في السياسة تُقال عبارة مألوفة: «المعرفة قوة». وهي صحيحة إلى حدٍّ بعيد. فالمعلومة تمنح صاحبها قدرة على الفهم، والفهم يمنحه قدرة على التأثير، والتأثير يفتح باب القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وسيلة للنفوذ فقط. في المنطق القرآني، المعرفة ليست امتيازًا بلا تبعة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. أي إن ما نسمعه ونراه وندركه لا يبقى خارج دائرة المحاسبة. ماذا نفعل؟ سياسيًا، تختصر هذه الآية سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا نفعل بما نعرف؟ هذا السؤال أكثر أهمية من كمية المعلومات التي نملكها، لأن السياسة لا تُقاس فقط بقدرة المسؤول على قراءة الوقائع، بل بقدرته على تحويل هذه القراءة إلى قرار يخدم الناس ويحصّن الدولة. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى جانب أساسي من تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ففي جوهر مشروعه، لم تكن معرفة العالم ترفًا، ولم يكن الانفتاح على الخارج خروجًا من لبنان، بل محاولة لوضع لبنان داخل حركة العالم. كانت الفكرة تقوم على أن بلدًا صغيرًا ومفتوحًا مثل لبنان لا يستطيع أن يبني مستقبله بعقل منغلق، ولا أن يحمي مصالحه من دون أن يفهم الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والتحولات الإقليمية. المعرفة هنا لم تكن هدفًا بحدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى الفعل: تعليم، إعمار، علاقات، استثمار، مؤسسات، وفرص. وهذا هو الفارق بين من يستخدم المعرفة لكي يتفوّق على خصمه، ومن يستخدمها لكي يبني. في الحياة السياسية اللبنانية، كثيرًا ما تُستهلك المعرفة في الصراع: من يعرف أكثر عن خصمه؟ من يمتلك معلومات أدق؟ من يستطيع أن يحرجه أو يحاصره أو يسبقه بخطوة؟ لكن الدولة لا تُبنى بهذه العقلية وحدها. الدولة تحتاج إلى معرفة من نوع آخر: معرفة حاجات الناس، وتحولات المجتمع، وأرقام الاقتصاد، ونقاط ضعف الإدارة، واتجاهات العالم، وموقع لبنان داخل كل ذلك. من دون هذه المعرفة تصبح السياسة ارتجالًا، ومن دون المسؤولية تصبح المعرفة نفسها انتهازية. skip render: ucaddon_material_block_quote استعادة الإرث لهذا، فإن استعادة الإرث الحريري لا ينبغي أن تقتصر على استحضار الاسم أو الحنين إلى مرحلة سياسية بعينها، بل على استعادة منهج في التفكير: أن تعرف الواقع قبل أن تتحدث عنه، وأن تفهم التحولات قبل أن تتخذ موقفًا منها، وأن تضع المصلحة العامة قبل استخدام المعلومة في الصراع. هذه مسؤولية تنطبق على كل عمل سياسي، لكنها تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تيار المستقبل، إذا أراد أن يعيد تعريف دوره انطلاقًا من إرثه السياسي والفكري. المطلوب ليس فقط خطابًا يعرف ماذا يريد الناس أن يسمعوا، بل عقل سياسي يعرف ماذا يحتاج البلد أن يفعل. الفرق كبير بين السؤالين؛ الأول ينتج شعبوية، والثاني قد ينتج دولة. لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم. لا يحتاج فقط إلى من يصف أزماته، بل إلى من يعرف كيف يقرأ أسبابها وتداخلاتها، ثم يقدّم خيارات قابلة للحياة. حين تصبح المعرفة تكليفًا، تبدأ السياسة بالخروج من منطق النفوذ إلى منطق الخدمة ولهذا، قد يكون أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في السياسة اللبنانية اليوم هو الانتقال من: «ماذا نعرف لكي نغلب؟» إلى: «ماذا نعرف لكي نخدم؟». في السؤال الأول، المعرفة سلاح، وفي الثاني، المعرفة أمانة. وربما هنا يكمن أحد الفروق الأساسية بين السياسي ورجل الدولة. السياسي قد يعرف كيف يستخدم اللحظة. أما رجل الدولة، فعليه أن يعرف كيف يقرأ ما بعدها. وهذا، في أحد أعمق معانيه، ما يجعل المعرفة مسؤولية لا امتيازًا. فالمشكلة ليست أن نعرف أقل، بل أن نعرف، ثم نتصرف كأننا لا نعرف. skip render: ucaddon_box_testimonial
أعزَّ الله عزَّ الدين القسّام ونسله، وأذلَّ إسرائيل وزبانيتها أينما ثُقِفوا. لا مجال هنا للتأويل أو الاجتهاد. الأمر قطعيّ ونهائيّ، لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والظروف، ولا مجال للمزايدة والشعبوية. لكن أن يؤول قطاع حيوي وأساسي كقطاع الكهرباء، في مدينة هي العاصمة الثالثة للبلد، ليقع في يد جهة بعينها معروفة الميول السياسية والحزبية بشكل واضح للجميع، فعندها تصبح المسألة مسألة أمن قومي، لا عبث فيها ولا سكوت عنها بحجّة الغباء أو قِصر النظر. تتحفنا بلدية صيدا، بين الحين والآخر، بصورة وخبر لتقول إن المنطقة الفلانية من المدينة باتت بحوزة صاحب المولّد الفلاني… لا أستثني أحدًا من أصحاب المولّدات الخاصة قديمهم وجديدهم، على فظاعة ما اقترفوه بحق المواطنين على مدى سنين، لكن قليل من «الفطنة» وبُعد النظر… وحتى لو كانت الخطوة تتمثّل بنقل امتياز توليد الكهرباء من المولّدات الخاصة من شخص إلى آخر، من الغباء حُكمًا، بغضّ النظر عن الظروف التفصيلية، أن تتمركز الغالبية العظمى بيد شخصين معروفين في المدينة ومحسوبين على «حركة المقاومة الإسلامية» حماس. ليس في الأمر تهمة، بل تنبيه مشروع، ففي زمن العربدة والطغيان الإسرائيلي، ما الذي يمنع مسيّرة أو صاروخًا من تفجير مولّد بحجّة أن صاحبه ينتمي إلى حماس؟ ماذا لو قُصفت كل المولّدات التي باتت لأشخاص مؤيدين للحركة تحت هذه الحجّة؟ عندها تدخل المدينة في ظلام دامس من الصعب الخروج منه. لا تحتاج آلة الحرب الإسرائيلية إلى ذريعة، يكفيها أن تتابع صفحة البلدية على فايسبوك، لكن من السذاجة أن نمنحها سببًا، وألّا نرى أبعد من أنوفنا، وألّا ندرك أبعاد خطوات قد تجرّ الويلات على البلدية نفسها وأعضائها، وتاليًا على صيدا برمتها، بحجج لا تنتهي عند الأميركيين والإسرائيليين تحت عنوان شماعة «الإرهاب». المطلوب اليوم من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في المدينة تدارك الأمر قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. الطاقة ليست تيارًا كهربائيًا أو مادة سائلة، إنها شريان حياة آلاف الناس، ولا يجب أن تكون محتكرة بيد شخص، مهما حسنت نواياه. هل خلت المدينة من أصحاب أموال ومستثمرين لا غبار عليهم، بالطبع لا…
في سوريا الجديدة، لم يعد الخطر يأتي فقط من الطائرات والمدافع. ثمة خطر آخر أكثر هدوءًا وأشدّ تعقيدًا، يطرق الأبواب باسم الاستثمار، وإعادة الإعمار، والوساطة التجارية، ويدخل أحيانًا تحت لافتات تبدو في ظاهرها اقتصادية، بينما قد تخفي وراءها شبكات نفوذ ومصالح وأموالًا يصعب تتبّع مصادرها وغاياتها. نشر الناشط والإعلامي حسان عقاد تحقيقًا بعنوان «تحقيق عن محمد حمشو»، وسرعان ما تحوّل المنشور إلى ساحة امتزج فيها الدعم بالخوف. معلّقون يكتبون: «الله يحميك»، وآخرون: «سافر»، وثالث يقول: «الدولة عندها فكرة عن مهاراتك الاستخباراتية». هذه العبارات ليست مجرد تعليقات عابرة. إنها تعكس شعورًا عامًا بأن كشف شبكات المال والنفوذ في بلد خرج لتوّه من حرب طويلة قد يكون أحيانًا أخطر من الفساد نفسه، وأن الاقتراب من بعض الملفات قد يعني الاقتراب من مصالح تتجاوز رجل أعمال أو شركة إلى شبكة أوسع من العلاقات والارتباطات. «الموساد» في معادلة المال الاختراق الاستخباراتي لا يحتاج دائمًا إلى جاسوس يحمل جهاز اتصال أو وثائق سرية. في عالم الاقتصاد، قد يبدأ الأمر برجل أعمال يقدّم عرضًا مغريًا، أو شركة وسيطة مسجلة خارج البلاد، أو حساب مصرفي، أو شريك تجاري لا تظهر خلفيته الحقيقية بسهولة. هنا تصبح البيئات الفاسدة أرضًا مثالية للعمل الاستخباراتي. فالأجهزة الأجنبية لا تحتاج دائمًا إلى صناعة الفساد من الصفر؛ يكفي أحيانًا أن تستثمر في فساد موجود أصلًا. «ضعاف النفوس» ليسوا جميعًا خونة بالمفهوم التقليدي. بعضهم جائع، وبعضهم طامع، وبعضهم غارق في الديون، وبعضهم يعتقد أن ما يفعله مجرد صفقة تجارية. لكن حين تختلط الحاجة بالطمع، وتغيب الرقابة، تصبح الثغرة الاقتصادية بابًا واسعًا للاختراق السياسي والأمني. هنا تكمن الخطورة، لا يحتاج الخصم إلى اقتحام الدولة إذا كان قادرًا على شراء الطريق إليها. سوق ما بعد الحرب بعد سنوات الحرب، تتحول سوريا بطبيعتها إلى سوق ضخمة: إعمار، طاقة، اتصالات، عقارات، نقل، مصارف، ومشاريع بنى تحتية بمليارات الدولارات. لكن السؤال ليس فقط: من سيستثمر؟ السؤال الأخطر: بأي مال، ولحساب مَن، وتحت أي رقابة؟ إذا كانت العقود تُمنح بالواسطة، والشركات تُختار بعيدًا عن الشفافية، ورؤوس الأموال تتحرك من دون تدقيق حقيقي، فإن الاقتصاد نفسه قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. المال القذر لا يدخل دائمًا من النافذة. أحيانًا يدخل من الباب الرئيسي، بعقد رسمي وختم قانوني وشركة مسجلة، حين يكون الحراس غافلين، أو فاسدين، أو جزءًا من اللعبة. والأخطبوط المالي لا يحتاج إلى السيطرة على كل الدولة. يكفيه أن يمد ذراعًا إلى قطاع الطاقة، وأخرى إلى الاتصالات، وثالثة إلى العقارات، ورابعة إلى مراكز القرار، حتى يصبح إخراجه لاحقًا أكثر كلفة من منعه منذ البداية. skip render: ucaddon_material_block_quote التحقيق ليس الحكم إذا كانت المعلومات التي نشرها عقاد دقيقة ومدعومة بأدلة قابلة للتحقق، فإن القضية تصبح أكبر من اسم شخص بعينه. عندها نحن أمام سؤال يتعلق بإمكان تحوّل رجال أعمال وشبكات مالية إلى جسور بين مصالح خارجية ومراكز تأثير داخل الاقتصاد السوري. لكن التحقيق الصحفي، مهما كان مهمًا، لا يُغني عن التحقيق القضائي. الفيديو أو المنشور يفتح الملف، لكنه لا يغلقه. والاتهام لا يصبح حقيقة قضائية لمجرد انتشاره على مواقع التواصل. هنا تبدأ مسؤولية الدولة: التحقق، والاستدعاء، والتدقيق في حركة الأموال والشركات والعقود، ثم إعلان النتائج للرأي العام. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُفتح الملف، بل أن يُفتح ثم يُترك. كل ملف كبير يُثار ثم يُدفن بلا نتيجة يتحول إلى رسالة سيئة للجميع: إلى الفاسد بأن بإمكانه الاستمرار، وإلى المبلّغ بأن لا أحد سيحميه، وإلى المواطن بأن الحقيقة لا قيمة لها. حماية من يكشف في دول ما بعد النزاعات، حماية المبلّغين ليست رفاهية قانونية، هي جزء من الأمن القومي. فالشخص الذي يكشف شبكة فساد أو غسل أموال أو اختراق اقتصادي قد يواجه التشويه، والتهديد، والابتزاز، وربما الملاحقة أو المنفى. إذا امتلك حسان عقاد أو غيره معلومات جدية، فإن واجب الدولة ليس تبنّي روايته مسبقًا، بل حمايته والتحقق مما يقدمه من أدلة في آن واحد. الحماية لا تعني أن كل ما يقوله صحيح، كما أن فتح التحقيق لا يعني إدانة كل من يرد اسمه فيه. الدولة الجدية تفعل الأمرين معًا: تحمي المبلّغ، وتحفظ حقوق المتهم، ثم تترك الأدلة والقضاء يقولان الكلمة الأخيرة. هنا يُختبر فعلًا مفهوم «الدولة الفتية»: هل نحن أمام دولة مؤسسات، أم أمام إعادة تدوير لشبكات النفوذ بأسماء جديدة؟ درع أم بديل؟ يلعب المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية دورًا بالغ الأهمية في سوريا الجديدة، لأنهما يملآن فراغًا تركته سنوات الخوف والرقابة والاحتكار. لكن المجتمع المدني لا يستطيع أن يكون بديلًا عن القضاء. ولا الصحفي يستطيع أن يتحول إلى نيابة عامة ومحكمة في الوقت نفسه. المطلوب منظومة كاملة: قوانين لحماية المبلّغين، شفافية في العقود العامة، تدقيق في مصادر رؤوس الأموال، رقابة على الشركات الوسيطة، تجميد للأصول عند وجود شبهات جدية وفق القانون، وتعاون مالي وقضائي مع الدول التي تمر عبرها الأموال. من دون ذلك، يبقى التحقيق مجرد صرخة عالية، وقد يدفع صاحبه ثمنها وحده. حسان عقاد، في هذه القضية، ليس مجرد اسم، هو اختبار لطريقة تعامل سوريا الجديدة مع الحقيقة. إذا حُمِي حقه في التحقيق والنشر، وتولت المؤسسات المختصة التحقق من المعلومات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، فذلك يعني أن الدولة بدأت تبني مناعة حقيقية. أما إذا تُرك كل شيء للتهديد والتشهير والتخويف والصمت، فستكون الرسالة أن الأخطبوط ما زال قادرًا على التحرك، مهما تغيرت الأسماء والرايات. الاقتصاد السوري الصاعد لن يكون مستقلًا حقًا إذا كانت بعض خيوطه مرتبطة بأموال مجهولة المصدر أو بشبكات مصالح عابرة للحدود. وحماية سوريا من الاختراق لا تكون بالشعارات وحدها، ولا برفع الصوت ضد «الموساد» أو غيره، بل ببناء دولة تجعل الاختراق مكلفًا: قضاء مستقل، عقود شفافة، أجهزة رقابية فاعلة، ومجتمع لا يخاف من السؤال. skip render: ucaddon_uc_material_bullets