تُعَدّ سلطنة عُمان نموذجًا فريدًا في المشهدين الإقليمي والدولي، ولا سيّما في سياستها الخارجية القائمة على الحياد والوساطة، وهي سياسةٌ غالبًا ما تُعزى إلى الطبيعة الفكرية والفقهية للمذهب الإباضي الذي يُشكّل غالبية سكانها تعريف وجذور الإباضية إحدى أقدم المذاهب الإسلامية، نشأت في البصرة في القرن الأوّل الهجري. ويُنسب المذهب إلى عبد الله بن إباض التميمي، غير أنّ الإمام جابر بن زيد العُماني يُعدّ المؤسِّس الحقيقي والمنظّر الأوّل له. ويُفضّل أتباع هذا المذهب تسمية أنفسهم بـ«أهل الحق والاستقامة» أو «أهل الدعوة»، ويرفضون بشدّة تصنيفهم ضمن الخوارج، مؤكدين أنّهم مدرسة فقهية مستقلّة تتّسم بالاعتدال والبراغماتية والابتعاد عن التكفير. وتُعَدّ عُمان الدولة الوحيدة في العالم التي يشكّل فيها الإباضية الأغلبيّة، فيما تنتشر أقليّات إباضية في مناطق أخرى، مثل وادي ميزاب في الجزائر، وجزيرة جربة في تونس، وجبل نفوسة في ليبيا، إضافة إلى زنجبار. وقد ساهم هذا التركّز الجغرافي في الحفاظ على خصوصية المذهب وتطوّره داخل الإطار العُماني. يمتلك المذهب الإباضي نقاط التقاء فقهية وكلامية مع المذهب الشيعي في بعض المسائل، مما يساهم في تقليل حدة الصدام العقدي ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع تقارب يتجاوز الجغرافيا تاريخيًّا، تميّزت العلاقات بين عُمان وإيران بالعمق والاستمرارية، حتى قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979. ففي سبعينيات القرن الماضي، قدّمت إيران، في عهد الشاه، دعمًا عسكريًا حاسمًا للسلطان قابوس بن سعيد في إخماد ثورة ظفار، ما أسّس لتعاونٍ طويل الأمد بين البلدين. وبعد الثورة، حافظت عُمان على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، متجنّبةً سياسات الاستقطاب الإقليمي التي ميّزت علاقات دول خليجية أخرى مع إيران. لا يقتصر هذا التقارب على الأبعاد السياسية والاقتصادية فحسب، بل يمتدّ إلى جوانب مذهبية. فالمذهب الإباضي، على الرغم من استقلاله، يلتقي مع المذهب الشيعي في بعض المسائل الفقهية والكلامية، مثل مسألة خلق القرآن ونفي الرؤية البصرية لله في الآخرة. وهذه النقاط المشتركة، وإن لم تعنِ تطابقًا عقديًّا كاملًا، فإنّها تسهم في تخفيف حدّة الصدام المذهبي وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع. براغماتية مذهبية وسياسية تُعَدّ المسائل الكلامية من أبرز نقاط الالتقاء بين المذهبين، إذ يتّفقان في عدد من الأصول التي تخالف مذهب أهل السنّة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية)، ومن أبرزها: خلق القرآن: يتّفق الإباضية والشيعة الاثنا عشرية على أنّ القرآن الكريم مخلوق لله تعالى، وليس قديمًا بقدم الذات الإلهية، وهو موقف يلتقيان فيه أيضًا مع المعتزلة. نفي رؤية الله: يؤمن الطرفان باستحالة رؤية الله سبحانه وتعالى بالبصر في الدنيا أو في الآخرة، ويؤولان الآيات التي ظاهرها الرؤية على أنّها تعني «العلم» أو «انتظار الثواب»، تنزيهًا لله عن التجسيم والجهة. توحيد الصفات: يميل المذهبان إلى القول بأنّ صفات الله هي عين ذاته وليست زائدةً عليها، اتّقاءً لتعدّد القدماء، وهو ما يُعرف بالتوحيد الصفاتي. العدل الإلهي: يُركّز المذهبان على العدل بوصفه أصلًا من أصول الدين، إذ يؤمنان بأنّ الله لا يظلم العباد ولا يفعل القبيح، وأنّ للإنسان قدرًا من الاختيار يُحاسَب عليه. على الرغم من الاختلاف الجذري في مفهوم «الإمامة»، بين النصّ والتعيين عند الشيعة، والاستحقاق والانتخاب عند الإباضية، فإنّ هناك نقاط تقاطع تاريخية بارزة، من بينها: الموقف من الدولة الأموية: اشترك المذهبان في معارضة الحكم الأموي واعتباره حكمًا جائرًا انحرف عن نهج النبوّة، وتعرّض أتباعهما لاضطهادٍ مشترك في تلك الحقبة. احترام آل البيت: يُكنّ الإباضية احترامًا كبيرًا لآل بيت النبي ﷺ، من دون إضفاء صفة العصمة أو التقديس المطلق، ما يلتقي مع التقدير الشيعي لمكانتهم الروحية والعلمية. مفهوم الكتمان: مارس الإباضية ما يُعرف بـ«مسالك الدين»، ومنها مسلك الكتمان، في فترات الاضطهاد، وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير مفهوم «التقيّة» عند الشيعة بوصفه آليةً للحماية. الأثر على العلاقات المعاصرة أسهمت هذه التقاطعات العقدية والتاريخية في خلق بيئة من التسامح المتبادل والبراغماتية السياسية، ويتجلّى ذلك في غياب العداء الطائفي الحادّ داخل التراث الإباضي تجاه الشيعة، الأمر الذي سهّل التقارب السياسي بين عُمان وإيران. ويمكن تحليل هذا التقارب من خلال مجموعة عوامل متداخلة، تجمع بين الجيوسياسة والمذهب والاقتصاد: الجغرافيا السياسية ومضيق هرمز: تشترك عُمان وإيران في الإشراف على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الملاحية عالميًّا، ما يفرض تعاونًا أمنيًا واقتصاديًا لحماية المصالح المشتركة. الاستقلال السياسي والحياد: انتهجت عُمان سياسة خارجية مستقلّة مكّنتها من لعب دور الوسيط في ملفات إقليمية ودولية، أبرزها المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. التسامح المذهبي: تشكّل الطبيعة البراغماتية للمذهب الإباضي عاملًا محوريًا في السياسة الخارجية العُمانية، إذ ترفض الانجرار إلى الصراعات الطائفية وتفضّل الحوار. المصالح الاقتصادية: في ظلّ العقوبات الدولية على إيران، تحوّلت عُمان إلى منفذٍ اقتصادي مهمّ لطهران، بما يخدم مصالح الطرفين. تجنّب الصراعات الإقليمية: سمح الحياد العُماني لمسقط بتجنّب الانخراط في نزاعات إقليمية، كالحرب في اليمن، ما عزّز مكانتها كوسيطٍ وحمى استقرارها الداخلي. يتّضح أنّ التقارب بين عُمان وإيران ليس تحالفًا عابرًا، بل نتاج تفاعلٍ معقّد بين عوامل مذهبية وجيوسياسية واقتصادية، تدعمه فلسفة سياسية عُمانية متجذّرة في مبادئ الإباضية القائمة على الاعتدال والحياد والبراغماتية. ويقدّم هذا النموذج درسًا في إمكان بناء الجسور في منطقةٍ غالبًا ما تمزّقها الصراعات والانقسامات.
لم يكن اختطاف المواطن اللبناني عطوي عطوي من بلدة الهبارية مجرّد حادثةٍ أمنيّةٍ عابرة على الحدود الجنوبية، بل رسالة ميدانية مكتوبة بلغة الخطف والتوغّل. فبعد يومين على العملية الإسرائيلية، ما زالت الأسئلة أكبر من الوقائع المعلنة: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الهدف تحديدًا؟ وما الذي تريد تل أبيب قوله في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، اختارت فيها خرق الخطوط بهدوءٍ محسوب؟ وبحسب معلومات متداولة، تسلّلت قوة إسرائيلية ليلًا إلى المنطقة الحدودية القريبة من الخط الأزرق، ودارت مواجهات محدودة، قبل أن يتم اقتياد عطوي، وهو مسؤول في الجماعة الإسلامية، إلى جهةٍ مجهولة داخل الأراضي المحتلة. ويُعدّ اللجوء إلى عملية اختطاف هدفها نقل المحتجز إلى داخل الأراضي المحتلة فارقًا نوعيًا في ديناميكية التوتر القائم؛ إذ لا يقتصر الأمر على استهدافٍ أمنيٍّ عابر، بل ينقل مضمون المواجهة من إطار خروقات وقف إطلاق النار إلى مستوى السيادة والأمن القومي اللبناني. دلالات وأبعاد تحمل هذه العملية أكثر من بعدٍ تكتيكي وسياسي: أولًا – رسالة ردع استخبارية من إسرائيل. يُعدّ اختطاف شخصٍ مشارك في أنشطة مسلحة، أو مشتبه بصلته بجماعات المقاومة، تكتيكًا يهدف إلى إضعاف شبكات الدعم والتجنيد في الجنوب، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن «كل من يُصنّف تهديدًا أمنيًا، له تبعات حتى داخل مناطق نفوذه». ثانيًا – هزّ الثقة في اتفاق الهدنة. رغم أن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا رسميًا، إلا أن استمرار الخروقات والاعتداءات — بما فيها هذه الحادثة — يُضعف قدرة الوساطات الدولية على تثبيت الهدنة، ويعيد لبنان إلى دائرة الاحتكاك الدائم مع إسرائيل، بما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود. ثالثًا – استهداف قوى قريبة من الشبكات المتحالفة مع المقاومة. تُعدّ الجماعة الإسلامية أحد الفاعلين المحليين في الجنوب، وقد وضعها تعاونها مع أطراف أخرى خلال الحرب الماضية ضمن دائرة الاهتمام الأمني الإسرائيلي. وعليه، قد يشكّل اختطاف مسؤول فيها مؤشرًا إلى محاولة إسرائيلية لضرب البُنى اللوجستية والسياسية التي برزت خلال المواجهات الأخيرة. رابعًا – تداعيات داخلية لبنانية وإقليمية. داخليًا، وفي ظل ارتفاع منسوب الاحتقان السياسي والاجتماعي، يمكن أن تُستثمر هذه العملية لتعزيز خطاب التهديد الخارجي، وفتح سجالات حول قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها، بما يُبقي مناخ التوتر قائمًا. أما إقليميًا، فقد تُستخدم الحادثة ذريعةً لإعادة تبرير أنشطة مسلحة شمال إسرائيل، بما في ذلك استعراضات الردع من قبل حلفاء محور المقاومة. من هو؟ يُعدّ عطوي عطوي، البالغ من العمر نحو 63 عامًا، من القيادات البارزة في الجماعة الإسلامية. وقبل تولّيه مسؤوليات تنظيمية داخل الجماعة، شغل منصب رئيس بلدية بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا، ما جعله شخصية معروفة وذات حضور في محيطه المحلي. ومنذ عام 2022، تولّى عطوي منصب المسؤول القضائي في منطقة حاصبيا–مرجعيون لدى الجماعة، وهو موقع يمنحه نفوذًا تنظيميًا داخل شبكاتها الجنوبية، الأمر الذي قد يفسّر تصنيفه إسرائيليًا كهدفٍ أمني في عملية الاختطاف التي نُفّذت فجر يوم الاثنين.
ليس سرًّا في بلدٍ كلبنان وجودُ صراعٍ بين أجهزتِه الأمنيّة على الصورةِ والخبرِ والصدارةِ والإنجازات والتسريبات. وليس سرًّا أنّ كلَّ جهازٍ له مربِضُه وانتماؤه وتبعيّتُه السياسيّة والمذهبيّة. هذا هو لبنانُنا الذي نعيشه، ونطمح جميعًا أن يكون أفضلَ لنا ولمستقبلِ أبنائنا. الطريقةُ والأسلوبُ اللذان اعتمدهما جهازُ أمنِ الدولة في تعاطيه مع ملفِّ فسادٍ واختلاسٍ في بلديّة صيدا، والتي انحصرت تحقيقاتُه حتى الآن بموظّفةٍ واحدةٍ ومبلغٍ لا يتعدّى عشرةَ آلافِ دولار، يُظهران أنّ هناك من يسعى إلى الإضرار بالمدينة وسمعتها ووضعها في مواجهةٍ تتعاظم مع جهازٍ محسوبٍ على رئيس الجمهوريّة والعهد. أمرٌ لا تريده صيدا، وحكمًا لا يسعى إليه جوزيف عون، لكنّ «سعدنات دود الخل» تبدو مستمرّةً بأفقٍ ضيّقٍ وحساباتِ «الخِفاف» التي سترتدّ عليهم لاحقًا. فالكلام، وإنْ لا يزال همسًا الآن، لكنّه يكبر في الغرف وبين الناس، عن أبعاد مناطقية ومذهبية لما يجري، حتى ولو ابتلعت ألسنُ السياسيّين والنوّاب والقوى الفاعلة الآن، خوفًا وطمعًا واحتسابًا، فإنّ ذلك لن يستمرّ إلى ما لا نهاية. مصطفى حجازي، وحازم بديع، وحسن شمس الدين، ولاحقًا محمد السعودي، أو حتى زهرة الدرزي وغيرهم من موظّفي البلديّة، لا يمثّلون أنفسهم فحسب على كراسيّ التحقيق في أروقة السراي، إنّهم يمثّلون سلطةً تنفيذيّةً منتخبةً ومدينةً قالت كلمتها لهم. فلتُعلَّقِ المشانقُ للمختلسين، ولتُقطعْ يدُ السارقين، وليُسجَنِ المتورّطون. لا أحدَ في واردِ أن يُغطّي مرتكبًا أو يدافعَ عن مخالف، لكن ليتمّ ذلك وفق القوانين والأنظمة وبشفافيّةٍ تحفظ الكرامات وتصون الحقوق الإنسانيّة. أمّا أن يتمّ توقيفُ رئيسِ بلديّةٍ لأكثر من 7 ساعات، ويكون التحقيقُ معه فقط لمدة 20 دقيقة، فذلك أمرٌ مستغرَبٌ يؤسّس لمشكلاتٍ قد تنفجر في وجه الجميع لاحقًا، ولن تكون تداعياتُها كقضيّة المسرحيّ زياد عيتاني التي لم تُنسَ بعد. فلنتّعظْ من الماضي كي نؤسّسَ للمستقبل، لأنّ صيدا وإن بدت “حيطها واطي”، فإنّ أهلها قد يفاجئونك على حينِ غفلةٍ بما لم يكن في حسبانِ أحد.