في أول دخول للشركة إلى سوق الهواتف القابلة للطي. وهذا التحول ليس تفصيلًا تسويقيًا. فالآيفون القياسي كان الأكثر مبيعًا، إذ تصدّر آيفون 17 مبيعات الهواتف عالميًا خلال الربع الثاني من 2026، كما تصدّر آيفون 16 الفترة نفسها من العام السابق. ولذلك، فإن تأجيل الطراز الذي يشتريه العدد الأكبر من المستخدمين يعني أن «آبل» تراهن على الفئات الأعلى سعرًا وهوامش الربح الأكبر. ومن المتوقع أن يبدأ سعر آيفون 18 برو عند نحو 1199 دولارًا، وبرو ماكس عند 1299 دولارًا أو أكثر، بينما قد يتجاوز الهاتف القابل للطي حاجز 2000 دولار. وبذلك لا تقدم «آبل» هاتفًا جديدًا فقط، بل تختبر أيضًا حدود استعداد المستهلك لدفع ثمن أعلى في سوق أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر نضجًا وأقل قدرة على إبهار المستخدم بالقفزات السنوية التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote الهاتف القابل للطي ليس مجرد شاشة أهمية «آيفون ألترا» لا تكمن فقط في أنه قابل للطي، وإنما في أنه يكشف عن محاولة «آبل» دخول فئة ظلت لسنوات ملعبًا لشركات منافسة، خصوصًا سامسونغ. ومن المتوقع أن يجمع الهاتف بين شاشة داخلية تقارب 7.8 بوصات وشاشة خارجية أصغر، مع تصميم بالغ النحافة، فيما تشير التوقعات إلى الاستغناء عن Face ID لمصلحة بصمة الإصبع. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع «آبل» صناعة هاتف قابل للطي؟ فهذه التكنولوجيا موجودة منذ سنوات. السؤال هو: هل تستطيع أن تجعله منتجًا جماهيريًا يحمل معنى جديدًا للآيفون؟ إذا نجحت، فقد تكون أمامها فئة جديدة تعيد تنشيط سوق الهواتف الراقية. وإذا فشلت، فقد تتحول إلى مجرد محاولة متأخرة للحاق بمنافسين سبقوها إلى السوق. الذكاء الاصطناعي هو الامتحان الحقيقي لكن كل هذه الأجهزة قد تكون أقل أهمية من «سيري». فالذكاء الاصطناعي هو المعركة التي ستحدد موقع «آبل» في السنوات المقبلة، وهنا تحديدًا لا تبدو الصورة مريحة تمامًا. الشركة أعلنت عن «سيري» أكثر ذكاءً، قادرة على فهم السياق الشخصي للمستخدم، والتعامل مع الرسائل والصور والبريد ومحتوى الشاشة، وتنفيذ إجراءات داخل التطبيقات. لكن بعض هذه المزايا لن يكون متاحًا فورًا، كما أن «سيري» الجديدة لن تدعم العربية في البداية. وهذه نقطة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلًا تقنيًا. فالمشكلة بالنسبة إلى «آبل» أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية يمكن إطلاقها لاحقًا؛ لقد أصبح طبقة جديدة فوق التكنولوجيا كلها. والمستخدم بدأ يتوقع من هاتفه أن يفهمه، لا أن ينفذ أوامره فقط. إذا كانت «آبل» قد بنت قوتها على التكامل بين الجهاز والنظام والخدمات، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون الفرصة الأكبر لتوسيع هذا التكامل، لكنه قد يصبح أيضًا نقطة ضعفها إذا سبقها الآخرون في تحويل الهاتف إلى مساعد حقيقي يتنبأ باحتياجات المستخدم وينفذها بدلًا منه. من اقتصاد الآيفون إلى اقتصاد المنظومة تظل قوة «آبل» الأساسية ضخمة. لديها قاعدة مستخدمين هائلة، ونظام تشغيل مغلق ومتكامل، ومتجر تطبيقات، وخدمات، وأجهزة مترابطة، وعلامة تجارية تستطيع بيع المنتج بسعر أعلى من معظم المنافسين. لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد. فكلما كانت المنظومة مغلقة، أصبح التغيير أصعب، وكلما كان المستخدم معتادًا على تجربة مستقرة، أصبح إقناعه بقفزة تكنولوجية جذرية أكثر تعقيدًا. ولهذا، فإن تيرنوس لا يرث شركة فاشلة، بل يرث شركة ناجحة جدًا تواجه مشكلة النجاح نفسه: كيف تغيّر نموذجًا أثبت نجاحه من دون أن تدمره؟ قد يكون آيفون 18 الأغلى، لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيكون الأكثر ضرورة؟ آبل أمام لحظة تاريخية من السهل النظر إلى مؤتمر التاسع من سبتمبر باعتباره حفلة أخرى لإطلاق آيفون وساعة وسماعات جديدة. لكن القراءة الأعمق تقول إن «آبل» تدخل اختبارًا أكبر بكثير. فالشركة تغيّر القيادة، وتغيّر استراتيجية إطلاق الآيفون، وتدخل سوق الهواتف القابلة للطي، وتحاول اللحاق بالذكاء الاصطناعي، وترفع الأسعار في وقت يواجه فيه المستهلك العالمي ضغوطًا اقتصادية متزايدة. ولهذا، فإن السؤال الذي سيخرج من المؤتمر ليس فقط: كم يبلغ سعر آيفون 18؟ بل: هل ما زالت «آبل» قادرة على صناعة المستقبل، أم أنها أصبحت بارعة في تحسين الماضي؟ كان تيم كوك سيد مرحلة التوسع والكفاءة وتحويل الابتكار إلى إمبراطورية مالية. أما جون تيرنوس، فيبدو أنه سيدخل مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة يتعين فيها على «آبل» أن تثبت أن التفاحة لا تزال قادرة على مفاجأة العالم. ففي سوق التكنولوجيا، لا يكفي أن تكون الأكبر، عليك أن تكون أول من يجعل المستقبل يبدو ضروريًا.
لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان. ما جرى ويجري حولها يفتح ملفًّا أكبر بكثير من تلة وأنفاق ومقاتلين؛ ملف الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، ومن يملك قرار الحرب والسلم على أرضها. أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وقال جيشها إنه «طهّر» بنى تحت الأرض نسبها إلى حزب الله، فيما تحدثت الرواية الإسرائيلية عن شبكة عسكرية تحت الأرض تضم مواقع قيادة ومنشآت قتالية. وتقول إسرائيل أيضًا إن هذه البنية جرى بناؤها على مدى سنوات، وبتمويل وتخطيط إيرانيين. لكن حتى لو وضعنا الرواية الإسرائيلية جانبًا، يبقى السؤال الذي لا يستطيع لبنان الهروب منه: كيف أصبحت في جنوب بلد عربي بنية عسكرية استراتيجية بهذا الحجم، بينما الدولة اللبنانية نفسها ليست صاحبة القرار العسكري الوحيد؟ هنا تكمن خطورة علي الطاهر. إيران في الخلفية ولبنان في الواجهة لسنوات طويلة، لم يكن نفوذ إيران في لبنان مجرد علاقة سياسية مع حليف محلي. لقد تحوّل، عبر حزب الله، إلى نفوذ استراتيجي يمتد من التمويل والتسليح إلى بناء القدرات العسكرية وتحديد وظيفة الجنوب في معادلة إقليمية أوسع. وإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني في إنشاء بنية علي الطاهر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: هل نحن أمام سلاح لبناني وظيفته الدفاع عن لبنان، أم أمام جزء من منظومة إقليمية تُدار حساباتها من خارج لبنان؟ إيران ليست هي التي تدفع ثمن الحرب عندما تُقصف قرية في الجنوب. وليست هي التي تعيد بناء منزل دُمّر. وليست هي التي تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها عندما يتحول الجنوب إلى منطقة عسكرية؛ اللبناني هو من يدفع الثمن. لهذا، فإن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يعني تحويل لبنان إلى منصة دائمة لصراعات الآخرين. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار مختلف لطالما قدّم حزب الله سلاحه باعتباره ضرورة لمواجهة إسرائيل، وربط وجوده بمعادلة الردع وحماية الجنوب، لكن التطورات الميدانية تفرض سؤالًا أكثر قسوة: إذا كان السلاح هو الذي يحمي الجنوب، فلماذا أصبح الجنوب نفسه مسرحًا دائمًا للحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا كانت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الردع، فماذا يعني سقوط مواقع استراتيجية وكشف منشآت تحت الأرض أمام الجيش الإسرائيلي؟ هذه ليست أسئلة لتسجيل نقاط سياسية على حزب الله، وإنما أسئلة عن جدوى استراتيجية كاملة. فالردع الذي لا يمنع الحرب، والسلاح الذي لا يحمي السكان، والمعادلة التي تجعل الدولة عاجزة عن التحكم بقرار الحرب، تحتاج جميعها إلى مراجعة. ولا يكفي القول إن إسرائيل هي المعتدي، وهو توصيف لا يلغي حق لبنان في الدفاع عن نفسه، لأن السؤال المقابل يبقى قائمًا: كيف يدافع لبنان عن نفسه إذا لم يكن قرار الدفاع لبنانيًا؟ الغائب الذي يجب أن يعود هنا يعود الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة. ليس المطلوب من الجيش أن يكون مجرد قوة تنتشر بعد انتهاء المعارك، أو مؤسسة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف إلى غطاء رسمي. المطلوب أن يكون صاحب الدور المركزي في حماية الحدود والسيادة والأمن الوطني. الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تحتكر قرار الحرب. والدولة التي لا تملك كامل أدوات الدفاع عن حدودها ستظل مضطرة إلى التفاوض على سيادتها بين قوة مسلحة داخلية وقوة عسكرية إسرائيلية على الحدود، بينما يبقى المجتمع اللبناني عالقًا بينهما. هذه هي المفارقة التي تجعل علي الطاهر أكثر من قصة عسكرية. فبينما تتقاتل القوى على المرتفعات، تنخفض الدولة اللبنانية أكثر فأكثر عن مستوى الأرض التي يُفترض أن تكون صاحبة السيادة عليها. وإسرائيل ليست بريئة من معادلة الفوضى، لكن استعادة سيادة الدولة اللبنانية لا تعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا. فالقول إن وجود سلاح خارج الدولة يمثل مشكلة لبنانية حقيقية لا يعني قبول الاحتلال أو العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. إسرائيل نفسها تستفيد من وجود سلاح حزب الله لتقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدًا دائمًا على حدودها. وكلما اتسعت البنية العسكرية للحزب، اتسعت معها الذريعة الإسرائيلية لضرب لبنان. وهكذا تنشأ الحلقة الجهنمية: حزب الله يقول إن السلاح ضروري بسبب إسرائيل، وإسرائيل تقول إن وجود السلاح يبرر عملياتها، ولبنان الرسمي يجد نفسه بين الطرفين. ومن يدفع الثمن؟ لبنان. علي الطاهر ليست معركة تلة؛ إنها معركة لبنان على سيادته نهاية مرحلة أم بداية مواجهة جديدة؟ السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر لا تعني بالضرورة نهاية حزب الله عسكريًا، كما أن تدمير منشأة أو نفق لا يعني انتهاء قدرته على إعادة بناء شبكاته. لكنها قد تعني شيئًا أكثر أهمية: أن معادلة الجنوب القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وإذا تحولت إسرائيل إلى الاحتفاظ بمواقع داخل الجنوب، وربطت الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فإن لبنان سيكون أمام خطر جديد: أن يتحول سلاح الحزب، الذي قيل إنه وُجد لمنع الاحتلال، إلى أحد العوامل التي يستخدمها الاحتلال لتبرير بقائه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. السلاح الذي حمل شعار تحرير الأرض قد يصبح، في نظر خصومه، سببًا لاستمرار احتلالها. ولذلك، فإن مستقبل الجنوب لن يُحسم فقط في الميدان. سيُحسم في بيروت، في قرار الدولة، في علاقة الجيش بالسلاح، وفي قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من مرحلة «المقاومة نيابة عن الدولة» إلى مرحلة «الدولة التي تمتلك حق المقاومة والدفاع وتحتكر قرارهما»؟ أمام لحظة الحقيقة قد تختلف القوى اللبنانية حول حزب الله، وحول إيران، وحول إسرائيل، وحول مفهوم المقاومة. لكن هناك حقيقة يصعب الالتفاف عليها: لا يمكن بناء دولة ذات سيادة بجيشين وقرارين وحسابين للحرب والسلم. إذا أراد حزب الله حماية لبنان، فعليه أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية تقررها الدولة. وإذا أرادت إيران الحفاظ على نفوذها في لبنان، فعليها أن تدرك أن لبنان ليس قاعدة متقدمة في أي مواجهة إقليمية. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا على حدودها، فلن تحصل عليه بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عمليات مفتوحة. أما الجيش اللبناني، فعليه أن يستعيد دوره الطبيعي: جيش الدولة، لا جيش التسويات. skip render: ucaddon_box_testimonial