في كلّ مرة يقترب فيها العالم من حافة حرب كبرى، لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائض الروايات. الشاشات تمتلئ بالتحليلات، ووكالات الأنباء تتسابق على كسر الخبر، والخطابات السياسية تُعاد بصيغ مختلفة… لكن ما يُرسم فعليًّا على الأرض غالبًا ما يبقى خارج الكادر. ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كصراع عسكري تقليدي، ولا حتى كتنافس جيوسياسي بحت. نحن أمام مشهد أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية، وتُستدعى فيه — بشكل مباشر أو غير مباشر — سرديات دينية وتاريخية تُستخدم لتعبئة الجماهير وإضفاء شرعية على قرارات كبرى. لكن تحويل الصراعات السياسية إلى “حتميّات عقائدية” ليس تفسيرًا بقدر ما هو أداة تعبئة. فالتاريخ لا يُكتب بالنبوءات، بل بقرارات بشرية قابلة للخطأ والمراجعة. انتصارات مُعلنة… وتفاوض يُخفي الهزائم المرحلة الحالية من التوتر تكشف مفارقة لافتة: كل الأطراف تعلن النصر، وفي الوقت نفسه تتجه نحو التفاوض. هذا وحده كافٍ لإثارة الشك. فالدول المنتصرة لا تتعجّل التفاوض، والدول المُنهكة لا تملك رفاهية الادّعاء. لغة “الهدنة” و”المفاوضات” في مثل هذه السياقات ليست دائمًا تعبيرًا عن رغبة حقيقية في إنهاء الحرب، بل قد تكون أداة لإعادة التموضع: إعادة ترتيب الجبهات، ترميم الداخل، أو كسب وقت ثمين قبل جولة جديدة. وهنا تظهر مشكلة أعمق: الجمهور الذي يتابع هذه التطورات لحظة بلحظة، يجد نفسه أمام تدفّق معلوماتي يشبه ماء البحر — كلما شرب منه أكثر، ازداد عطشًا للفهم. اقتصاد الحرب اقتصاديًّا، لا يمكن فصل أي تصعيد في المنطقة عن سوق الطاقة العالمي. المضائق البحرية ليست مجرد ممرات جغرافية، بل مفاتيح ضغط استراتيجية. أي تهديد لها يعيد تشكيل موازين القوى، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في أوروبا وآسيا أيضًا. في الأزمات الكبرى، تتحرك الأسواق بسرعة تفوق السياسة أحيانًا. الخوف يدفع المستثمرين للبيع، واللايقين يخلق فرصًا لآخرين للشراء. هذه الدورة — الخوف ثم التهدئة — ليست جديدة، لكنها تصبح أكثر حدّة عندما ترتبط بحرب محتملة. الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالأرقام، بالعقود، وبحركة رؤوس الأموال التي قد تُعيد توزيع الثروة العالمية في صمت. صراعات بلا حدود عسكريًّا، لم تعد “الحرب بالوكالة” توصيفًا نظريًّا، بل واقعًا متكررًا. قوى كبرى تتجنب المواجهة المباشرة، لكنها تدير صراعات عبر أطراف إقليمية. في هذا السياق، يصبح أي نزاع محلي جزءًا من لوحة أوسع، تتجاوز حدوده الجغرافية. وهذا ما يجعل فهم الصراع أكثر تعقيدًا: ما يبدو مواجهة بين طرفين قد يكون في الحقيقة تقاطع مصالح وصراعات متعددة في آن واحد. الدين كأداة سياسية: من الإيمان إلى التعبئة البعد الأكثر إشكالية هو استخدام الخطاب الديني كغطاء للصراع. حين تُستدعى نصوص أو نبوءات لتفسير ما يجري، يتحول النقاش من تحليل قابل للنقد إلى يقين مُغلق. التاريخ يُظهر أن القوى السياسية كثيرًا ما استعارت اللغة الدينية لتبرير الحروب أو تعبئة المجتمعات. لكن النتائج على الأرض كانت دائمًا مرتبطة بميزان القوة، لا بمدى “قدسية” الرواية. الخطر هنا ليس في الدين ذاته، بل في توظيفه كأداة سياسية تُغلق باب الأسئلة وتفتح باب الاصطفاف. حتميّة أم احتمال؟ الحديث عن “مرحلة ثالثة” قد يكون واقعيًّا من زاوية تصاعد التوتر، لكنه ليس قدرًا محتومًا. الحروب لا تندلع لأنها مكتوبة سلفًا، بل لأنها تُصبح — في لحظة معينة — الخيار الذي تراه الأطراف أقل كلفة من البدائل الأخرى. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل المنطقة تتجه فعلًا نحو تصعيد أكبر، أم أننا أمام لعبة طويلة تُدار عبر الإعلام بقدر ما تُدار على الأرض؟ سيكولوجيا الجماهير في قلب هذا المشهد، تقف الجماهير أمام اختبار صعب. بين الخوف، الدعاية، والرغبة في التصديق، تصبح القدرة على التمييز أكثر هشاشة. حين تُختزل الروايات إلى شعارات، تُعطّل القدرة على الفهم. وحين يُستبدل التحليل بالعاطفة، يصبح الجمهور جزءًا من الصراع بدلًا من أن يكون مراقبًا له. الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله فقط بالصواريخ أو الاتفاقيات، بل أيضًا بالكلمات التي تصف ما يحدث. فالرواية ليست مجرد وصف، بل أداة قوة بحد ذاتها. السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟ بل: من يملك القدرة على رؤية ما وراء الضجيج… قبل فوات الأوان؟
في لحظةٍ يتقدّم فيها الذكاء الاصطناعي من كونه مجرّد أداةٍ تقنيّة إلى كونه ركيزةً من ركائز القوّة، أعادت شركة Palantir Technologies فتح ملفٍّ لم يُغلَق أصلًا: مَن يملك القرار الأخلاقي عندما تتحوّل الخوارزميّات إلى أدوات حرب، الدولة أم الشركات أم السوق؟ البيان الذي نشرته الشركة في اثنتين وعشرين نقطة، مقتبسة من كتاب The Technological Republic، لم يكن مجرّد تذكير بكتابٍ صدر العام الماضي، بل بدا كأنّه إعلان موقفٍ حادّ، أقرب إلى بيانٍ عقائديّ منه إلى ملخّصٍ فكريّ. وأكثر من واحدٍ وعشرين مليون مشاهدة تعني أنّ الأمر لم يعُد نقاشًا بين خبراء، بل أصبح مادّةَ جدلٍ عام، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة والأمن والهوية. نهاية العصر النووي الرئيس التنفيذي Alex Karp لا يتحدّث بلغةٍ حياديّة، بل يذهب مباشرةً إلى صلب المسألة حين يقول في البيان: “السؤال ليس ما إذا كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستُبنى، بل مَن سيبنيها ولأيّ غرض”. عبارةٌ تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طيّاتها انقلابًا كاملًا في طريقة التفكير: لم يعُد النقاش أخلاقيًّا حول “هل ينبغي”، بل أصبح عمليًّا حول “مَن يسبق”. ويمضي البيان أبعد من ذلك، ليؤكّد أنّ “خصومنا لن يتوقّفوا عند نقاشاتٍ نظريّة، بل سيواصلون التقدّم”، في تبريرٍ واضح لفكرة السباق المفتوح. هنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من تقنيةٍ إلى منطق ردعٍ جديد، حتى إنّ الشركة تلمّح إلى أنّ “العصر النووي يقترب من نهايته”، ليحلّ محلّه عصرُ ردعٍ قائم على البرمجيات. لكنّ البيان لا يقف عند حدود الأمن، بل يدخل منطقةً أكثر حساسيّة حين ينتقد ما يسمّيه “السطحيّة في التعدديّة”، معتبرًا أنّ الولاء الأعمى لفكرة الشموليّة يتجاهل الفروقات بين الثقافات، بل ويذهب إلى حدّ القول إنّ بعض الثقافات “أبدعت وأنتجت العجائب”، فيما أخرى “أثبتت أنّها ضارّة ومتخلّفة”. هنا، لا يعود الحديث تقنيًّا، بل يصبح خطابًا مشحونًا برؤيةٍ قيميّةٍ خطيرة، خصوصًا عندما يصدر عن شركةٍ تبني أنظمةً تُستخدم في اتّخاذ قراراتٍ أمنيّة. كما يخصّص البيان مساحةً لانتقاد ما يراه “ضعفًا استراتيجيًّا” في التاريخ الحديث، مشيرًا إلى أنّ تجريد ألمانيا من قوّتها بعد الحرب العالميّة الثانية كان “مبالغةً دفعت أوروبا ثمنها”، وأنّ الالتزام السلمي لليابان قد يغيّر ميزان القوى في آسيا. هذه القراءة لا تنظر إلى الماضي بقدر ما تحاول إعادة صياغة الحاضر: القوّة، لا التقييد، هي الضامن للاستقرار. من وادي السيليكون إلى خرائط الحرب، لم تعد البرمجيات تصنع المستقبل فقط، بل تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. الخطر لم يعد في الآلة وحدها، بل في العقيدة التي تديرها، وفي الشركات التي تكتب منطقها المهام الكبرى في المقابل، يهاجم كارب، بشكلٍ غير مباشر، شركاتٍ مثل Google وMeta Platforms، متّهمًا إيّاها بالانشغال بتطبيقاتٍ استهلاكيّة، والإعلانات، وتوصيل الطعام، بدل الانخراط في “المهام الكبرى” كالدفاع والأمن. بالنسبة إليه، التقنية ليست للراحة، بل للسيادة. لكنّ هذه الرؤية تفتح بابًا لأسئلةٍ لا يمكن تجاهلها. فالشركة نفسها متّهمة باستخدام تقنياتها في أنظمة مراقبة المهاجرين، والتعاون مع عمليّاتٍ عسكريّةٍ مثيرة للجدل. كما أنّ عددًا من موظّفيها السابقين اتّهموا إدارتها بالتخلّي عن قيمها، بل واعتبروا أنّها تساهم في “تطبيع الاستبداد” تحت غطاء الابتكار. وهنا تكمن المفارقة: الشركة التي تدعو إلى بناء القوّة الصلبة عبر البرمجيات هي نفسها التي تضع الإطار الفكري الذي يبرّر هذه القوّة، ثم تبيع الأدوات التي تنفّذها. وكما أشار Eliot Higgins، فإنّ هذه ليست أفكارًا مجرّدة، بل “أيديولوجيا شركة تعتمد أرباحها على السياسات التي تروّج لها”. هذيانٌ مظلم الأسلوب الذي كُتب به البيان يزيد من حدّة الجدل. فقد وصفه بعض المراقبين بأنّه أقرب إلى “نصٍّ مضطرب” أو حتى “هذيانٍ مظلم”، لا لشيءٍ إلّا لأنّه يخلط بين الفلسفة والتسويق، وبين التحليل والدعاية. فهو، من جهة، يطرح أسئلةً حقيقيّة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومن جهةٍ أخرى، يبدو كأنّه يهيّئ الأرضيّة لتوسيع دور الشركة في هذا المستقبل. وربّما هذا هو لبّ القضيّة. لم تعُد الشركات التقنيّة مجرّد منتِجٍ للبرمجيات، بل أصبحت لاعبًا سياسيًّا يكتب روايته الخاصّة للعالم. والانتقال الذي قامت به “بالانتير” من وادي السيليكون إلى دنفر لم يكن جغرافيًّا فقط، بل يعكس تحوّلًا أعمق: من ثقافة الابتكار المفتوح إلى ثقافة الأمن والانضباط. الذكاء الاصطناعي لم يعُد رفاهيةً رقمية، بل مشروعَ قوةٍ وهيمنةٍ وحرب لا يدور النقاش حول كتابٍ أو بيان، بل حول سؤالٍ أكبر: إذا كانت الحروب القادمة ستُدار بالخوارزميات، فمَن يضع قواعد هذه الخوارزميات؟ ومَن يراقبها؟ والأخطر من كلّ ذلك: عندما تتحوّل البرمجيات إلى أدوات ردع، مَن يردع مَن؟
ما إن تناهى إلى مسامع جهاتٍ حزبيةٍ معروفة تحضيرُ سكان حيّ البرغوث في صيدا لتوقيع عريضةٍ ترفض إعادة بناء “مجمع الزهراء”، وتقديمها إلى وزير الداخلية ونواب المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاطبةً، لمنع إعادة إعمار المجمع بالشكل الذي كان عليه، حتى رصدت مصادر أهلية متابعة إطلاقَ حملةِ تحشيدٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ لشدّ العصب المذهبي، وجمع التبرعات بسرعة بهدف البدء بإطلاق ورشة إعمار المجمع دون انتظار أحد. وفي هذا الإطار، تداول ناشطون مقاطعَ صوتيةً لشخصياتٍ معروفةٍ ومجهولة، إضافةً إلى بياناتٍ وُزّعت على نطاقٍ واسع على مجموعات واتساب، تدعو إلى تحفيز تقديم التبرعات لبناء المجمع، وتهاجم وتخوّن وتشتم كلَّ من قد يعترض هذه الخطوة من أهالي صيدا الأصليين الرافضين لها. أسلوبٌ قديمٌ مكشوف، بات مدعاةً للسخرية أكثر ممّا يستدعي الاستفزاز، وهو اتهام كلّ معارضٍ بالعمالة والصهيونية والإمبريالية العالمية، وصولًا إلى حدّ القذف بالنجاسة. قد يسكت أغلب سياسيّي صيدا وقواها عن القيام بأيّ تحرّكٍ حيال هذا الأمر، لأسبابٍ عديدةٍ تتوزّع بين الخوف والانبطاح والسذاجة والغفلة، لكن الأكيد أنّ جلّهم، كما أكثرية الصيداويين، يعلمون جيّدًا في داخلهم أنّ “مجمع الزهراء” لم يكن يومًا دارَ عبادةٍ فحسب، فالكثير من أهل المدينة الذين لا يزالون أحياءً يروون الكثير من الأحداث التي جرت معهم في أقبِيته وبين غرفه المظلمة. لو كان هذا الأمر في قريةٍ مسيحيةٍ في أعالي جرود جبيل، لكان الكلام مختلفًا، لكن في صيدا، حيث لا أحد يجرؤ على قول الحقّ والحقيقة، ستسلك القضية منحًى مختلفًا، لكنه لن يختلف عمّا تشهده المدينة منذ سنين من تغييرٍ في الهوية والديموغرافيا، لا يُتطرّق إليه إلا في البيوت وعلى كراسي المقاهي.