قد تبدو المسافةُ بين صيدا والعاصمةِ الكوبيّة هافانا طويلةً، وقد يسأل البعض: ما علاقةُ مدينةٍ متوسطيّة بسيطة متواضعة بعاصمةِ السيغار واليسار وفيديل كاسترو في أقصى بقاع الأرض، عند أطرافِ أميركا اللاتينيّة؟ على الرغم من بُعدِ المسافات، استطاع عددٌ من الصيداويّين تقريبَها، وإدخالَها في شوارعِ وأزقّةِ مدينتِهم ومحالِّها وعائلاتِها وحياتِهم اليوميّة، بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة. فمنذ أيّامٍ انشغلت المدينةُ بخبرِ مداهمةِ فرقةٍ من الجمارك لمحلٍّ وبيتِ أحدِ التجّارِ النشطين في بيع “السيغار” في صيدا، حيث تمّت مصادرةُ عددٍ من البضائع وتوقيفُ صاحبِها، الذي ما لبث أن أُطلِق سراحُه لأسبابٍ بقيت “طَيَّ الكِتمان”. بحسب عارفين، لم تبدأ القصة من صيدا بل بدأتِ من مطارِ دبي، حين عبر أحدُ أبناءِ “حيتانِ السيغار” في العالم ليجد سيغارا في أحدِ محالّ السوقِ الحرّة، ليس من بضاعة والدِه “المُحتكِر” لهذا البلد، وليتبيّن لاحقاً أنّ مصدر البضاعة تاجرٌ من صيدا وصلت مساريبه إلى “الإمارة السعيدة” (لتعلم كيف تتم الأمور في هذا العالم)، فتمّت مداهمتُه “بنَفس” من الحوت وحقه القانوني. في عالمِ التبغِ والتنباك ليس خفيّاً على أحد تداخُلُ التهريبِ بالوكالاتِ الحصريّة، والاستيرادُ بالتصدير، والتلاعُبُ على “كوتا” البلدان، وصولاً إلى إعادةِ التصدير لبلدانِ الثراءِ والمال. لا نفهم غالباً سُبُلَ اللهِ في توزيعِ رزقِه، لذا من الطبيعيّ ألّا نفهمَ كيف للسيغارِ الملفوفِ على فخاذِ “العَذارى” أن يكون سبباً في جعلِ 4 من أبناءِ المدينةِ مليونيريّة (حتّى الآن فقط)، وكيف يمكن للغباءِ الإداريّ والبُخلِ الوظيفيّ أن يكون سبباً في تكوينِ مليونيرٍ. يبدو أنّ مداهمةَ الأسبوعِ الماضي ليست إلّا جولةً من حربٍ مفتوحةٍ بين “الحوت” وبضعةِ “قُروش”، ستشهدُ المدينةُ فصولَا مثلها مجدّداً، فمنهم من ينتظر ومنهم من يحتمي بحيتان أخرى.
في أحد أهمّ أفلام الممثل الأمريكي ويل سميث “Concussion” أو “ارتجاجُ المُخّ”، حيث يلعب سميث دورَ طبيبٍ إفريقيٍّ متفوّق، هاجر إلى الولايات المتحدة ليبدأ حياةً علميةً أكاديمية هناك، ليكتشف بالمصادفة أنَّ كرةَ القدم الأمريكية تُسبِّبُ الجنونَ ثم الموتَ لِلاعبيها بعد تقاعدهم، فقرَّر أن يتصادم مع مسؤولي هذه اللعبة الشهيرة التي تُعَدّ من الأركان الأساسية للثقافة الأمريكية. في أحد الحوارات بين الطبيب ومديره في العمل، ذلك المدير الأمريكي الأصيل الذي يعرف الثقافة الأمريكية أكثر مما يعرفها الطبيب الإفريقي المهاجر، وبينما يُعرِبُ الأخير عن نيته البطولية في مواجهة اتحاد كرة القدم الأمريكية، يُحذِّره المدير من تلك المواجهة فيقول له جملةً عابرةً ولكنها قد تكون واحدةً من أقوى الجمل الثقافية في تاريخ السينما، إذ إنّها — رغم قِصَرها — تختصر انقلابًا ثقافيًا عميقًا أو تغيّرًا حضاريًا جذريًا:“إنهم يمتلكون يومًا من أيام الأسبوع! اليوم الذي كانت تمتلكه الكنيسة… صار لهم.” من القداسة إلى الترفيهأن تمتلكَ يومًا من أيام الأسبوع يعني أن تمتلكَ الزمنَ، فالجزءُ يرمز إلى الكل. وأن تمتلكَ الزمن يعني أن تمتلكَ إيقاعَ الناس الاجتماعي، برنامجهم اليومي أو الأسبوعي، لحظات سكونهم وانفعالهم، وما يجتمعون من أجله.في الغرب، كان الأحد يومَ الكنيسة، يومَ الربّ، يومَ العائلة والسكينة. لكن عندما تبدّلت السلطةُ الثقافية، ولم تَعُد الكنيسةُ تمتلك سلطةَ إنتاج الحياة، حلّ التلفزيون محلّ الأجراس، والمعلِّق الرياضي محلّ القسّ، تحوَّل الملعب إلى المعبد الجديد، وانتقل المركز من القداسة إلى التسلية، ومن الجماعة إلى الفُرقة.هكذا يحتلُّ المُدنَّسُ مكانَ المُقدَّس. والمُدنَّس هنا لا يعني بالضرورة النجسَ أو الملوَّث، إنما هو الدنيويُّ العاديّ بحسب تعريف عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياده. ولكن في الحقيقة، ما تغيّر ليس المضمون (اللعب بدل الصلاة)، بل الفضاء نفسه؛ اليوم، والوقت، والمكان، والوسيلة. هنا يمكن القول إن الإسلام، من خلال هندسته للزمن، خلق فضاءً عامًا متجدّدًا يضمن استمرارية الجماعة حتى في غياب الدولة أو المؤسسة الوسيط لا المحتوى هذا هو جوهر مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة:“The medium is the message”.فالوسيط — لا المحتوى — هو الذي يحدد شكلَ التفكير وذهنيةَ الإنسان، وبالتالي يشكّل الوعيَ الجمعيَّ والحياةَ العامة.مثال بسيط على مقولة ماكلوهان: التلفزيون وتأثيره على الحياة، لا من ناحية المحتوى الذي يقدّمه، بل من ناحية كونه الوسيط والوسيلة.فبعد دخول التلفزيون إلى المنزل تغيّر شكلُ العلاقات العائلية، وأصبح الاجتماعُ العائلي الأهم هو ذلك الذي يكون حول الشاشة التي تحدّد شكلَ غرفة الجلوس الجديدة!قبل التلفزيون كانت الحياة اليومية تعتمد على الزمن الطبيعي، حركة الشمس وبرامج العمل والطعام. ومع التلفزيون دخل زمنٌ جديد يتحدد بحسب البرامج التي يتناوب أفرادُ العائلة على حضورها.أذكر جيّدًا أن وقت نومنا أنا وأختي الصغرى كان عندما تبدأ نشرةُ الأخبار تمامًا، فهذا يؤذن بانتهاء وقت برامجنا وبدء برامج الكبار.كلُّ هذا لا علاقة له بالمحتوى، بل بالوسيلة نفسها التي أحدثت هذه التغييرات، أو ربما استحدثت عاداتٍ أو إيقاعات جديدة تمامًا.وأهمُّ ما في هذا الأمر مسألةُ السلطة التي أصبح التلفزيون يتمتع بها وتُنتَج على أساسها الحياة.وإنتاج الحياة يكون وفق آليات سلطوية عديدة، منها الآليات التي تتحكم بالوقت وتنظيم إيقاع الحياة الذي من شأنه تحديدُ المعنى الجمعي للوجود. الإسلام… سلطةُ إنتاجِ الحياة لقد أدرك التقويمُ الإسلامي منذ بداياته أنَّ الزمنَ بُنيةٌ حضارية تُنظّم الجماعة التي تُنتج وقتها الخاص، عبر طقوسها وأعيادها وإيقاعِ العمل والراحة فيها. وعندما تقوم بذلك فهي لا تنظّم الوقت فحسب، بل تحتفظ بسلطة إنتاج الحياة؛ فما تُقدِّسه الجماعة يُقفل الباب في وجه أي سلطة أو مؤسسة خارجية تسعى لامتلاك الوقت والزمن.فللناس خمسُ صلواتٍ في اليوم، وجُمعةٌ في الأسبوع، ورمضان في كل عام، وعِيدان بينهما موسمُ الحج السنوي.هذا التكرارُ الطقسيُّ في ظاهره يحمل في باطنه نظامًا زمنيًا عامًا متكاملًا ينتج ما يُسمّى “الإيقاع الجمعي“ ويخلق تزامنًا مشتركًا بين ملايين الأفراد في أمكنة مختلفة.فالصلواتُ الخمس، المنتشرةُ في اليوم كله، هي ما يمنح المدينةَ الإسلامية هويتَها المكانية والزمنية. إنّها خريطةُ الحياة اليومية. والجمعة ليست مجرد صلاة، بل إعادةُ ضبطٍ أسبوعية للإيقاع، وهكذا…ورمضان، في الحقيقة، قد يكون النموذج الأوضح للزمن الاجتماعي في الإسلام.فالشهر لا يُعرَّف بالعبادة فقط، بل بتحوّل الإيقاع الجمعي للمجتمع ككل؛ أوقات العمل، السوق، الإعلام، اللقاءات والتجمعات، وحتى المزاج العام يصبح رمضانيَّ النكهة!وهذه السيادة الرمضانية على الزمن لا تتجلّى في التراويح وقيام الليل فقط؛ فالعبادة هنا هي المحتوى، أمّا الوسيط فهو الزمن الرمضاني نفسه.فحتى إذا تغيّر المحتوى ليكون سهراتٍ اجتماعيةً تُقدَّم فيها بعضُ محتويات التسلية — التي قد تكون منافية لروح الشهر أحيانًا — إلا أنّ الفضاء العام ما زال ملكَ رمضان، مهما تغيّر المحتوى أو تبدّل. الوسيط لا المحتوى هو الذي يحدد شكلَ التفكير وذهنيةَ الإنسان، وبالتالي يشكّل الوعيَ الجمعيَّ والحياةَ العامة وسيلةٌ للوجود إنَّ هذا التنظيمَ الزمنيّ هو ما يحفظ وحدة المجتمع عبر التاريخ؛ إذ يُبقي الناسَ في حالة تزامن رمزيٍّ مستمرّ، ويمنحهم شعورًا بالانتماء يتجاوز السلطةَ والحدود، ويخلق فضاءً للحوار الجماعي وشعورًا بوحدة الزمن والمصير.الزمن هنا ليس ملكًا لمؤسسة، بل للمجتمع. ليس مجرد وسيلة للتنظيم، بل وسيلة للوجود. لذلك، فالمسألة ليست في ما نفعله في هذه الأوقات، بل في مَن الذي يملكها.حين تقرر المراجعُ الرسمية الالتحاقَ بجدول السوق العالمية لتغيير شكل يوم الجمعة، نفقد شيئًا أعمق من الطقس نفسه.إذ إن هذا التغيير لا يمسُّ الشريعة — التي قد تدعم البرنامج الجديد طالما أن هناك فسحةً لأداء الصلاة والعودة للعمل — ولكننا في الحقيقة نفقد الإيقاعَ الذي تمتلكه الجماعة.وحين يُفقد الإيقاع، تتحول الجماعة من مالكةٍ للزمن إلى متلقّيةٍ له؛ فالسوق هي التي تحدد متى يصمت الناس ومتى يتحدثون، وهذا ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بورديو بـ”العنف الرمزي”، حين تفرض السلطةُ إيقاعَها بحيث يبدو طبيعيًا وغير قابل للنقاش.فعندما يُرفع الأذان، أو تتوقف المدينة كلها قبيل الإفطار في رمضان، أو يجتمع الناس في المسجد يوم الجمعة، فإن ما يحدث ليس فقط فعلَ عبادة، بل توليدٌ لحيّز اجتماعي مشترك.هي آلياتُ ضبطٍ اجتماعيٍّ تنظم المجال العام دون سلطة قسرية، بل سلطةٌ ناعمةٌ يُنتجها تفاعلُ الجماعة مع المقدّس دون تدخل السلطات القمعية.وهنا يمكن القول إن الإسلام، من خلال هندسته للزمن، خلق فضاءً عامًا متجدّدًا يضمن استمرارية الجماعة حتى في غياب الدولة أو المؤسسة.فكل هذه الطقوس المرتبطة بالوقت بشكل دقيق ليست طقوسَ عبادة فحسب، بل مواسم اجتماعية تحتل الحيّز العام كل عام، ومساحةً زمنيةً تتسع للجماعة كلها.حتى في البيئات التي ضعُف فيها المضمونُ الديني، يبقى الإيقاعُ واحدًا، لأنه يملك الفضاءَ العام ويعيد تشكيل الحياة على أساسه. إنَّ امتلاكَ الزمن هو أعمقُ أشكالِ السلطة، ومن يحتفظ بإيقاعه يحتفظ بثقافته وهويته وذاكرته. فالزمن المشترك ليس ترفًا ولا طقسًا، بل البنيةُ الخفية التي تحفظ السلطةَ الجماعية للناس وتجمع وحدتهم رغم اتساعهم، واستمرارهم رغم ضعفهم. فإذا كان الاتحادُ العام لكرة القدم الأمريكية يمتلك يومًا في الأسبوع، فإنَّ النسيجَ الإسلاميَّ العجيب يمتلك الزمنَ كلَّه… أستاذٌ في "جامعةِ جورجتاون"- قطر باحثٌ في الدراساتِ الإسلاميةِ والتاريخِ الإسلاميّ
في الوقتِ الذي تُمارسُ فيه القوى السياسيةُ التقليديةُ في صيدا ما لا تُجيدُ إلّا فِعلَه، ألا وهو المناكَفاتُ والتحاصُصُ والتهافُتُ على فُتاتٍ شكليٍّ لا يُقدِّمُ ولا يُؤخِّر، حول تسميةِ أعضاءِ مجلسِ إدارةٍ جديدٍ لمرفأ صيدا، يَغيبُ السؤالُ الأكبر: ماذا فَعَلتم لهذا المرفأ على مدى عقودٍ كي يَتطوَّرَ ويُؤدّيَ دَورَه الحقيقي، بعدما صار مضربًا للمثل على حوضِ المتوسّط باعتباره “مرفأ خُردة”؟ هل يقطع اليمن؟ إذا كان السؤالُ المطروحُ اليوم هو: مَن سيكونُ الرئيسُ الجديدُ لمرفأ صيدا؟ فإنّ السؤالَ الفعلي الأجدى أن يكون: ما هو الدورُ المُرتقَب لهذا المرفأ؟ ماذا ستفعلُ مجموعةٌ من الأشخاصِ يُترئِّسون منشأةً صارت خارجَ الزمن… حتى الفينيقي؟ مَن المُستفيدُ من جعلِ صيدا عاصمةٌ بحريةٌ بلا مرفأ؟ كيف يمكنُ النهوضُ بهذا المرفقِ الحيويِّ والماليِّ والاقتصاديِّ الهامّ ليعودَ بالفائدةِ على المدينةِ وأهلِها؟ هذا ما يجبُ أن يكونَ هَمَّكم الأول… أفادت مصادرُ متابعة لصحيفة “البوست” أنّ الاسمَ المطروحَ اليوم لرئاسةِ مجلسِ إدارةِ مرفأ صيدا هو مروان اليمن، الذي شغلَ منصبَ رئيسِ نقابةِ الوكلاءِ البحريين. وقد تمّ طرحُه من قبل النائبِ السابق بهية الحريري، ولقي قبولًا من قبل النائب أسامة سعد، لكنه رُفض من النائب عبد الرحمن البزري، ما يُفسِّرُ تأخيرَ حصولِ التعيين حتى الآن. فَبِحَسَبِ مُطَّلِعين، يَسألُ البُزري، وهو مُحِقٌّ: كيفَ يمكنُ القُبولُ بشخصٍ يَشغَلُ مَنصِبَ مَسؤولِ الماكِنةِ الانتخابيّةِ في “تيّارِ المُستقبل”، والمَعنيِّ بالصَّيداويّين المُقيمينَ في بيروت، لِشَغلِ مَنصِبٍ تَتقاطَعُ عليه كُلُّ القُوى السياسيّةِ والاقتصاديّةِ في صيدا على اختلافِ مَشارِبِها؟ فهذا مَنصِبٌ إداريٌّ تطويريٌّ بَحت، ليس بالضَّرورةِ أن يكون شاغِلُه على تَماسٍّ مُباشرٍ بالعَمَلِ البَحريِّ الصِّرف. صيدا مَلأى بالكفاءاتِ في هذا المِضمارِ وغيرِه، فهل تَمَّ الاستعانةُ بها لِتقديمِ رُؤيةٍ أو تَصوُّر، أم إنَّ مِرفأَ جونيه أولى بِطاقاتِنا الصَّيداويّة؟ الجديدُ في هذا الموضوع أيضًا، بحسب مصادر متابعة دخولُ إحدى الشخصياتِ التجاريةِ الفاعلة من خارج المدينة على خط فرضِ ابنته ضمن الأسماءِ المطروحة لعضويةِ مجلسِ الإدارة الجديد، في سابقةٍ بالشكلِ والمضمون تُؤشِّرُ إلى محاولةِ تَسَلُّلٍ إلى هذا المركزِ الحساس من قبل قوى غير صيداوية، نظرًا لدورٍ مُرتقَب قد يلعبه هذا المرفقُ الاقتصادي إن تمّ إطلاقُ إمكانياته في عام 2021 طلبت الأجهزةُ الأمنية وقفَ العمل في مرفأ صيدا إلى حين تأمين الأجهزةِ اللوجستيةِ والتقنيةِ اللازمة، لكن قوى سياسية وإدارية رفضت الطلب، ما أضرَّ بسمعته وأدّى إلى تراجعِ ثقة الشركات والتجار به أزاءَ هذه التخبطاتِ والتلكؤ، يقفُ المرفأُ الجديد على شاطئِ المدينة العتيقة شاهدًا صامتًا على ثلاثةِ عقودٍ من الوعودِ المؤجَّلة والأحلامِ المتعثّرة. ما كان يُفترضُ أن يكون بوابةَ الجنوبِ اللبناني الاقتصادية نحو العالم، تحوّل إلى رمزٍ للإهمالِ والتخلّف، وبات يطرحُ أسئلةً مُقلقة حول أسبابِ تراجعِ نشاطِه وتأخرِ إنجازِه. بعد مرورِ أكثرَ من 30 عامًا، لا يزال الواقعُ بعيدًا عن المرجو. فالأرقامُ الصادمةُ تكشفُ حجمَ المأساة: لم يتم تنفيذُ سوى 18% من إجمالي أعمالِ المرفأ، ومن أصلِ 1400 مترٍ من الأرصفةِ المُخطط لها، لم يُنجَز سوى 275 مترًا فقط. والأخطرُ من تأخرِ الإنجاز هو التحولُ الخطير في طبيعة نشاطه. فبدلًا من أن يكون مركزًا لاستيراد وتصدير البضائع المتنوعة، تحوّل مرفأ صيدا إلى “مرفأ للخُردة”. الأرقامُ تتحدث عن نفسها: في عام 2020 بلغت نسبةُ الخردةِ المصدَّرة 71% من مجملِ صادراتِ المرفأ، وشكلت 90% من عملياتِ الوزن على القبانِ الجِسري. حقائق وأرقام جاء الانهيارُ الاقتصادي والمالي الذي شهده لبنان منذ عام 2019 ليزيدَ الطينَ بِلّة. فقد أدّى انهيارُ سعرِ صرفِ الليرة اللبنانية إلى توقّفِ المتعهّدين عن إكمال أعمالِ البناء في المرفأ. وفي ظلّ انكماشِ الاقتصاد اللبناني بنسبةٍ تقارب 40% منذ عام 2019، وتراجعِ القدرةِ الشرائية والاستيرادية، تراجعت حركةُ المرفأ بشكلٍ كبير. كما أنّ 82% من أعمالِ البنيةِ التحتيةِ لم تُنجَز بعد، والمرفأ بحاجةٍ إلى استثماراتٍ ضخمة تُقدّر بنحو 20 مليون دولار لإكماله. يُضاف إلى ذلك السياقُ الإقليميُّ غيرُ المستقر، والأزمةُ الاقتصاديةُ المستمرة التي تُلقي بظلالِها على مستقبلِ المرفأ. أصبح المرفأ قادرًا على استقبالِ ثلاثِ بواخر في آنٍ واحد، مع خمسِ بواخر أخرى تنتظر في الخارج، بعدما كانت الحركة تقتصرُ على باخرتين للخردة فقط. وهناك خططٌ طموحة لتوسيع الأرصفة لرفع القدرة إلى عشرِ بواخر، وإنشاء منطقةٍ حرة ومحطةٍ للحاويات، وتحويلِ رصيفِ المرفأ القديم إلى مساحةٍ للمقاهي والمطاعم والمهرجانات.