وكأنّ إسرائيل كيانٌ مستجدّ، أو عدوٌّ عابر لم يسكن تاريخنا بالدم والمجازر. اليوم، يطلّ علينا أصحاب “القضايا المنسية”، كما يطلّ الغارقون في رغد الوظائف النفطية والعقليات الليبرالية المستوردة، ليلقي الفريقان علينا محاضرات في “المنطق” وفي كيفية التفكير، متناسين أنّ الجرح أعمق من كلماتهم المنمّقة، أو البذيئة في معظم الأحيان. في المشهد اللبناني اليوم، يسود خطابان لا ثالث لهما، وكلاهما ينهش في جسد وطنٍ يحتضر: الأول: خطاب “تقديس المعركة” ونفي الآخر يرى هذا الخطاب في المقاومة، المتمثلة بحزب الله، قوةً معصومة، تحمي الكرامة وترفع الذل، تحت شعار: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. في هذا المذهب، تسقط المحاسبة، وتُطمس التواريخ، ولا يهمّ من أين يأتي الدعم؛ فـ”عدوّ عدوي صديقي”، ولو كان التحالف مع الشيطان نفسه. لكن الحقيقة المرّة أنّ هذه الشعارات، التي سُمّيت مقاومة، لم تكن يومًا وطنية خالصة. فهذه المنظومة التي تدّعي البسالة، برعت في قمع الجيران في سوريا، بينما وقفت عاجزة عن حماية نفسها وهيكلها، بل وسيدها المختبئ أمام عدوّها الوجودي. سيدها الذي رفع الإصبع في وجه ثورة شعب في 2019، وسيدها الذي احتل بيروت يومًا، وتورّط في دماء الاغتيالات السياسية. إنّه خطابٌ يقتات على ترهيب الداخل قبل ترهيب الخارج. أصحاب البطولات الكاذبة كانوا دومًا حلفاء السلطة الفاسدة، يقتسمون معها المغانم خلف الستار. ولو كان هذا البلد كيانًا قويًا ثابتًا، لما وجدت فيه ميليشيا عابرة للحدود مكانًا لتعيث فيه فسادًا، أو تحمي الفاسدين. skip render: ucaddon_material_block_quote الثاني: خطاب “الترفيه” والانفتاح الزائف وعلى المقلب الآخر، يبرز خطابٌ لا يقلّ قبحًا، خطابٌ منقطع عن الجذور والتاريخ، يلهث خلف أفكار معلبة ليحوّل الوطن إلى مجرد “حديقة عامة”، أو “ملهى ليلي” يقضي فيه إجازته السنوية. هؤلاء، الذين جمعوا ثرواتهم من العمل في الخليج أو الشركات الغربية، يظنون أنّ أرصدتهم البنكية تمنحهم الحق في تقرير مصير البلاد. يعلّقون كل فشلهم وهزائمهم التاريخية على “المقاومة”، مستعدين لبيع الأرض والعرض مقابل وسام “انفتاح” يمنحه لهم “العم سام”. يطالبون بالحياة، لكن عن أي حياة يتحدثون؟ هل هي حياة نيويورك الصاخبة التي يحلمون بها، أم واقع انقطاع الكهرباء والماء ونهب الودائع الذي يغرقون فيه؟ هذا الخطاب الذي يدّعي العقلانية لا يملك من المواطنة إلا قشرتها، فهو خطاب استهلاكي بامتياز، يكتفي بالفرجة والتعالي على جراح الناس دون أن يزرع في الأرض فكرًا أو وعيًا. ماذا فعل هؤلاء لترميم الوعي الجمعي المحطّم؟ لقد استبدلوا مشقة البناء الجاد بثرثرة المقاهي، واستعاضوا عن تأسيس الدولة بشعارات “انفتاح” جوفاء، حتى باتوا مجرد ظلّ باهت لمنظومة يزعمون معارضتها. فما هو شكل البلد الذي يريدونه بعد زوال السلاح، أو حتى بعد زوال إسرائيل؟ لا وطن تحت فوهة بندقية… ولا كرامة على طاولة ملهى هل نبني وطنًا أم نحمي ركامًا؟ إنّ هذا الوطن يتهدّم تحت وطأة هذين الخطابين؛ فالمشكلة لا تكمن في الصراع العسكري فحسب، بل في غياب “البديل الوطني” الحقيقي. وإذا ما عدنا لقراءة التاريخ وتجارب المقاومات الناجحة، سنجد سؤالًا جوهريًا يسبق الحديث عن السلاح أو الاستسلام: هل استطعنا أصلًا بناء “وطن” يستحق الدفاع عنه؟ لقد تجاوز لبنان اليوم قرنه الأول، فماذا أنجز؟ لم يحصد اللبنانيون سوى الحروب الممتدة، والفقر المدقع، والسرقات الممنهجة، والانقسامات التي بلغت حدًا من السخافة لا يُطاق. هل نريد حقًا حماية هذا الواقع المرير عبر الاختيار بين طريقين أحلاهما مُرّ؟ • إما “مقاومة مميتة” تستنزف ما تبقى من الروح.• وإما “استسلام مذلّ” يبيع الكرامة بلا ثمن. في الحالتين، لن تكون الحماية لوطن، بل “لقمامة” سياسية واجتماعية. فأيّ من الخطابين السائدين سعى فعليًا لبناء وطن؟ من البنى التحتية المتهالكة وصولًا إلى القيم الوطنية العليا؟ لا أحد. لقد غرق الجميع في صراع الطوائف والأحزاب والأجندات الخارجية، تارةً تحت غطاء العقائد السوداء، وتارةً خلف ليبرالية هشة لا تسمن ولا تغني من جوع. الحقيقة التي يتهرّب منها الكثيرون هي أنّ هذا “المشروع الوطني”، الذي فاق المئة عام، بات اليوم مشروعًا فاشلًا، هزيلًا، ومفلسًا. وطنٌ يحتله “بضعة أوباش” ليرتعوا فيه نهبًا واعتداءً، محوّلين قطعة الأرض هذه من كيان جامع إلى مجرد ملجأ لمجموعات شريدة لا يجمعها سوى الخوف من الآخر. إنّ “مربط الفرس” ليس في السلاح ولا في الانبطاح، بل في الخروج من هذه الحلقة المفرغة. المقاومة الحقيقية تبدأ برفض هذين الخيارين معًا، والبدء ببناء شعب مؤمن بخصوصيته، يحترم اختلافه، ويسعى للارتقاء القائم على القيم لا على “الفذلكات” الافتراضية. skip render: ucaddon_box_testimonial
بعيدًا عن أحلام بعض “الواهمين”، عبر بيانات أو صور أو تصريحات، ومع التقدير للجهد المبذول والأمل بغدٍ أفضل، من حيث المبدأ، لا يحق لأي بلدية في لبنان أن تضع تعرفة للمولدات الخاصة تخالف التعرفة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، لأن تسعير الكهرباء والمولدات يدخل ضمن الاختصاص التنظيمي والإداري المركزي للدولة، ولا سيما وزارة الطاقة، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة الداخلية والبلديات. وقد درجت وزارة الطاقة شهريًا على إصدار «التسعيرة العادلة» للمولدات الخاصة وإبلاغها إلى الداخلية والاقتصاد لتنفيذها وضبط المخالفات. غير أن الواقع العملي شهد في بعض الأحيان تدخّل بعض البلديات عبر قرارات تنظيمية محلية تتعلق بكيفية تطبيق التسعيرة، أو مراقبة الالتزام بها، أو تنظيم الاشتراكات ضمن نطاقها البلدي، استنادًا إلى صلاحياتها في الشؤون الصحية والبيئية والمحلية بموجب قانون البلديات اللبناني. لكن هذه الصلاحيات لا تخوّلها مخالفة قرار تنظيمي مركزي نافذ صادر عن الوزارة المختصة. وبالتالي، إذا أصدرت البلدية قرارًا تنظيميًا يهدف إلى فرض الالتزام بتسعيرة الوزارة، أو تنظيم الجباية والعدادات والضجيج وساعات التشغيل، فهذا يدخل ضمن صلاحياتها المحلية. أما إذا حدّدت تعرفة أعلى أو أدنى بصورة تخالف التسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة، فذلك يكون عرضة للإبطال لتجاوز حدّ السلطة، لأن البلدية لا تملك اختصاصًا أصيلًا بتحديد تعرفة مخالفة للتسعيرة الوطنية الرسمية. لذا، كي لا تكون “المعارك الدونكشوتية” التي تُخاض مجرد “زوبعة في فنجان”، فإن محافظ الجنوب يملك اليد الطولى للتدخل وضبط فوضى التسعيرات حتى تلك الصادرة عن بلدية صيدا نفسها كما سائر البلديات الأخرى.
بينما كانت أجراس الكنائس ومآذن المساجد في القرى الحدودية تستعد لإطلاق زغاريد “العودة”، وبينما كان النازح المتعب يلملم بقايا حياته في حقيبة مهترئة ليعود إلى أرضه، كانت هناك “خناجر” تُغرس في صمت تحت عباءة ما يُسمّى “اتفاق وقف الأعمال العدائية”. لا نتحدث هنا عن خروقات عادية، ولا عن رصاصة طائشة أو قذيفة ضلّت طريقها؛ نحن نتحدث عن ظاهرة مريبة، غريبة، وتكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ النزاعات: احتلال يزحف في ظل السلم، وقضم للأرض يتم بمباركة الصمت الدولي! ما يحدث اليوم في قرى الجنوب اللبناني، من كفركلا إلى يارون، ومن مارون الراس إلى شمع، ليس مجرد “ترتيبات أمنية” كما يحاول الإعلام الغربي تلميعه، بل هو استباحة علنية للسيادة اللبنانية تحت مظلة هدنة يبدو أنها كُتبت بحبر إسرائيلي خالص. الدبابة تتنزّه كيف يمكن لعقل بشري أن يستوعب مشهد جرافة “D9” إسرائيلية وهي تقتلع أشجار الزيتون المعمّرة في بلدة لبنانية، بينما تجلس لجان المراقبة الدولية في غرفها المكيّفة تدرس “آليات التنفيذ”؟ الغرابة ليست في العدوان، فالعدو لم يغيّر طباعه، بل الغرابة في هذا “البرود” الذي يلفّ المشهد. المصادر الميدانية تتحدث عن تقدّم ملحوظ للقوات الإسرائيلية نحو نقاط لم تصل إليها حتى في ذروة القتال. يدخلون القرى، ينسفون الأحياء السكنية، ويقيمون سواتر ترابية جديدة، كل ذلك تحت شعار “التأكد من خلوّ المنطقة من البنية التحتية العسكرية”. أي استخفاف هذا بالعقول؟ وهل أصبحت “الهدنة” رخصة مفتوحة للتموضع والاحتلال بدل أن تكون جسرًا للانسحاب؟ إن ما نراه هو “قضم هادئ”. العدو لا ينسحب، بل يعيد تموضع نفسه داخل الأراضي اللبنانية، مستغلًا غياب الردع المباشر بحجة الحفاظ على الاتفاق. إنه سباق مع الزمن لفرض “واقع جغرافي” جديد، بحيث عندما يأتي موعد الانسحاب النهائي المزعوم، نكتشف أن الخريطة قد تغيّرت، وأن تلالًا استراتيجية قد “عُبرت” بالكامل. skip render: ucaddon_material_block_quote المؤامرة الكبرى والغرف السوداء احذروا، فإن ما يدور خلف الكواليس أشدّ قتامة مما تراه الأعين على شاشات التلفزة. هناك رائحة “طبخة” دولية تفوح منها نتانة الخيانة. التقارير الدبلوماسية المسرّبة تشير إلى أن هناك “تفاهمات تحت الطاولة” أعطت للعدو ضوءًا أخضر غير معلن للقيام بـ”تطهير أخير” للمنطقة الحدودية. لماذا الصمت؟ ولماذا هذا التباطؤ المريب في انتشار الجيش اللبناني؟ هل الهدف هو إعطاء العدو الوقت الكافي لتحويل القرى الأمامية إلى “أرض محروقة” غير قابلة للحياة، بحيث تصبح العودة إليها مستحيلة حتى لو انسحب الجيش الإسرائيلي؟ الحذر كل الحذر مما يُسمّى “اللجنة الخماسية” أو “لجنة المراقبة”. إن التاريخ يعلّمنا أن هذه اللجان غالبًا ما تكون “شاهد زور” على ضياع الحقوق. بينما ينشغل السياسيون في بيروت ببيانات الترحيب والتهنئة، تكون الجرافات الإسرائيلية قد رسمت حدودًا جديدة بدم القرى المحطمة. إنهم يحاولون تحويل “المنطقة العازلة” من مفهوم أمني إلى واقع جغرافي منزوع السكان ومنزوع الهوية. الهدنة ليست استسلامًا يا أيها الغيورون على هذه الأرض: إن الصمت على هذه التحركات هو بمثابة “توقيع” على خسارة الأرض. إن ما تفعله إسرائيل اليوم هو “اختبار نبض”. إذا مرّ هذا التقدم المريب دون محاسبة، ودون تحرك جدي على الأرض وفي المحافل الدولية، فإن الهدنة ستتحول إلى “احتلال مقنّع” يدوم سنوات. لا تنخدعوا بكلمات “تثبيت الاستقرار”. أي استقرار هذا الذي يُبنى على أنقاض بيوت المدنيين بعد توقف المدافع؟ إن ما يحدث هو استكمال للحرب بوسائل “سلمية” كاذبة. العدو يستغل حرص لبنان على إنهاء المعاناة ليمارس أبشع أنواع الابتزاز الميداني. القرى اللبنانية بين الركام والخرائط الجديدة فخّ تاريخي الموقف لا يحتمل الدبلوماسية الباردة. الأرض تضيع، والقرى تُنهب في “وضح الهدنة”. إن التقدم الإسرائيلي الملحوظ دون حسيب أو رقيب هو فضيحة للأمم المتحدة، وطعنة في ظهر الاتفاق، وإهانة لكل لبناني صمد في أرضه. إن المرحلة القادمة هي الأصعب. إما أن يفرض لبنان سيادته بقوة الحق وبسرعة الانتشار، وإما أن نجد أنفسنا أمام “حزام أمني” جديد بأسماء وتسميات حديثة تباركها الدول الكبرى. انظروا خلف الستار، راقبوا التحركات في الوديان والتلال، ولا تتركوا “مظلة الهدنة” تعمي أبصاركم عن الحقيقة المرّة: العدو لا يفهم لغة الاتفاقات، بل يفهم فقط لغة الأرض التي تُنتزع من تحت أقدامه. skip render: ucaddon_box_testimonial