في بغداد العباسية، قبل أكثر من ألف ومئتي عام، قال أبو نواس بيته الشهير: فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةًحَفِظْتَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ بيتٌ يختصر مأزقًا إنسانيًا قديمًا ومتجددًا: أن يعرف الإنسان شيئًا، ثم يظن أنه عرف كل شيء.تبدأ رحلة العقل من الدهشة. ينظر الإنسان إلى السماء والنجوم والكواكب، فيشعر بضآلته أمام هذا الكون، ثم يسأل، ويبحث، ويكتشف. هكذا تراكمت المعرفة البشرية، من النار والعجلة، إلى قوانين الفيزياء والطب، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي.لكن المشكلة ليست في اتساع العلم، بل في غرور المعرفة؛ حين ينتقل الإنسان من الانبهار بما اكتشفه إلى الاعتقاد بأن أدواته المحدودة أصبحت قادرة على تفسير الوجود كله. بين «كيف» و«لماذا» العلم التجريبي بالغ القوة حين يسأل: كيف؟كيف تتحرك الأجرام؟ كيف تعمل الخلايا؟ كيف تنتقل الطاقة؟ وكيف تتفاعل المادة؟وقد حقق الإنسان في هذه المجالات إنجازات مذهلة.لكن الخلل يبدأ عندما يعتقد أن الإجابة عن «كيف» تمنحه تلقائيًا الإجابة عن «لماذا». فمعرفة آلية الشيء لا تعني بالضرورة معرفة غايته، كما أن فهم قوانين ظاهرة ما لا يعني امتلاك تفسير نهائي لمعنى وجودها.وهنا تبدأ مساحة واسعة من الالتباس بين العلم والفلسفة. skip render: ucaddon_material_block_quote حدود الأدوات العلم التجريبي أداة عظيمة لاستكشاف العالم المادي، لكنه ليس أداة مصممة للإجابة عن كل سؤال يتعلق بالغاية أو الأخلاق أو المعنى أو الروح. فالإنسان نفسه لا يرى الأشعة تحت الحمراء بعينه، ولا يسمع الموجات فوق الصوتية بأذنه، ومع ذلك لا يعني عجز حواسه عن إدراكها أنها غير موجودة. وهذا يطرح سؤالًا بسيطًا: هل عدم القدرة على قياس شيء يعني بالضرورة نفي وجوده؟ الانتقال من عبارة «لا أستطيع قياسه» إلى «إذن هو غير موجود» ليس دائمًا استنتاجًا علميًا، بل قد يكون قفزة فلسفية تتجاوز حدود الأداة المستخدمة. ومن يحاول قياس كل شيء بأداة واحدة يشبه رجلًا يستخدم ميزانًا لقياس المسافة بين مدينتين، ثم يعلن أن المسافة غير موجودة لأنه لم يستطع وزنها. المشكلة هنا ليست في الميزان، بل فيمن حمّله أكثر مما يحتمل. وهم الإحاطة من هنا تصبح محاولة تحويل العلم التجريبي إلى حكم نهائي على كل ما هو موجود أو غير موجود مخاطرة فكرية. فالعقل البشري، رغم تقدمه الهائل، لا يزال عاجزًا عن تفسير كثير من الظواهر بصورة نهائية، ولا تزال أسئلة كبرى مرتبطة بالوعي والكون والحياة موضع بحث مفتوح. ولذلك فإن احترام العلم يقتضي أيضًا احترام حدوده. العالِم الحقيقي لا يخجل من عبارة: «لا نعرف بعد», بل ربما كانت هذه العبارة من أكثر العبارات علمية ونزاهة. غرور التخصص ولا يقتصر غرور المعرفة على القضايا الفلسفية والوجودية. في عصر التخصص الدقيق، قد يتفوق الإنسان في مجال ضيق، ثم يتوهم أن هذا التفوق يمنحه سلطة معرفية في السياسة والاجتماع والدين والأخلاق والحياة كلها. وقد نرى متخصصًا بارعًا في التكنولوجيا أو الطب يقع في أخطاء بديهية حين يتحدث خارج مجاله، فقط لأنه خلط بين التخصص العميق والمعرفة الشاملة. أما على مواقع التواصل، فالأمر أكثر وضوحًا. يكفي أحيانًا منشور، ومقطع فيديو، ومقال قصير، لكي يتحول شخص إلى «خبير» يصدر أحكامًا قاطعة في أكثر القضايا تعقيدًا. هنا تظهر مفارقة عصرنا: لم يعد الجهل دائمًا صامتًا، بل أصبح أحيانًا شديد الثقة بنفسه. أخطر الجهل أن يأتي متنكّرًا في هيئة يقين المعلومة والحكمة أزمة زماننا ليست في نقص المعلومات، بل في كثرتها من دون حكمة.فالإنسان يستطيع اليوم الوصول إلى كم هائل من المعارف خلال ثوانٍ، لكن امتلاك المعلومات لا يعني امتلاك المعرفة، والمعرفة لا تعني بالضرورة امتلاك الحكمة.المعلومة تمنحك شيئًا تعرفه، أما الحكمة فتمنحك وعيًا بما لا تعرفه.العالِم الحقيقي ليس من يملك جوابًا عن كل شيء، بل من يعرف أين تنتهي معرفته، ويملك من التواضع ما يكفي ليقول: «لا أعلم».وإدراك العقل لحدوده ليس هزيمة للعقل، بل إحدى أعلى درجات العقلانية. حجاب المعرفة لهذا سيظل بيت أبي نواس صالحًا لكل زمان: حفظت شيئًا… وغابت عنك أشياء.فالخطر ليس في المعرفة نفسها، بل حين تتحول المعرفة إلى حجاب يمنع الإنسان من الاعتراف بما يجهله.لا تجعل ما عرفته يدفعك إلى احتقار ما لم تعرفه، ولا تجعل نجاح العلم في تفسير جزء هائل من العالم المادي يتحول إلى ادعاء بأنه أحاط بكل الوجود.فالكون أكبر من مختبراتنا، والوجود أعمق من معادلاتنا، والحقيقة أوسع من أن تحتكرها أداة بشرية مهما بلغت دقتها. skip render: ucaddon_box_testimonial
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية، تقف سوريا اليوم أمام مشهد مختلف، لا يخلو من التعقيد، لكنه يحمل في داخله فرصة نادرة. القوى التي تنافست طويلًا على الأرض السورية، واختلفت مصالحها وتحالفاتها وحساباتها، تنتقل تدريجيًا إلى ساحة أخرى أقل صخبًا من المدافع وأكثر تأثيرًا في المستقبل: ساحة النفوذ الناعم، والتنافس على كسب ثقة السوريين وقلوبهم، وهنا يكمن التحدي. فالمطلوب ألا يتحول هذا التنافس الجديد إلى نسخة ناعمة من صراعات الأمس، وألا ينتقل السوريون من ساحات الحرب بين المحاور إلى ساحات الولاء لها. فرصة لا محور أي تقارب إقليمي أو دولي يخفف الضغوط عن سوريا، وأي دعم يأتي من السعودية أو قطر أو بقية دول الخليج أو تركيا أو الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها، يجب أن يُقرأ أولًا من زاوية واحدة: ماذا تستفيد سوريا؟ ليس المطلوب أن تختار دمشق دولة ضد أخرى، أو محورًا في مواجهة محور، بل أن تحوّل تعدد الراغبين في مساعدتها إلى شبكة مصالح تخدم إعادة البناء والاستقرار والاقتصاد. فكلما تنافست الدول على تقديم الاستثمار، وإعادة الإعمار، وفرص العمل، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، كان من الممكن أن يتحول التنافس الخارجي إلى رصيد داخلي لسوريا، بدل أن يصبح وقودًا لانقسام جديد بين السوريين. المعادلة التي تحتاجها البلاد بسيطة: ليتنافس الجميع على سوريا، لا أن تتنافس سوريا من أجل الجميع. هوية منفتحة السوريون ليسوا أبناء مجتمع منغلق على ذاته. فالجغرافيا والتاريخ جعلا سوريا، طوال قرون، معبرًا للتجارة والثقافات والأديان والأفكار، ونقطة اتصال بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والداخل العربي. لهذا، لا يشكل الانفتاح على العالم انتقاصًا من الهوية السورية، بل يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًا لها. المشكلة لا تبدأ عندما تنفتح سوريا على الخارج، بل عندما يصبح الخارج قادرًا على تحويل انفتاحها إلى ولاءات متفرقة داخل المجتمع. skip render: ucaddon_material_block_quote حصانان نجحت القيادة السورية خلال المرحلة الجديدة في توسيع هامش الحركة الخارجية وإعادة فتح قنوات مع دول واتجاهات متعددة، لكن نجاح السياسة الخارجية وحده لا يكفي. فالمرحلة تحتاج إلى السير على حصانين في الوقت نفسه: حصان للخارج، وحصان للداخل. في الخارج، المطلوب علاقات متوازنة، واستثمارات، وشراكات، ومصالح متبادلة، ورفض وضع سوريا نهائيًا داخل خندق مغلق في مواجهة خندق آخر. أما في الداخل، فالمهمة أكثر حساسية: بناء وعي وطني قادر على تفسير معنى هذا الانفتاح للسوريين. هنا تصبح الحاجة ملحّة إلى سردية وطنية واضحة وسهلة تصل إلى كل سوري: من يساعد سوريا نشكره. من يستثمر فيها نرحب به. من يقف معها نحفظ له موقفه. لكن الولاء السياسي يبقى لسوريا وحدها. فليس ثمة مشكلة في أن يحب السوري دولة وقفت إلى جانبه، أو شعبًا احتضنه، أو حكومة قدمت له العون في زمن صعب. الامتنان طبيعي، والمحبة إنسانية، لكن الخط الفاصل يجب أن يبقى واضحًا بين الامتنان والولاء. فالامتنان علاقة أخلاقية، أما الولاء فهو علاقة سياسية ووطنية. يبدأ الخطر عندما يشعر السوري بأن ارتباطه بدولة خارجية يسبق ارتباطه بدولته، أو حين تنقسم البلاد نفسيًا إلى جماعات ترى كل واحدة منها في عاصمة مختلفة مرجعها أو حاميها أو مستقبلها. ولاءات صغيرة دفعت سوريا أثمانًا هائلة عندما تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ومن الخطأ أن تعود الظاهرة نفسها بثياب جديدة. فقد يبدأ الأمر بتفضيل سياسي بسيط: هذا يميل إلى تركيا، وذاك إلى السعودية، وثالث إلى قطر، ورابع إلى الولايات المتحدة أو أوروبا. لكن عندما يتحول الميل إلى هوية، والامتنان إلى اصطفاف، تصبح الدولة أمام ولاءات صغيرة تتنافس داخل الولاء الوطني الأكبر. هنا يصبح الدعم الخارجي، مهما كانت نياته إيجابية، مادة خلاف بين السوريين بدل أن يكون عنصر قوة لهم، وهذا ما يجب تجنبه. الوطن الذي يحتاج إلى راعٍ خارجي لكل جماعة، لم يصبح وطناً بعد ماكينة وطنية لا تقع المسؤولية هنا على الحكومة وحدها. الإعلاميون والمثقفون والجامعات والمدارس والمؤثرون وقادة المجتمع جميعهم معنيون بإعادة صياغة العلاقة بين السوري والخارج. ولا يحتاج الأمر إلى خطب طويلة أو شعارات ثقيلة، المطلوب ماكينة إعلامية وطنية ذكية تكرر مجموعة بسيطة من الأفكار: الانفتاح ليس اصطفافًا، الشراكة ليست تبعية، المساعدة لا تمنح حق الوصاية، والعلاقة مع الخارج لا تجعل الخارج بديلًا عن الوطن. هذه الأفكار قد تبدو بديهية، لكنها في الدول الخارجة من الحروب ليست بديهية على الإطلاق. جسور عبور سوريا تحتاج اليوم إلى بناء جسور عبور نفسية وسياسية للسوريين. عبور من البحث عن الحامي الخارجي إلى الثقة بالدولة، ومن الولاءات المتفرقة إلى الانتماء الوطني. ومن سؤال: «من يقف معنا؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «ماذا يخدم مصلحة سوريا؟» فالسياسة الخارجية الناجحة ليست التي تجعل السوريين يتوزعون بين أصدقاء الخارج، بل التي تجعل جميع أصدقاء الخارج يتنافسون على بناء علاقة جيدة مع سوريا. ذاكرة أوسع وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية: الذاكرة. من الخطأ اختزال التاريخ السوري كله في مرحلة الثورة، مهما بلغت مركزيتها في التاريخ السوري الحديث، ومهما حملته من تضحيات وآلام وتحولات كبرى. الثورة جزء شديد الأهمية من الذاكرة السورية، لكنها ليست الذاكرة كلها. فسوريا أقدم بكثير من أزماتها الأخيرة، وأوسع من أي مرحلة سياسية، وأعمق من أن يبدأ تاريخها من سنة وينتهي عند أخرى. اختزال تاريخ شعب يمتد آلاف السنين في عقد أو عقدين لا يخدم بناء دولة جديدة، بل قد يقطع الأجيال عن جذورها ويحوّل الذاكرة الوطنية إلى ساحة صراع جديدة. الدول لا تُبنى بمحو ما سبقها، ومن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي سلطة جديدة أن تتعامل مع التاريخ باعتباره عبئًا يجب التخلص منه، أو أن تعتقد أن تأسيس شرعية جديدة يحتاج بالضرورة إلى إلغاء كل ما سبقها. الشعوب الأكثر استقرارًا ليست تلك التي بلا ماضٍ، بل تلك التي تعرف كيف تقرأ ماضيها دون أن تصبح أسيرته. تحتاج سوريا إلى أن تنظر إلى تاريخها كله: إلى نجاحاته وإخفاقاته، إلى لحظات مجده ومآسيه، إلى ثوراته وانكساراته، وإلى أخطاء سلطاته ومعارضاتها ومجتمعه على السواء، فالذاكرة ليست محكمة دائمة، بل يمكن أن تكون مدرسة. التصالح مع التاريخ وفي أحاديث حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، برزت إشارات إلى التاريخ والجذور وتجربة السوريين مع الاقتلاع والهجرة والتحولات الكبرى، وهي أفكار تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يتعامل السوريون مع ماضيهم؟ ربما تكون الإجابة في فكرة واحدة: التصالح مع التاريخ، لا الهرب منه ولا السجن داخله. التصالح لا يعني تبرير الأخطاء، ولا إسقاط المحاسبة، ولا مساواة الضحية بالجلاد. بل يعني امتلاك الشجاعة لقراءة التاريخ كما كان، بكل تناقضاته، ثم استخلاص ما يسمح ببناء مستقبل مختلف. وطن واحد سوريا لا تحتاج إلى أن تنسى كي تبدأ من جديد، بل تحتاج إلى أن تتذكر بحكمة. لا تحتاج إلى عداوات دائمة، بل إلى مصالح دائمة، ولا تحتاج إلى استبدال محور بمحور، أو تبعية بتبعية، أو ولاء خارجي بولاء خارجي
skip render: ucaddon_box_testimonial لكن أكثر الأخطاء شيوعًا هو اختصار القصة بالقول إن إيران جاءت إلى اليمن، فصنعت الحوثيين، ثم حوّلتهم إلى شيعة. الحقيقة أكثر تعقيدًا… وأكثر خطورة. إيران لم تخترع الحوثيين. الحركة نبتت من تربة يمنية زيدية، ومن شعور حقيقي لدى قطاعات في صعدة بأن هويتها الدينية تتراجع أمام تمدد التيارات السلفية وتهميش المؤسسات الزيدية. لكن طهران وجدت لاحقًا في هذه الحركة شيئًا نادرًا: جماعة محلية، مسلحة، ذات سردية دينية، تقع على الحدود الجنوبية للسعودية وفي جوار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرد دفاع عن الزيدية. بدأت قصة أخرى. قبل الحوثي الزيدية ليست إيرانية. وليست اثني عشرية. وليست نسخة مصغرة عن التشيّع الموجود في إيران أو العراق أو لدى غالبية شيعة لبنان. إنها فرع مستقل من الإسلام الشيعي، استقر في اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، وبنى فيه دولًا وإمامات استمرت بأشكال مختلفة قرونًا طويلة. وقد احتفظت الزيدية تاريخيًا بقدر كبير من القرب الفقهي والاجتماعي من السنّة، ولا سيما الشافعية التي تشكّل المذهب السني الأوسع انتشارًا في اليمن. وتشير دراسات عن المجتمع اليمني إلى أن الانقسام الزيدي-الشافعي لم يكن تاريخيًا جدارًا اجتماعيًا مشابهًا للانقسامات الطائفية التي عرفتها بلدان أخرى في المنطقة. كان اليمني يستطيع أن يكون زيديًا من دون أن يشعر أنه ينتمي إلى «محور شيعي» عابر للحدود. وكان الشافعي والزيدي يلتقيان في القبيلة والمدينة والسوق والسياسة، فيما كانت الصراعات اليمنية تدور غالبًا حول السلطة والقبيلة والمنطقة والمصالح، أكثر مما تدور حول سؤال: من السنّي ومن الشيعي؟ هذه الصورة بدأت تتصدع. صعدة أولًا في العقود التي أعقبت ثورة 1962 وسقوط الإمامة الزيدية، تراجعت المؤسسات الدينية التقليدية للزيدية، وفي المقابل تمددت في شمال اليمن تيارات إسلامية سنية وسلفية، بعضها مدعوم من السعودية. وشعر جزء من النخب الزيدية بأن المذهب الذي حكم شمال اليمن لقرون يتراجع في معقله التاريخي. من هنا ظهرت في التسعينيات حركة «الشباب المؤمن»، بوصفها حركة إحياء زيدي وتعليم ديني وثقافي، قبل أن يبرز حسين بدر الدين الحوثي داخلها بشخصية وخطاب أكثر سياسية وصدامية. إذًا، البداية يمنية، والجرح يمني، والصراع الأول كان يمنيًا. ولهذا فإن القول إن طهران «أنشأت الحوثيين» يختصر التاريخ بطريقة تمنع فهمه. فبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، لم يؤسَّس الحوثيون بمساعدة إيران، بخلاف تنظيمات إقليمية أخرى ارتبط تأسيسها مباشرة بطهران. لكن الدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي للجماعة توسع لاحقًا وأصبح أكثر أهمية، خصوصًا مع صعودها العسكري وسيطرتها على صنعاء ثم اندلاع الحرب الإقليمية منذ 2015. إيران لم تزرع الشجرة، لكنها أدركت مبكرًا قيمة الثمرة. من حسين إلى عبدالملك حين قُتل حسين الحوثي عام 2004، كان يُفترض نظريًا أن تنتهي الحركة مع مؤسسها. حدث العكس. تحول مقتله إلى عنصر تعبئة، وخاضت الحركة ست جولات من الحروب مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، ثم خرجت من تلك الحروب أكثر خبرة في التنظيم والقتال والتعبئة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انتفاضة 2011، تمدد الحوثيون من صعدة باتجاه عمران وصنعاء، حتى دخلوا العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014. هناك، تغير كل شيء. لم يعد الحوثي داعية يحمل اعتراضًا على السلطة، صار هو السلطة. ولم تعد الزيدية بالنسبة إلى الجماعة مجرد هوية مذهبية ينبغي حمايتها. أصبحت مصدرًا لشرعية سياسية. عندما دخلت إيران كلما ازدادت قوة الحوثيين، ازدادت قيمة اليمن في الحسابات الإيرانية. فجماعة مسلحة على الحدود السعودية، وعلى مسافة مؤثرة من باب المندب والبحر الأحمر، تملك بالنسبة إلى طهران قيمة استراتيجية استثنائية. تشير الدراسات إلى وجود تقديرات مختلفة لبداية الدعم العسكري الإيراني المباشر، لكن ثمة توافقًا أوسع على أن العلاقة العسكرية أصبحت واضحة قبل أو بحلول سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم اتسعت بصورة كبيرة في السنوات اللاحقة. وقد وفّرت إيران للجماعة أسلحة ومكونات صاروخية وتقنيات مرتبطة بالمسيّرات وتدريبًا ومساعدة عسكرية، فيما تصف تحليلات حديثة الحوثيين بأنهم شريك إيراني يتمتع بهامش استقلال، وليس مجرد قوة تتلقى أوامرها اليومية من طهران. وهذه النقطة ضرورية، الحوثيون ليسوا «حزب الله اليمني» بالمعنى الحرفي. لكنهم استفادوا من نموذج يشبهه: حركة عقائدية مسلحة، تبني مؤسساتها داخل الدولة، وتستخدم السلاح والسياسة والإعلام والدين في مشروع واحد. ومع السلاح، جاءت اللغة. إيران لم تغيّر القبلة هل أصبح الحوثيون اثني عشرية؟ ليس بهذه البساطة. فالجماعة ما زالت ذات جذور زيدية، وقياداتها الأساسية تنتمي إلى البيئة الزيدية، بينما المذهب الاثنا عشري السائد في إيران يقوم على منظومة عقدية مختلفة في نقاط جوهرية. الاثنا عشرية تؤمن بسلسلة محددة من اثني عشر إمامًا، وتنتهي بالإمام الثاني عشر الذي تؤمن بأنه غاب وسيظهر في آخر الزمان. أما الزيدية فلا تقبل هذه المنظومة المغلقة من الأئمة الاثني عشر، ولا تبني عقيدتها السياسية على الإمام الثاني عشر الغائب. ووفق التصور الزيدي التقليدي، يمكن لعالم مؤهل من ذرية الحسن أو الحسين أن يطالب بالإمامة إذا أعلن دعوته وخرج ضد السلطة التي يراها جائرة. كما أن الزيدية لم تعرف تاريخيًا مؤسسة «ولاية الفقيه» بالشكل الإيراني الحديث. وهنا المفارقة: لم تحتج إيران إلى جعل الحوثيين اثني عشرية. كان يكفي أن تقترب اللغة السياسية للحوثية من لغة الثورة الإيرانية. أحد أهم التحولات التي يجب التوقف عندها هو أن الحوثيين لم يحيوا الزيدية التقليدية كما كانت فقط، بل أعادوا تفسيرها سياسيًا. وتشير دراسة لكارنيغي حول المؤسسات الدينية العربية إلى فروق واضحة بين الفكر الحوثي وبعض التقاليد الزيدية التاريخية، ولا سيما في مسألة موقع القائد والطاعة والهوية الشيعية والعلاقة بالخطاب الإيراني الثوري. كما تشير الدراسة إلى أن حسين الحوثي شدد في خطبه على تعريف الزيديين ضمن الهوية الشيعية وعلى التقارب مع قوى شيعية إقليمية، في حين كان كثير من الزيديين اليمنيين تاريخيًا أقل اهتمامًا بتعريف أنفسهم ضمن الاستقطاب السنّي-الشيعي الإقليمي. وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، فليس كل زيدي حوثيًا، كما أن معارضة الحوثيين لا تعني معارضة الزيدية. الزيدية عمرها أكثر من ألف سنة في اليمن، أما الحوثية فهي حركة سياسية وعسكرية حديثة. والخلط بينهما يمنح الحركة ما تحتاجه تمامًا: أن يصبح نقدها نقدًا للمذهب، وأن تصبح هي الممثل الوحيد للمذهب. كربلاء تدخل السياسة مع صعود الحوثيين، ازداد حضور رموز ومناسبات دينية وسياسية تحمل أصداء واضحة من البيئة الإيرانية والشيعية الإقليمية. الغدير صار أكثر حضورًا في المجال العام، وعاشوراء اكتسبت بعدًا تعبويًا وسياسيًا أوسع. و«يوم القدس» الذي أطلقته إيراني أصبح جزءًا من روزنامة التعبئة السياسية. وتوسعت لغة «المستضعفين» و«المستكبرين» و«الولاية» و«المسيرة القرآنية»، بالتوازي مع خطاب سياسي يعتبر الجماعة جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع. وتوثق دراسات عن الفكر الحوثي تأثير الخطاب الثوري الإيراني في الجماعة مع استمرار خصوصيتها الزيدية واليمنية. لم يتحول اليمن إلى إيران، لكن إيران أصبحت حاضرة في مفردات يمنية لم تكن تحمل هذا الوزن من قبل، وهذا أخطر