في لحظاتِ الحروب الكبرى، لا تُكتَب النهاياتُ دائمًا على فوهاتِ المدافع، بل كثيرًا ما تُكتَب في غرفِ التفاهمات. فالحرب، مهما بدت صاخبة، ليست سوى مرحلة تُعيد فيها الدول ترتيبَ مصالحها. ومن هنا يطرح السؤال نفسه اليوم بإلحاح: ماذا لو حدثت الصفقة؟ الحرب الدائرة حول إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. ثباتُ إيران في مواجهة الضربات المتواصلة أخذ بُعدًا يتجاوز حدودَ الشرق الأوسط. فقد كانت طهران أولَ دولة تقف في وجه الرئيس الأميركي ترامب وتقول له “لا” بشكل مباشر، ثم تمضي في تحدّيه علنًا. هذا التحدي لم يكن سياسيًا فقط، بل تحوّل إلى مواجهة طويلة الأمد تُدار بأسلوب يجعل الخيارات أمام واشنطن ضيقة وباهظة الكلفة. ومع مرور الوقت، بدأ ما كان يُفترض أن يكون ضربة سريعة يتحوّل إلى حرب استنزاف، وهي أخطر أنواع الحروب على أي قوة كبرى، خصوصًا في ظل الحسابات الداخلية والانتخابية. صداه في موسكو وبكين الطريقة التي تُدير بها إيران هذه المواجهة بدأت تُسمَع أصداؤها في عاصمتين كبيرتين تراقبان ما يجري بدقة: موسكو وبكين. فكلٌّ من الرئيس الروسي والرئيس الصيني لم يسبق أن تحدّيا بصورة مباشرة الزخم السياسي الذي يقوده ترامب على المسرح الدولي. لكن ما يحدث اليوم يفتح أمامهما نافذة مختلفة. فصمود إيران يمنحهما فرصة نادرة لرؤية الولايات المتحدة تُستنزَف في ساحة بعيدة عنهما جغرافيًا، لكنها شديدة الحساسية بالنسبة إلى النظام الدولي. وخلال الساعات الأخيرة ظهرت مؤشرات أولية على ذلك. فقد بدأت روسيا والصين بتزويد إيران بمعلومات حول تحركات القوات والسفن والطائرات الأميركية، بما في ذلك صور من الأقمار الصناعية التابعة لهما. صحيح أن هذا الدعم لا يزال محدودًا، لكنه يحمل إشارة واضحة إلى احتمال تطوره إذا استمر الصمود الإيراني. السؤال لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل من سيعقد الصفقة أولًا؟ الفرصة التي يراها الآخرون ما يجري يخلق فرصة نادرة أمام روسيا والصين لإبطاء المشروع الدولي الذي يقوده ترامب. فدعمُ إيران، ولو بشكل تدريجي، قد يحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة تُستنزَف فيها الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا. لكن الحسابات هنا معقدة. فالعلاقات الاقتصادية والسياسية المتينة التي تربط موسكو وبكين بدول الخليج تجعل أي انخراط مباشر في دعم إيران خطوة تحتاج إلى حسابات دقيقة. لهذا تحاول الدولتان السيرَ في خط دقيق بين الاستفادة من الأزمة وعدم خسارة شركائهما في المنطقة. في المقابل، تدرك الولايات المتحدة هذا التوازن جيدًا، ولذلك بدأت بإرسال إشارات سياسية وعروض اقتصادية مغرية إلى موسكو وبكين، في محاولة لإبعادهما عن الصراع بالكامل. الكلفة التي سيدفعها الخليج غير أن الكلفة الأكبر لهذه الحرب لا تقع في العواصم الكبرى، بل في الخليج. فالتقديرات الدبلوماسية تشير إلى أن الحملة العسكرية قد تستمر أسابيع طويلة. مثل هذا السيناريو يعني أضرارًا اقتصادية كبيرة لدول المنطقة، خصوصًا إذا اضطرت بعد الحرب إلى إعادة بناء منظومات الدفاع الجوي وتطويرها. وهذه عملية قد تبتلع مئاتِ المليارات من الدولارات. والمفارقة أن الحرب ما زالت حتى الآن عند مستوى يمكن التحكم فيه. فإيران لم تستهدف بشكل ممنهج قطاع الطاقة في الخليج، رغم أنها تملك القدرة على ذلك. لكن استمرار التصعيد قد يدفع الأمور نحو هذا الاتجاه، وعندها قد تجد بعض الدول العربية نفسها مضطرة إلى الانخراط في الحرب. خطر الحرب الطويلة إذا حدث ذلك، فلن تبقى المواجهة مجرد صراع بين إيران والولايات المتحدة، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية طويلة تستنزف الجميع. وقد تتخذ هذه الحرب طابعًا مذهبيًا يزيد من تعقيدها، ويجعلها تمتد إلى مناطق أوسع من الشرق الأوسط، وربما تصل آثارها إلى شرق آسيا وجمهوريات آسيا الوسطى. المشكلة أن دول الخليج لا تستطيع، في وضعها الحالي، أن تطلب من الولايات المتحدة مغادرة أراضيها أو تقليص وجودها العسكري. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن الحرب التي اندلعت لم تُبنَ أساسًا على مصالحها، بل على حسابات تتعلق بأمن إسرائيل قبل أي شيء آخر. وإذا استمر استهداف الدول العربية بوتيرة أعلى من استهداف إسرائيل، حتى لو كان ذلك لأسباب عسكرية تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة، فقد تجد دول الخليج نفسها في حالة استنزاف تدفعها تدريجيًا إلى الانخراط في الحرب. الحرب تلتهم التنمية عند تلك اللحظة ستكون النتيجة شبه محسومة: موجة هائلة من صفقات إعادة التسلح ستلتهم موارد التنمية لعقود طويلة. وهكذا تتحول الحرب من معركة عسكرية إلى معركة اقتصادية تستنزف رفاه الدول التي بنت استقرارها على التنمية والازدهار. لهذا لم تعد هذه الحرب مجرد معركة حول مستقبل إيران أو موازين القوى في الشرق الأوسط. إنها أيضًا اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مشروعها الدولي. وفي وسط هذا المشهد المعقد، يبرز طريق ضيق لكنه واقعي أمام الدول العربية: فتح مسار دبلوماسي هادئ مع إيران لإدارة الأزمة. ليس بالضرورة اتفاقًا سياسيًا شاملًا، بل تفاهمات عملية تحمي الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية، وتضع قواعد اشتباك تقلل من الأضرار. هذا وقت الصفقات مثل هذه التفاهمات ليست غريبة على تاريخ الحروب. فكثير من الصراعات الكبرى كانت تُدار في الخلف عبر تفاهمات غير معلنة تحافظ على خطوط حمراء متبادلة. وفي لحظة كهذه، قد يكون الخيار الأكثر واقعية لدول الخليج هو البحث عن مصالحها أولًا، حتى لو تطلب ذلك تجاوز الحسابات التقليدية للتحالفات. فالتحالفات في السياسة الدولية ليست روابط دائمة، بل ترتيبات تتغير عندما تتغير المصالح. ولهذا قد يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس من سيربح الحرب، بل من سيعقد الصفقة أولًا. إنه وقت الصفقات التي تتجاوز الأحلاف.
يُنشر في “البوست” بالتوازي مع نشره في جريدة “النهار” اللبنانية يروي أحد الفلاسفة المعاصرين حكاية تبدو للوهلة الأولى عابرة. رجل يدخل مقهى ويطلب فنجان قهوة بلا كريمة. يعتذر النادل ويقول إن الكريمة غير متوافرة، ويسأله إن كان يقبلها بلا حليب. يتوقف الرجل لحظة. القهوة في الحالتين سوداء، لكن شيئًا ما تغيّر. القهوة بلا كريمة ليست هي نفسها القهوة بلا حليب. الغياب ليس محايدًا؛ ما نعتقد أننا أزلناه يترك أثرًا مختلفًا بحسب ما هو الغائب في السياسة كثيرًا ما نفعل الشيء نفسه. نزيل عنصرًا من المشهد ونظن أن المشكلة انتهت: نُخرج اسمًا أو قوة أو “فائضًا” بعينه، ونفترض أن البنية ستستقيم تلقائيًا. لكن ما لا نلتفت إليه هو أن البنية نفسها قد تكون قادرة على إعادة إنتاج المشكلة بأسماء أخرى وبخطابات أكثر تهذيبًا، لأن الخلل لا يكون دائمًا في ما نراه ظاهرًا، بل في الشروط التي سمحت له بالظهور أصلًا.بهذا المعنى يمكن قراءة خطاب السياسي اللبناني والنائب السابق فارس سعيد بوصفه محاولة جادّة وواعية لإخراج لبنان من دائرة الصدام والانهيار. هو خطاب هادئ، تصالحي، يخاطب الخوف العميق من الفراغ، ويقدّم نفسه كبديل عن منطق الغلبة والتطرّف. لكنه، في الوقت نفسه، يعالج ما يريد استبعاده أكثر مما يعالج الشروط البنيوية التي أعادت إنتاجه مرارًا. إنه خطاب أخلاقي–ثقافي في جوهره، قبل أن يكون تفكيرًا بنيويًا في الدولة. في سرديته، التاريخ اللبناني الحديث سلسلة تجارب لطوائف امتلكت، كلٌّ في زمنها، ادعاءً خاصًا بالسلطة أو بالدور: المارونية السياسية التي رأت نفسها مؤسِّسة الدولة، ثم الحريرية الاقتصادية التي راهنت على المال وإعادة الإعمار، ثم الشيعية “المقاومة” التي قدّمت نفسها كحامية الكيان في مواجهة الخارج. كل تجربة، بحسب هذا الخطاب، حملت فائضًا ما—فائض تمثيل، فائض مال، فائض قوة—وانتهت إلى مأزق وطني.ومن هذه القراءة يصل فارس سعيد إلى خلاصة مركزية: لا يمكن لأي طائفة أن تحكم لبنان أو أن تدّعي تمثيل الدولة. الحل، إذًا، ليس في استبدال فائض بفائض، بل في أن تتواضع الطوائف جميعًا، وأن تعترف بحدودها، وأن تقبل بإدارة البلد بمنطق التوازن لا بمنطق الغلبة. هذا التواضع، في نظره، ليس ضعفًا بل شرط بقاء. الدولة لا تنمو طبيعيًا مع الزمن إذا لم تُحسم أسئلة السلطة. من يملك الكلمة الأخيرة؟ من يخضع لمن؟ هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها، لأن التأجيل نفسه قد يتحوّل إلى نظام حكم الدعوة هنا تحمل نية تصالحية واضحة. فارس سعيد يعرف أن المجتمع اللبناني متعدّد، وأن محاولة صهر هذا التعدّد في نموذج واحد—على الطريقة الأوروبية التي تجعل الدولة معيارًا ثقافيًا يفرض تشابهًا قسريًا على المختلفين—ليست ممكنة ولا مرغوبة. هو يرفض منطق “تفريس” الآخر، ويرى أن لبنان يقدّم نموذجًا مختلفًا للعيش المشترك: نموذجًا لا يطلب من الجماعات أن تتخلّى عن خصوصياتها، بل أن تعيشها جنبًا إلى جنب، تحت سقف دولة قوية تحمي الجميع من دون أن تذيب أحدًا. وهنا يجدر تثبيت نقطة غالبًا ما تُفهم خطأ في النقاش اللبناني. الدفاع عن الدولة لا يمرّ بالضرورة عبر محو الجماعات. أنا لا أنطلق من خيال “مجتمع مدني” يريد القفز فوق الطوائف دفعة واحدة، ولا أرى في الطائفية الاجتماعية مجرّد عيب ينبغي استئصاله. في بلد مركّب مثل لبنان، للطوائف حقّ في الحفاظ على خصوصياتها وذاكرتها وشبكاتها الاجتماعية بوصفها تقاليد حيّة غير مكتوبة لا يمكن شطبها بمرسوم. لكن الاعتراف بالطوائف كجماعات اجتماعية لا يعني تثبيتها كحصص سياسية أبدية. ما أطمح إليه هو نقل الطائفية من كونها “ضمانة سياسية مسبقة” إلى كونها “خصوصية محميّة داخل دولة مرجعية”. أي تطوير الطائفية السياسية بحيث تصبح خاضعة لقواعد قانونية وديمقراطية تُنتج تداولًا وفتحًا للمقاعد، لا إعادة إنتاج دائمة للنتائج نفسها. بهذا المعنى أقف في المسافة بين الطائفية التقليدية وبين خطاب يريد إلغاءها، لا تمجيدًا للنظام القائم، بل بحثًا عن صيغة تُبقي الجماعات حيّة من دون أن تُبقي الدولة رهينة لها. لكن هنا بالضبط تبدأ الإشكالية. فعندما تُختزل الأزمة في “فائض” هنا أو “ادعاء” هناك، تتحوّل السياسة إلى مسألة أخلاق جماعية: الطوائف لم تتعلّم التواضع بعد، أو لم تستوعب دروس التاريخ. والحل يصبح دعوة الجميع إلى خفض السقف، والقبول بالحد الأدنى، وانتظار أن “تنضج” الظروف. غير أن التجربة اللبنانية نفسها تطرح سؤالًا مزعجًا: لماذا يعود الادعاء دائمًا؟ لماذا كل طائفة، حين تشعر أن ميزان القوى يميل لصالحها، تعود لتقديم نفسها كحامية الدولة أو ممثلتها أو ضامن استقرارها؟ هل لأن اللبنانيين لا يتعلّمون من التاريخ؟ أم لأن النظام نفسه يسمح—بل يشجّع—هذا السلوك؟ لو كانت المشكلة أخلاقية فقط، لكان التواضع كافيًا. لكن التواضع، حين يحصل، يكون مؤقتًا ومشروطًا بلحظة ضعف لا بقاعدة دائمة. ما إن تتغيّر الظروف حتى يعود الادعاء بصيغة جديدة. وهذا يعني أن الخلل أعمق من سلوك الطوائف أو من سوء الإدارة وحده؛ إنه في بنية لا تمنع الادعاء، بل تنظّمه وتعيد تدويره. اللاحتمية السياسية… شرط قيام الدولة في هذا الموضع لا بد من تثبيت مسألة جوهرية: نقد البنية لا يعني تمييعًا لمسألة السلاح خارج الدولة، ولا يجوز أن يتحوّل إلى ذريعة لتأجيلها. على العكس، أتقاطع بالكامل مع فارس سعيد في المبدأ المؤسِّس: لا دولة من دون احتكار شرعي للقوة، ولا سيادة في ظل سلاح خارج إطار المؤسسات، أيًّا تكن الجهة التي تحمله—حزبًا كانت أو طائفة أو تنظيمًا عقائديًا. سحب السلاح من أي جهة خارج الدولة ليس مطلبًا سياسيًا ظرفيًا ولا ورقة تفاوضية، بل شرط وجودي لأي مشروع دولتي. الدولة التي تقبل بتعدّد مراكز القوة تتحوّل تلقائيًا إلى مساحة توازنات لا إلى مرجعية، وإلى إدارة نزاعات لا إلى سلطة قانون. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن أي محاولة لفتح نقاش دستوري أو بنيوي في ظل سلاح خارج الدولة هي، بحكم التجربة اللبنانية، وصفة شبه مضمونة لإعادة إنتاج فائض القوة لا لمعالجته. نزع السلاح ليس نتيجة الإصلاح، بل شرطه المسبق. في هذا السياق يصبح التمسّك باتفاق الطائف والدستور، كما يفعل فارس سعيد، موقفًا سياديًا مفهومًا في مواجهة السلاح خارج الدولة. فعندما يُستخدم السلاح للضغط السياسي يتحوّل الدستور إلى خط دفاع لا إلى مادة نقاش. ومن هنا يمكن فهم الخشية العميقة من أن يُستَخدم أي حديث عن “تغيير النظام” كغطاء للهروب من استحقاق نزع السلاح. لكن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا الدفاع المشروع إلى تأجيل مفتوح لسؤال الدولة نفسها. فالفصل الصارم بين “مرحلة السلاح” و“مرحلة الشغل السياسي” يفترض أن النظام القائم قادر تلقائيًا على إنتاج دولة بعد زوال فائض القوة. والتجربة اللبنانية لا تؤكّد هذا الافتراض. إذ ما من فائض قوة ظهر في لبنان إلا ووجد في بنية النظام ما يسمح له بالترسّخ والتمدّد، لا لأن النص يريده بالضرورة، بل لأن آليات الحكم نفسها لا تُنتج مرجعية نهائية تحسم النزاع لصالح الدولة. لذلك لا يعود السؤال: هل نتمسّك بالطائف في وجه السلاح؟ بل: كيف نمنع