في مُفارقةٍ لافتة، تتزيَّنُ شوارعُ لُبنان، لا سيّما العاصمةُ بيروت وعدد من المناطق، بحُلَّةِ الأعياد، وتصدحُ في أرجائِه أصواتُ التحضيراتِ لموسمِ الميلادِ ورأسِ السنة، في وقتٍ تُخيِّمُ على البلاد أجواءٌ من التوتّرِ السياسيِّ وترقّبٌ لما ستؤولُ إليهِ الأوضاعُ على حدودِه الجنوبية. على الرُّغمِ من القلقِ السائد، لم تَغِب مظاهرُ العيد عن المشهدِ اللبنانيّ. بدأت الأسواقُ والمراكزُ التجاريةُ بالتحضيرِ للمناسبة، حيثُ تزيَّنت بالزينةِ الميلادية، وبدأت بعضُ المحالّ بعرضِ بضائعِها الخاصةِ بالعيد، فيما أعلنت عدّةُ جهاتٍ عن إقامةِ أسواقٍ ميلاديةٍ وفعالياتٍ احتفالية. في مقابل هذه المشاهد الجميلة والحيوية، يعيشُ لُبنانَ على وقعِ توتّرٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ مُتصاعد. وتشهدُ الساحةُ السياسيةُ حراكًا دبلوماسيًّا مكثّفًا، في محاولةٍ لنزعِ فتيلِ التوتّر. هذا الوضعُ يجعلُ اللبنانيين يعيشونَ حالةً من عدمِ اليقين، بين أملٍ بالتوصّلِ إلى حلولٍ دبلوماسية، ومخاوفَ من تصعيدٍ عسكريٍّ قد يجرّ البلادَ إلى حربٍ جديدة. في خِضمِّ هذا التجاذبِ بين التحضيرِ للعيد وترقّبِ المجهول، يبرزُ تصميمُ اللبنانيينَ على التمسّكِ بالحياةِ والاحتفالِ بها. فإضاءةُ شجرةِ الميلادِ في ساحاتِ المدنِ والقرى، وشراءُ الهدايا والتحضيرُ للقاءاتِ العائلية، كلُّها رسائلُ أملٍ وإصرارٍ على أنَّ إرادةَ الحياةِ لدى هذا الشعبِ أقوى من أيِّ تهديد، وأنَّ فرحةَ الاستمتاعِ بالحياةِ ستبقى حاضرةً رغمَ كلِّ الظروفِ الصعبة.
باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.
يَنقُلُ زوّارٌ ممّنِ التقوا النائبَ جُبران باسيل في الآونةِ الأخيرة، عنه، عند الحديثِ عن دائرةِ «صيدا–جزّين» في الانتخاباتِ النيابيّةِ المقبلة، حِرصَهُ الشديدَ على بذلِ كلِّ المُستطاع لإنجاحِ أملِ أبو زيد في هذا الاستحقاق. فكلُّ «هَمِّ» باسيل أن «يُقطِّع» أمل، بأيِّ الطُّرقِ المضمونة، ولهذه الغايةِ بات هناك تصوّرٌ مُتقدِّمٌ لدى ماكينةِ «التيّارِ العونيّ» من ترْكيباتِ التحالفاتِ وخريطةِ الطريقِ الواجبِ اتّباعُها. في هذا الإطار، تكشِفُ مصادرٌ مُتابِعةٌ لصحيفة “البوست” أنَّ التقارُبَ والتناغُمَ الواضحَ بين أبو زيد وإبراهيم عازار لا يعني بالضرورةِ حسمَ التحالفِ الانتخابيِّ بينهما، بل إنَّ المصلحةَ قد تفرِضُ الترشّحَ ضمنَ لائحتينِ مُنفصلتَيْن. وأنَّ بعضَ «اللاهثين» الصيداويّين من وراءِ الكواليسِ لِتركيبةٍ جزّينيّةٍ تُحقِّقُ أوهامَهُمُ ستصطدِم بالأنانيّةُ العونيّةُ التي لا تُراعِي إلّا مصالحَها الآنيّةَ الضيّقة. في الإطارِ نفسِه، يُؤكِّدُ مُتابِعون أنَّ «العونيّين» يتعاملون مع الانتخاباتِ اليوم وفقَ مبدأ «مَن لا مبدأَ له»، أي إنَّ الغايةَ تُبرِّرُ الوسيلةَ «على القِطعة»، وهم يتربّصونَ لإيجادِ «رافعةٍ» صيداويّةٍ تُستَخدَمُ كجسرِ عبورٍ نحوَ إيصالِ مُرشّحِهم إلى الكرسيِّ النيابيّ، تُستَخدَمُ كمَطيّةٍ قبل أن تُنسى وكأنّها لم تكن. لكنَّ «الصيداويّين» اليوم باتوا أكثرَ إلمامًا بحقيقةِ «العونيّين» بعدما اختبروهم في أكثرَ من موضع، واكتشَفوا رأيَهُمُ الفعليَّ حيالَ سكّانِ «ساحلِ جزّين»، كما يُسمّونها في «عنتريّاتٍ» بائدة. اهتمامُ باسيل الخاصّ والشديد بإنجاحِ أملِ أبو زيد يأتي من اعتباراتٍ أبعد من مجرّد المقعد الجزّيني. فالرجل يُمثّل بالنسبة لباسيل عنصرًا أساسيًّا في ترميمِ النفوذِ المسيحيّ في الدائرة، وركيزةً ماليّة–سياسيّة يحتاجها «التيّار» في أيّ معركةٍ مقبلة، خصوصًا في ظلّ التراجع الذي أصابَ حضوره الشعبيّ. كما أنَّ أبو زيد يُشكّل واجهةً “مقبولةً” لدى جزءٍ من القوى المحليّة والمرجعيات الصيداوية، ما يجعلُ نجاحَهُ مدخلًا لإعادة تفعيل شبكةِ التحالفات التي خسرها التيار بسبب سوء سياساته تباعًا خلال السنوات الأخيرة. لذلك يرى باسيل في فوزِ أبو زيد معركةَ «وجودٍ» لا مجرّد استحقاقٍ انتخابيّ، ومحاولةً لإثبات أنَّ التيّار لا يزال قادرًا على هندسةِ النتائج في جزّين، مهما تبدّلت التحالفات وموازين القوى.