في هذا البلد الذي يُفترض أنّه وطن، لا مجرّد فسيفساء محكومة بالتوازنات الهشّة، يصبح إعلانُ البراءة من الطائفية فعلًا شبهَ عبثي. تقول: لستُ طائفيًّا. تكرّرها كما لو أنّها تعويذةٌ دفاعية في وجه اتهامٍ جاهز. لكنّك، من حيث لا تدري، تعيش داخل هندسة الطوائف كما يعيش السمك في الماء، لا يراه لكنّه لا يستطيع الفكاكَ منه. لستَ طائفيًّا، لكنّك تسكن حيث يجب أن تسكن. في “بيئتك”. في الجغرافيا التي رسمها الخوف قبل أن يرسمها التاريخ. لستَ طائفيًّا، لكنّك تعرف، دون أن يُقال لك، أنّ زواجك يجب أن يمرّ عبر مرآة الطائفة، وأنّ أسماء أولادك ليست مجرّد ذائقة، بل بيان انتماء. حتى الحب، ذلك الفعل الإنساني الحرّ، يتحوّل إلى مغامرة مؤقتة إن عبر الخطوط الحمراء، كما لو أنّ القلب نفسه يحتاج إلى إذن عبور. تقول إنّ أصدقاءك من طوائف أخرى، وكأنّك تقدّم دليلًا على براءتك. لكنّك في العمق تعرف أنّ هذه الصداقات تعيش غالبًا في المساحات الرمادية، لا في صلب الحياة اليومية. هي استثناءٌ جميل، لا قاعدةٌ تُبنى عليها حياة. أمّا القاعدة، فهي ما كُتب عليك منذ لحظة ولادتك: طائفتك على إخراج القيد، ودينك على بطاقة الهوية. كأنّ الدولة، بدلًا من أن تكون عقدًا مدنيًّا، تحوّلت إلى كاتب عدل للطوائف. كيف لا تكون طائفيًّا، والإعلام نفسه مُقسَّم كجزرٍ معزولة؟ لكل طائفة شاشتُها، وسرديّتُها، وبطولاتُها، وهزائمُها الخاصة. لا قناة تجمع، بل قنوات تُعيد إنتاج الانقسام بلغةٍ أكثر أناقة. حتى “تلفزيون لبنان”، أو تلفزيون الوطن، سقط ضحية هذا التشرذم، لأنّ من يشاهد الوطن ككلّ أصبح أقلية. كأنّ لبنان، في نسخته الراهنة، لم يَعُد يُرى إلا عبر شظاياه. ثم يأتي خطاب “العيش المشترك”، ذاك الشعار الذي يُرفع على المنابر كأنّه إنجازٌ بحدّ ذاته. لكن أيُّ عيشٍ هذا الذي يُختزل في مجاملةٍ عابرة، أو سلامٍ بروتوكولي؟ هل المقصود أن نُحيّي بعضنا بعضًا بينما الأسوار غير المرئية تعلو بيننا؟ أم أنّ التعايش بات مجرّد إدارةٍ ذكية للانفصال، لا مشروعًا حقيقيًّا للاندماج؟ لقد أُعيد تشكيل المجتمع كما لو أنّه مزرعةٌ كبيرة، لكل قطيعٍ فيها سياجُه، ولكل جماعةٍ راعيها. هناك من يعيش في الداخل، في الدفء والامتيازات، وهناك من يُترك في العراء، يختبر يوميًّا قسوة الانتماء المفروض. لا يُسمح لك أن ترعى خارج حدودك، لا لأنّك لا تستطيع، بل لأنّ النظام كلّه قائم على منعك من المحاولة. وفي المقابل، تُقام المزادات العلنية: من يملك مَن؟ من يمثّل مَن؟ ومن يستطيع أن يحشد أكثر تحت رايته؟ كم من الدماء سالت على عتبات هذا النظام، وكم من المآسي مرّت كأخبارٍ عابرة، بلا أثرٍ يُذكر في ضمير من يديرون اللعبة. الأسوأ من ذلك ليس فقط الألم، بل الشكّ الذي يتسلّل إلى أعماقك: هل أنت إنسانٌ حقًّا، أم مجرّد رقمٍ في سجلٍّ طائفي؟ سلعةٌ تُستدعى عند الحاجة، وتُهمل عند انتهاء دورها؟ المفارقةُ الأكثر قسوةً أنّ كلّ ذلك يحدث تحت سقف دينٍ واحد، أو أديانٍ يُفترض أنّها تدعو إلى الرحمة. ومع ذلك، لا يكاد يجتمع أبناؤها على تفسيرٍ واحد، ولا حتى على حدٍّ أدنى من القيم المشتركة. تُستدعى النصوص لتبرير الانقسام، لا لتجاوزه، ويُستخدم الإيمان كأداة تعريف، لا كمساحة لقاء. ربما السؤالُ الأصدق ليس: لماذا أصبحتَ طائفيًّا؟ بل: هل كان لديك، فعلًا، خيارٌ آخر؟
لم يَعُد السؤال اليوم: هل يُفتح مضيق هرمز أم يُغلق؟ بل: مَن يملك قرار فتحه وإغلاقه، ومتى، وبأيّ ثمن؟ فبعد تعثّر المفاوضات الأميركية الإيرانية، دخل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم مرحلة جديدة، لم يعد فيها مجرد ممرّ بحري، بل أصبح خط تماس مباشر بين الحرب والتفاوض. في الجغرافيا، هرمز مجرّد مضيق ضيّق تعبره ناقلات النفط. أمّا في السياسة، فهو عنق العالم الاقتصادي. من هنا تمرّ نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أيّ تهديد له كفيلًا بإرباك الأسواق ورفع الأسعار وإشعال التوتر الدولي. لكن ما يجري اليوم يتجاوز معادلة “فتح أو إغلاق”، ليصل إلى واقع أكثر تعقيدًا: مضيق مفتوح شكليًا، مختنق فعليًا. إيران تدرك تمامًا قيمة هذه الورقة. لذلك، لا تبدو مستعجلة على إغلاق المضيق بالكامل، بقدر ما تسعى إلى إبقائه تحت التهديد الدائم. فالخوف وحده كافٍ لتحقيق جزء كبير من الهدف: رفع كلفة الشحن، إرباك الشركات، وزرع الشك في استقرار الإمدادات. الإغلاق الكامل قد يستجلب مواجهة عسكرية واسعة، أمّا التلويح به فيمنح طهران نفوذًا مستمرًا بكلفة أقل. في المقابل، تتحرّك الولايات المتحدة انطلاقًا من معادلة معاكسة: منع تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز دائم. لذلك، نشهد تعزيزًا للحضور البحري، ومحاولات لتأمين الممر، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن حرية الملاحة خط أحمر. لكن هذه الرسائل، رغم قوتها، لا تُنهي الأزمة، بل تديرها على حافة الانفجار. النتيجة هي حالة رمادية متوترة: ناقلات تعبر، وأخرى تنتظر. شركات شحن تتريّث، وأخرى تغامر. أسعار تتقلّب على وقع التصريحات والتسريبات. لا إغلاق كامل، ولا استقرار فعلي. ما يجري ليس “أزمة عابرة”، بل إدارة صراع مفتوح بلا حسم. الأخطر أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بالميدان البحري، بل بمسار أوسع من الصراع بين واشنطن وطهران. فكلّ تقدّم أو تعثّر في التفاوض ينعكس فورًا على حركة المضيق. هرمز لم يعد تفصيلًا في الأزمة، بل أصبح قلبها النابض. ومن يسيطر على إيقاعه، يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بأكمله. في هذا السياق، يبدو العالم وكأنه يعيش على إيقاع “تعليق دائم”: لا حرب شاملة تُحسم، ولا سلام يُبنى. وبينهما، يبقى المضيق رهينة التوازنات، تُفتح مياهه بقدر، وتُضيَّق بقدر، وفق ميزان القوة لا القانون. دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من تاريخه: لم يعد ممرًا آمنًا ولا ساحة حرب كاملة، بل منطقة اشتباك مؤجّل. وإذا استمرّ التعثّر بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المستقبل القريب لن يحمل إغلاقًا نهائيًا ولا فتحًا مستقرًا، بل استمرارًا لهذا الوضع الهشّ: ممرٌّ حيّ، لكنه يعيش على حافة الاختناق. وفي عالم يعتمد على هذا الشريان، يكفي أن يضيق قليلًا… ليختنق الجميع.
يُقال إن الأوطان تُبنى من حجارةٍ وتراب، إلا لبنان؛ فقد جُبل من دماءٍ لا تجف، ودموعٍ تأبى أن تنضب. في هذه البقعة الصغيرة من جغرافيا الشرق، يبدو أن الوقت ليس سوى فاصلٍ زمنيٍّ قصير بين نزيفٍ ونزيف، وبين صرخةٍ مخنوقة وأخرى مدوّية.لبنان اليوم ليس مجرد خارطة، بل هو حكاية صمودٍ لبلدٍ كُتب عليه أن يعيش في “غرفة العناية المركزة” إلى الأبد، ومع ذلك يرفض قلبه أن يتوقف. جرحٌ مفتوح على غسق التاريخ لم تكن أزمة لبنان وليدة الصدفة، بل هي قدرٌ تراكمي. منذ عقود، واللبناني يستيقظ ليجد نفسه أمام وحشٍ جديد ينهش في جسد يومياته. بدأت الحكاية بحروبٍ عبثية أحرقت الأخضر واليابس، ولم تنتهِ بانهيارٍ ماليٍّ وُصف بأنه الأقسى في التاريخ الحديث.اللبناني الذي كان “سويسرا الشرق”، وجد نفسه فجأة في طوابير الذل: طابورٌ للخبز، وآخر للمحروقات، وثالثٌ أمام أبواب المصارف التي أوصدت في وجهه، وسرقت جنى العمر بدمٍ بارد.هذا النزيف الاقتصادي لم يكن مجرد أرقامٍ في ميزانياتٍ فاشلة، بل كان نزيفَ كرامة.هنا، في لبنان، صار الحلم رغيفًا، والطموح كهرباء، والأمنية استقرارًا لا يتبعه دويُّ انفجار. إذا أردنا الحديث عن الوجع الذي يهزّ العروش، فلا بد أن نقف عند ذلك التاريخ المشؤوم: الرابع من آب 2020. في تلك اللحظة، لم ينفجر المرفأ فحسب، بل انفجرت معه أرواح اللبنانيين.كانت بيروت عروسًا، فصارت في ثوانٍ ركامًا يغسله ملح البحر ودموع الأمهات.رأينا الأشلاء تتطاير، والبيوت العتيقة التي صمدت لمئات السنين تتهاوى كقصورٍ من ورق. ذلك الانفجار كان التجسيد الأقصى لليأس: شعبٌ يُقتل في بيوته بسبب إهمالٍ يرتقي إلى مستوى الجريمة. ورغم ذلك، ومن تحت الرماد، خرج الشباب اللبناني بمكانسهم وقلوبهم المحطمة، ليعيدوا ترميم ما عجزت عنه الدولة. لبنان ليس بلدًا يمرّ بالأزمات فقط، بل وطنٌ يُختبر كلَّ يوم بالنار، ويثبت في كل مرة أن إرادة الحياة فيه أقوى من الخراب الفقر الذي ينهش العظام تتحدث التقارير الدولية بلغة الأرقام، فتقول إن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر. لكن الأرقام لا تنقل رائحة الفقر في البيوت المستورة. لا تنقل وجع الأستاذ الجامعي الذي بات راتبه لا يشتري ثمن وقود سيارته، ولا تنقل حسرة العامل الذي يقضي نهاره تحت الشمس ليعود بـ”فتات” لا يكفي ثمن وجبةٍ واحدة.النزيف هنا هو نزيف العقول والهجرة. فكل طائرةٍ تقلع من مطار بيروت تحمل معها قطعةً من قلب لبنان: أطباء، مهندسين، ومبدعين يرحلون لأن الوطن ضاق بأحلامهم. ومع ذلك، يظل “المغترب” هو الرئة التي يتنفس منها لبنان، يرسل مدخراته ليبقى أهله صامدين، ويثبت أن الرابط بين اللبناني وأرضه أقوى من كل المسافات. سرُّ الشعب الذي يأبى الانكسار قد يتساءل العالم: كيف لهذا الشعب أن يضحك وسط الركام؟ كيف له أن يفتح المقاهي ويرمم الشوارع، والحرائق لا تزال تشتعل في الأفق؟السر يكمن في “الجينات اللبنانية” التي ترفض الاستسلام. اللبناني يعشق الحياة كفعل مقاومة. الصمود في لبنان ليس شعارًا سياسيًا، بل هو خبّازٌ يفتح فرنه فجرًا رغم انقطاع الطحين، وممرضٌ يعمل في مستشفى مظلم على ضوء هاتفه المحمول، وفلاحٌ يتمسك بأرضه في الجنوب والبقاع رغم قصف المدافع وتهديد الوجود.هذا الشعب لا يسلّم أرضه، ليس لأنه يحبها فقط، بل لأنه يملك “عقيدة الانتماء”. الأرض بالنسبة إلى اللبناني ليست عقارًا، بل هي عرضٌ وتاريخ، وهي رائحة الزعتر وصمود الأرز. ذاكرة النار وعن نزيف لبنان الأكبر: “لعنة الحرب” التي ترفض أن تغادر سماءنا. لبنان، هذا المختبر الصغير للأوجاع الكبيرة، عاش طويلًا في ظل طائراتٍ تخرق جدار الصوت والقلب معًا. من حربٍ أهلية مزقت الشوارع والنفوس لعقدٍ ونصف، إلى اعتداءاتٍ متكررة لم تترك حجرًا على حجر، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي نعيش فصولها اليوم؛ تلك الحرب التي لم تأتِ لتأخذ الحجر فحسب، بل جاءت لتنتزع الأمان من عيون الأطفال.في الحرب الأخيرة، تجاوز الوجع كل التوقعات. رأينا قرًى كاملة تُمحى من الخارطة، وتاريخًا من التعب والكدّ يتحول إلى كومةٍ من التراب في ثوانٍ معدودة. النزيف هنا لم يكن ماديًا فقط، بل كان نزيف “التهجير”، حين يضطر الإنسان إلى ترك مفتاح بيته، وصور أحبائه، ليهرب بملابسه فقط نحو المجهول.“في لبنان، لا تنتهي الحرب بوقف إطلاق النار، بل تبدأ حربٌ أخرى في قلب كل مهجّرٍ يتساءل: هل سأعود يومًا لأشمّ رائحة بيتي؟” ورغم بشاعة المشهد، وقسوة الدمار الذي خلّفته الآلة العسكرية في الحرب الأخيرة، برزت تلك الروح اللبنانية التي “تأبى أن تسلّم الأرض”. رأينا الجنوبي يتمسك بترابه حتى النفس الأخير، ورأينا اللبناني في كل المناطق يفتح بيته ومدرسته وقلبه لأخيه النازح. هذا التلاحم، رغم كل محاولات الفتنة، كان الصرخة الأقوى في وجه الموت.في هذا البلد، قد تسقط الجدران، وقد تُدمّر الجسور، لكن “الجسر” الذي يربط اللبناني بكرامته يظل عصيًّا على القصف. الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهةٍ عسكرية، بل كانت اختبارًا جديدًا لمعدن شعبٍ كُتب عليه أن يعيش بين غارتين، ومع ذلك يصرّ على أن يبني بيتًا أجمل مما كان، متحديًا الفناء بالبقاء، والدمار بالإعمار. لبنان الجريح… والقيامة كل يوم هل يشرق الصبح؟ إن ما يمر به لبنان ليس مجرد أزمةٍ عابرة، بل هو مخاضٌ عسير لوطنٍ يرفض أن يُدفن حيًّا. لبنان ينزف، نعم. لبنان يتألم، نعم. ولكن، هل يسقط؟التاريخ يقول إن كل الإمبراطوريات التي مرت على هذه الشواطئ رحلت، وبقي لبنان. وبقيت بيروت تنفض الغبار عن ثوبها وتنهض. إن هذا الشعب الذي طحنته الأزمات، وصهرته المحن، بات يمتلك مناعةً ضد الانكسار.لا تحزنوا على لبنان لضعفه، بل احذروا من لبنان لأنه، رغم جراحه المثخنة، ما زال يغني. هو البلد الذي كُتب عليه أن يحمل أوجاعه ويمشي نحو القيامة كلَّ يوم. لبنان ليس بحاجة إلى شفقة، بل هو بحاجة إلى عدالةٍ تعيد لمواطنه حقه في حياةٍ تشبه كرامته.ستبقى الأرزة شامخة، وسيبقى هذا الشعب “الجبار” يثبت يومًا بعد يوم أن إرادة الحياة أقوى من كل سياسات التجويع، وأن الأرض التي رُويت بدم الأحرار، لا يمكن أن تسلّم مفاتيحها لليأس.