لِعُقودٍ طويلة، رسَّختِ الكتبُ المدرسيةُ في شتّى دولِ العالم صورةَ كريستوفر كولومبوس كرحّالةٍ جريءٍ منحتهُ شجاعتُهُ شرفَ “اكتشافِ العالمِ الجديد”. وعلى هذا الأساس، احتُفِيَ به كبطلٍ قوميٍّ في الولايات المتحدة وغيرها من بلدانِ الأمريكيتين. لكنْ مَن يتعمّقْ في دراسةِ التاريخِ ووثائقهِ، سيجدْ أنَّ الحقيقةَ أكثرُ تعقيدًا وقَتامَة، وأنَّ ثمّةَ جانبًا مُظلِمًا لرحلاتِه الاستكشافيةِ التي غيَّرت وجهَ العالم فهل كان كولومبوس مُكتشِفًا شجاعًا حقًّا، أم غازيًا طمّاعًا؟ وكيف تعاملَ هذا الرحّالةُ الإيطاليُّ معَ السُّكانِ الأصليين للمناطقِ التي وَطِئتْها قدماه؟ وكيف أسهمتْ رحلاتُهُ في تشكيلِ العالمِ الحديثِ بكلِّ ما يحملُهُ من إرثٍ دمويٍّ؟ صفقةٌ مُربحةٌ بعد الرفض وُلد كريستوفر كولومبوس في مدينةِ جَنْوةَ الإيطالية عامَ 1451، ولا يُعرَف الكثيرُ عن سنواتِ حياتهِ الأولى. ما يذكرهُ المؤرخون أنّهُ عملَ بحّارًا وتاجرًا قبل أن يصبحَ مهووسًا بفكرةِ اكتشافِ طريقٍ بحريٍّ غربيٍّ يُؤدّي إلى الصين والهند وجزرِ آسيا الزاخرةِ بـ”الذهبِ والتوابل”. في ذلك الوقت، لم يكن الأوروبيون يعرفون طريقًا بحريًا مباشرًا إلى آسيا، إذ كان الطريقُ الوحيدُ يمرُّ عبر مصر والبحر الأحمر، وكان يخضعُ هو وغيره من الطرق البرّية لسيطرةِ الإمبراطوريةِ العثمانية. وعلى عكسِ ما تُروّجُ لهُ الأساطيرُ، كان غالبيةُ المتعلّمين في عصرِ كولومبوس يُدرِكون أنَّ الأرضَ كروية. لم يُرِدْ كولومبوس إثباتَ كرويةِ الأرض، بل كان يريدُ إثباتَ إمكانيةِ الإبحارِ حولها، وهي الرحلةُ التي قلّل من مسافتها الحقيقية. فقد كان يظنُّ، كغيرهِ في ذلك الزمن، أنّ حجمَ الأرضِ أصغرُ بكثيرٍ مما هو عليه في الواقع، ولم يكن على درايةٍ بوجودِ المحيطِ الهادئ. وعلى مدى قرابةِ عشرِ سنوات، حاول كولومبوس إقناعَ ملوكِ أوروبا بتمويلِ رحلتهِ المُكلفة. فقد حاول في عام 1484 الحصولَ على دعمِ ملكِ البرتغال يوحنا الثاني، لكنَّ خبراءَ الملك ارتأوا أنَّه لم يكن يُدرِك المسافةَ الهائلةَ التي سيتعيّن عليه الإبحارُ فيها. وبعد ثلاثِ سنوات، طلب مساعدةَ ملكِ إنجلترا هنري السابع وملكِ فرنسا شارل الثامن، لكن دون جدوى. كما قوبل بالرفض من قبلِ ملكِ إسبانيا فرديناند والملكة إيزابيلا عامَ 1486، ولكنهما عادا ووافقا على تمويلِ رحلتهِ الاستكشافية عامَ 1492. نصَّ الاتفاقُ الذي أبرمهُ كولومبوس مع فرديناند وإيزابيلا على منحهِ لقبي “الأدميرال البحري” و”الحاكم العام” لأي أرضٍ يكتشفها. كما نصَّ على أنَّ لهُ الاحتفاظَ بنسبةِ عشرةٍ في المئة من أيِّ ثرواتٍ يعثرُ عليها في المناطقِ الجديدة، سواء كانت ذهبًا أم فضّةً أم أحجارًا كريمةً أم لآلئ. ولعلَّهُ كانتْ لكولومبوس نوايا نبيلة تتعلّقُ باكتشافِ عالَمٍ جديد، لكنَّ الاتفاقيةَ التي أبرمها تدلِّل على أنَّه كان أيضًا رجلَ أعمالٍ هدفُهُ تحقيقُ الربحِ وجمعُ الثروات. في الثالثِ من أغسطس عامَ 1492، أبحرت بعثةُ كولومبوس التي ضمّت ثلاثَ سفنٍ صغيرة من ميناء بالوس الإسباني. وفي 12 أكتوبر، وصل إلى إحدى جزرِ البهاما، على الأرجحِ جزيرة سانْ سالفادور. وفي وقتٍ لاحقٍ من الشهر نفسه، تمكّن من رصدِ جزيرةِ كوبا التي اعتقد أنها برُّ الصين. وفي ديسمبر، وصلت بعثتهُ إلى جزيرةِ هيسبانيولا في بحر الكاريبي (هايتي وجمهورية الدومينيكان حاليًا)، التي ظنّ أنها اليابان، وأنشأ هناك مستعمرةً صغيرة مكوّنةً من 39 من رجاله. عاد الرحّالةُ إلى إسبانيا في مارس عامَ 1493، واستُقبِل استقبالَ الأبطال في البلاط الإسباني. قام كولومبوس بثلاثِ رحلاتٍ استكشافيةٍ أخرى إلى “العالمِ الجديد”، حيث بلغ العديدَ من جزرِ الكاريبي وخليج المكسيك وأمريكا الجنوبية والوسطى، لكنه لم يصل إلى أمريكا الشمالية كما يظن البعض. لم يُحقِّق كولومبوس هدفهُ الرئيس، وهو اكتشافُ طريقٍ يصلُ أوروبا بمدنِ آسيا العظيمة، وإنْ كان يُصرُّ في خطاباتهِ إلى ملكِ إسبانيا على أنه يستطيعُ الوصولَ إليها إذا واصل الإبحار عبرَ المحيطِ الأطلسي. توفي الرحّالةُ الشهيرُ عامَ 1506 في إسبانيا قبل أن يُدرِك نطاقَ ما حقّقه. فقد اكتشف عالمًا جديدًا استعمرهُ الأوروبيون واستغلّوا ثرواتِه، تلك الثروات التي ساعدتْ على جعلِ إسبانيا الدولة الأغنى والأكثر نفوذًا في العالم خلالَ القرن التالي. لكنه أيضًا فتح البابَ لقرونٍ من الاستعمار الوحشيِّ وتجارةِ العبيدِ عبر المحيط الأطلسي، فضلًا عن موتِ الملايين من سكانِ أمريكا الأصليين. تشير المراجعُ التاريخية إلى العديد من الجرائم التي ارتكبها كولومبوس ورجاله في حقِّ السكانِ الأصليين، من اغتصابِ النساء والخطفِ والاستعباد إرثٌ مُدمّر… الوجهُ المُظلِم للرحّالة خلال رحلته الأولى، أمضى كولومبوس شهورًا في البحث عن الذهب وغيره من الكنوز التي وعد بها رعاته الإسبان، لكنه لم ينجح في العثور على الكثير مما يستحقُّ الذكر. عاد إلى إسبانيا في يناير عامَ 1493، تاركًا وراءه بضعةَ عشراتٍ من رجاله في جزيرة هيسبانيولا. دوَّن كولومبوس في مذكراتهِ تفاصيلَ رحلتهِ الأولى، متحدثًا عن الكثير من الأمور، من الحيوانات والطيور إلى أنماطِ الطقس ومزاجِ رجاله. لكنَّ الصادمَ أنه سجّل انطباعاته الأولى عن السكانِ المحليين المسالمين، وأخذَ يُسوِّقُ الأسباب التي جعلتْه يرى أنه يجبُ استعبادُهم. وحين عاد كولومبوس بعد ستة أشهر إلى الأمريكيتين، وجد أنَّ مستعمرةَ هيسبانيولا قد دُمِّرت، فترك شقيقَيْهِ بارتولوميو ودييغو لإعادة بنائها إلى جانب عددٍ من طاقمِ سفنِه ومئاتٍ من السُّكانِ الأصليين الذين استعبدهم. ثم توجّه غربًا يُواصِلُ بحثهُ غير المثمر عن الذهب. وبَدَلًا من الذهبِ والثرواتِ المادية التي وعد بها حكامَ إسبانيا، أرسل حوالي 500 من الأشخاص “الهنود” الذين استعبدهم إلى الملكة إيزابيلا. غضبت الملكةُ بشدة لأنها كانتْ تعتبر هؤلاء الأشخاص رعايا للتاج الإسباني ممن يمكن إقناعهم باعتناق الديانةِ المسيحية، وعنّفت كولومبوس لتجاهلهِ أوامرها بحسن معاملتهم، وأمرت بتحرير الأسرى وإعادتهم إلى موطنهم. وفي عامَ 1498، أبحر كولومبوس غربًا عبر المحيطِ الأطلسي للمرة الثالثة. زار ترينيداد وبَرَّ أمريكا الجنوبية قبل أنْ يعود إلى مستعمرةِ جزيرة هيسبانيولا ليجد أنَّ المستوطنين الإسبان نفّذوا انقلابًا دمويًا ضدَّ سوء الإدارةِ والوحشيةِ التي اتسم بها حكمُهُ وحكمُ شقيقيه للجزيرة. بلغت الأوضاعُ درجةً شديدةً من السوء دفعت السلطاتِ الإسبانية إلى إرسال حاكمٍ جديد للمستعمرة. إبادة الشعوب كان السكانُ الأصليون من “التاينو” يُجبرون على البحثِ عن الذهب والعمل في المزارع، وفي غضونِ ستين عامًا من هبوطِ كولومبوس على الجزيرة، تعرّض شعبُ التاينو للإبادة، ولم يَتَبقَّ منه سوى بضعِ مئاتٍ بعد أنْ كان عددُهم يُقدَّر بنحو ربعِ مليون نسمة. وتشير المراجعُ التاريخية إلى العديد من الجرائم التي ارتكبها كولومبوس ورجاله في حقِّ السكانِ الأصليين، من اغتصابِ النساء والخطفِ والاستعباد، إلى قطعِ أذنِ أحدهم انتقامًا من قومه لعدمِ مساعدتهم الإسبان في عبورِ أحد المجاري المائية، وإجبارِ كلِّ من تزيدُ أعمارُهم عن أربعةَ عشرَ عامًا على جمعِ الذهب أو القطن وإلّا واجهوا القتل، ما دفع عشراتِ الآلافِ من السكانِ الأصليين إلى الانتحار. كما كان يسيءُ معاملةَ الأوروبيين الخاضعينَ لحكمه. اعتُقِل كولومبوس وأُعيدَ إلى إسبانيا مُكبَّلًا بالأغلال عامَ 1500 بعد أنْ أرسلت الملكةُ إيزابيلا مندوبًا إلى هيسبانيولا للتحقيق في اتهاماتِ الاستبداد وسوء الإدارة والتصرّفات الوحشية. وبحلول عامَ 1502، كان قد بُرِّئت ساحتهُ من غالبيةِ التهمِ الخطيرة، وإنْ كان قد جُرّد من الألقاب التي مُنحت له في السابق. تمكّن كولومبوس من إقناعِ التاجِ
من إقليمِ دارفور المُضطرب غربَ السودان، برزت قوّةٌ مسلّحة غيّرت وجهَ الصراعِ وموازينَ القوى في البلاد بشكلٍ جذري. هذه القوّة، التي بدأت كميليشيا محليّة عُرفت باسم “الجنجويد”، تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى “قوّات الدعم السريع”، إحدى أبرز وأقوى الجماعات المسلّحة في السودان، لتتصدر اليوم عناوينَ الأخبار مع اتّساع نطاق الحرب الأهلية، وورود تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق، واتّهامات بمحاولة فرضِ سلطةٍ موازيةٍ للدولة. يثير الدورُ المتنامي لقوّاتِ الدعم السريع ونفوذُها جدلًا واسعًا، ويطرح تساؤلات جوهرية حول موقعِها في المشهدِ السياسي والاقتصادي والعسكري، ومستقبلِ السودان في ظلّ صراعٍ يهدّد بتمزيق نسيجه الاجتماعي وتقويضِ مؤسساته. النشأةُ والصعود قوّاتُ الدعمِ السريع هي قوّة شبهُ عسكرية يقودها الفريقُ أوّل محمد حمدان دقلو، المعروف بلقب “حُمَيدتي”، ويُقدّر عددُ أفرادها بعشرات الآلاف، حيث وصل تعدادُها قبل اندلاعِ الحرب في 2023 إلى نحو 100 ألف مقاتل ينتشرون في دارفور والعاصمة الخرطوم ومناطق أخرى. شكّل عامُ 2015 محطةً مفصلية في مسارِ صعودها؛ فإلى جانب انتشارها في دارفور وجنوب كردفان، شاركت وحداتٌ منها في التحالف العسكريّ الذي تقوده السعودية في اليمن. ووفقًا لتقارير دولية، تلقّت القوات دعمًا وتمويلًا سخيًا من السعودية والإمارات مقابل مشاركتها في العمليات القتالية، ما منحها موارد مالية هائلة وعزّز مكانتها السياسية والعسكرية داخل السودان. بالتوازي، وسّع قادتُها نفوذَهم الاقتصادي عبر السيطرة على مناجم الذهب في دارفور، وبناء شبكات تجارية تمتدّ عبر الحدود مع ليبيا وتشاد، مما أدّى إلى تعزيز مكانتِها كقوة موازية لمؤسسات الدولة، وأثار مخاوفَ متزايدة داخل الجيش السوداني. صدامُ الجنرالات بعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019، صعد حُمَيدتي إلى قلبِ السلطة، متولّيًا منصب نائبِ رئيس المجلس السيادي الانتقالي إلى جانب قائد الجيش الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان.ورغم أن الجنرالين ظهرا كحليفين يسعيان للحفاظ على استقرار الحكم بعد الثورة، إلا أن مصادر القوة والامتيازات التي تمتعت بها قوّات الدعم السريع أثارت قلقًا عميقًا داخل المؤسسة العسكرية. تفاقم التوتر مع بدء مفاوضات الانتقال إلى حكمٍ مدني، وطرح ملف دمج قوات الدعم السريع في الجيش. وقد تمحور الخلافُ الجوهري حول نقطتين أساسيتين: الجدول الزمني للدمج، دفعٌ نحو دمجٍ سريعٍ وفوري لإنهاء الازدواجية العسكرية. طلبُ فترةٍ انتقالية طويلة للحفاظ على الهيكلية والنفوذ.القيادة الموحّدة، الإصرار على أن تكون القيادة العسكرية خاضعة بالكامل للجيش. السعي لدور قياديّ يضمن استقلالية نسبية. ومع تصاعد الاتهامات المتبادلة والتحشيد العسكري في العاصمة، انفجرت المواجهة في 15 أبريل 2023، لتتحوّل الشراكة الهشّة إلى حربٍ أهلية مدمّرة، أدخلت السودان في أخطر منعطف في تاريخه الحديث. طموحاتُ الحكم وخريطةُ النفوذ المتغيّرة فيما تعرّف قوّاتُ الدعم السريع نفسها رسميًا بأنها قوةٌ مُساندة للمؤسسات الأمنية، تعكس تحركاتُها على الأرض طموحاتٍ سياسيةً متزايدة. ففي 15 أبريل 2025، أعلنت القوات تشكيل ما أسمته “حكومة السلام والوحدة” لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهي خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على سعيها لبناء سلطة موازية. تتركّز سيطرةُ قوات الدعم السريع بشكلٍ أساسي في غربِ السودان، خاصةً في ولايات دارفور التي تُعدّ معقلها الرئيسي وقاعدة إمدادها المتقدمة. كما تسيطر على مناطق واسعة في ولايتي غرب وجنوب كردفان، وتنتشر في طرقٍ ريفية وحدودية تتيح لها حرية الحركة والوصول إلى خطوط الإمداد من دول الجوار. وفي الأشهر الأخيرة، وسّعت نفوذها ليشمل أجزاءً واسعة من العاصمة الخرطوم ومحيطها، إضافةً إلى أجزاء من ولاية الجزيرة الحيوية. في المقابل، تواجه القوات ضغوطًا متزايدة في الولايات الشمالية والشرقية، وفي المناطق القريبة من القواعد العسكرية الرئيسية للجيش السوداني، مما يحدّ من قدرتها على التوسع في تلك المحاور. ويرى محللون أنها تسعى إلى ترسيخ موقعها في معادلة الحكم المستقبلية، إمّا عبر المشاركة في سلطةٍ مركزية تفاوضية، أو من خلال إدارة مناطق نفوذها بشكلٍ مباشر ككيان شبه مستقل، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ معقدة لمستقبل وحدة الدولة السودانية. الأصول والنشأة تعودُ أصولُ هذه القوّة إلى ميليشيات “الجنجويد” القبلية التي استعان بها نظامُ الرئيس السابق عمر البشير لقمعِ التمرد في إقليم دارفور مطلعَ الألفية. وفي عام 2013، أُعيد تنظيمُها رسميًا لتصبح قوّة تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، تحت ذريعة مكافحة التمرد وحماية الحدود. إلّا أن نفوذَها سرعان ما تعاظم بشكل لافت، حيث حصلت على تسليحٍ ثقيل وموارد مالية ضخمة، وتحولت إلى لاعبٍ عسكري لا يمكن تجاهله.
يشهدُ اتفاقُ وقفِ إطلاقِ النار في غزّة، الذي يستندُ إلى مبادرةٍ أمريكيةٍ، حالةً من الغموضِ والتعقيدِ، في ظلِّ تبايُنِ وجهاتِ النظر بين الأطرافِ المعنيّةِ حول آليّاتِ التنفيذِ ومستقبلِ القطاع، وتزايدِ القلقِ الأمريكي من أنَّ رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يعملُ على تقويضِ الجهودِ الراميةِ إلى إنهاءِ الصراع وتتجلّى هذه التعقيداتُ في الزياراتِ المكوكيّة التي يقومُ بها كبارُ المسؤولين الأمريكيين إلى تل أبيب، في محاولةٍ للحفاظ على مسارِ الاتفاقِ الهشّ والدفعِ نحو تطبيقِ الخطةِ المقترحة. وفي هذا السياق، نقلت صحيفةُ “نيويورك تايمز” عن مصادرَ أمريكيةٍ وجودَ قلقٍ حقيقي داخل الإدارة الأمريكية من احتمالِ انسحابِ نتنياهو من الاتفاق، مشيرةً إلى أنَّ الاستراتيجيةَ الحاليةَ ترتكزُ على منعهِ من استئنافِ العملياتِ العسكرية واسعةِ النطاق. ورغم أنَّ المرحلةَ الأولى من الخطةِ، المتعلّقة بتبادلِ الأسرى، تسيرُ ببطءٍ وحذرٍ، إلّا أنها لم تكن بمنأى عن الانتهاكاتِ الإسرائيلية، فيما تبرزُ عقباتٌ جديدةٌ تعترضُ الانتقالَ إلى المراحلِ التالية، خاصةً في ظلِّ غيابِ رؤيةٍ موحّدةٍ لـ “اليوم التالي” للحرب؛ ليس فقط بين حماس وإسرائيل، بل أيضاً بين الشركاءِ الدوليين والعرب الذين يُنتظرُ منهم تولّي ملفِّ إعادةِ الإعمار. تقفُ الخطةُ أمام تحدّي إقناعِ الدولِ المانحة بتمويلِ مشاريعِ بناءٍ في منطقةٍ خاضعةٍ للسيطرةِ العسكرية الإسرائيلية، وسطَ مخاوفَ من تحوّلِ هذا الوضعِ “المؤقت” إلى وضعٍ “دائم” مَن يحكم؟ ومَن يمول؟ تلقي صحيفةُ “هآرتس” الضوء على ما تصفُه بـ “تقاعس” واشنطن عن وضعِ تصوّرٍ عمليٍّ لمستقبلِ غزّة، حيث بدأت الإدارةُ الأمريكية الآن فقط في محاولةِ تشكيلِ رؤيةٍ واضحة، وسطَ يقينٍ بأنَّ القطاعَ سيظلُّ بلا أفقٍ سياسي في المدى المنظور. وتضيفُ الصحيفةُ أنَّ الهدفَ الأمريكيَّ الأوحدَ حتى الآن كان محصوراً في إنهاءِ القتالِ وإعادةِ الأسرى الإسرائيليين، مع تأجيلِ مناقشةِ الملفاتِ الشائكةِ الأخرى.وعلى الرغم من تسارعِ المحادثات، فإنها لا تزالُ بعيدةً كلَّ البعد عن بلورةِ خطةِ عملٍ متكاملة تُجيب عن التساؤلاتِ الأساسية:“من سيتولّى الإدارة؟ ومن سيموّل إعادة الإعمار؟ ومن سيؤمّن الأمن؟” وتزيدُ الشروطُ الإسرائيليةُ من تعقيدِ المشهد، حيث نشرت صحيفةُ “معاريف”، نقلاً عن مصدرٍ دبلوماسي، أنَّ إسرائيلَ أبلغت واشنطن بإصرارِها على نزعِ سلاحِ حركةِ حماس كشرطٍ لا غنى عنه لبدءِ أي عمليةِ إعمارٍ في القطاع. كما تشترطُ تل أبيب أن تُنفَّذَ مشاريعُ إعادةِ البناء عبرَ جهاتٍ “غيرِ معاديةٍ” لها. في المقابل، يتمسّكُ الشركاءُ العرب بمواقفِهم. فقد نقلت القناةُ 12 العبرية عن مصادرٍ قولها إنَّ الولاياتِ المتحدة حاولت إقناعَ السعوديةِ والإمارات بالمشاركةِ في إعادةِ إعمارِ غزّة والإشرافِ على إدارتها، لكنّ الدولتين رفضتا العرض ما لم تكن السلطةُ الفلسطينية جزءاً أساسياً من الترتيباتِ المستقبلية.وأكد المصدرُ أنَّه “من دونِ السلطة الفلسطينية، لن تتدخّل السعودية لا بشكلٍ مباشرٍ ولا غير مباشر”. تقسيم غزة في ظلِّ هذه التجاذبات، كشفت صحيفةُ “وول ستريت جورنال” عن خطةٍ بديلةٍ تبحثُها الولاياتُ المتحدةُ مع إسرائيل، تقومُ على تقسيمِ قطاعِ غزّة إلى منطقتين منفصلتين.تقضي الخطةُ، التي يدفع بها جاريد كوشنر، صهرُ الرئيسِ الأمريكي السابق ترامب، بأن تخضعَ المنطقةُ الأولى لسيطرةِ الجيش الإسرائيلي وتستفيدَ من مشاريع الإعمار والدعم الدولي، بينما تبقى المنطقةُ الثانية تحت حكمِ حركةِ حماس معزولةً اقتصاديّاً، حتى “نزعِ سلاحها”. وينسجمُ هذا المخططُ مع دعواتٍ سابقةٍ داخل المؤسسةِ الأمنيةِ الإسرائيلية لتحويلِ أجزاءٍ من غزّة إلى ما يشبه “المنطقة ب” في الضفةِ الغربية؛ أي مناطقَ خاضعةٍ لسيطرةٍ مدنيةٍ فلسطينيةٍ شكلية، ولكن تحت إدارةٍ عسكريّةٍ إسرائيليةٍ كاملة.إلا أنَّ هذه الخطة تصطدمُ بعقباتٍ كبرى: القبول الدولي والعربي تواجهُ الخطةُ معضلةً حقيقيةً في الحصولِ على تأييدٍ عربيٍّ ودوليٍّ لفكرةِ ترسيخِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ لأكثر من نصفِ مساحةِ القطاع. المخاوف الأمنية الإسرائيلية:بحسب “هآرتس”، يخشى الجيشُ الإسرائيليُّ من الاحتكاكِ المباشر مع السكّان الفلسطينيين، وقد أوصى بعدمِ السماحِ بعودتِهم إلى المناطق الخاضعةِ لسيطرته. كما يعتقدُ الجيشُ أنَّ أيَّ قوةٍ دوليةٍ لن تكونَ قادرةً على تدميرِ شبكةِ الأنفاق المتبقية، مما يشكّلُ تهديداً عملياتياً مستقبلياً. تمويل الإعمار:تقفُ الخطةُ أمام تحدّي إقناعِ الدولِ المانحة بتمويلِ مشاريعِ بناءٍ في منطقةٍ خاضعةٍ للسيطرةِ العسكرية الإسرائيلية، وسطَ مخاوفَ من تحوّلِ هذا الوضعِ “المؤقت” إلى وضعٍ “دائم”. سيناريو إسرائيليٌّ… وانتظارٌ لا ينتهي من جهته، يرى تقريرٌ لمعهدِ دراساتِ الأمنِ القوميِّ الإسرائيلي أن على إسرائيل التعاملَ مع الخطةِ الإطاريةِ بمرونة، مع ضمانِ الحفاظِ على نفوذِها الأمني وحريةِ عملِها العسكري، والسيطرةِ على مسارِ إعادةِ الإعمار.ويقترحُ التقريرُ أن تعملَ إسرائيل على تهيئةِ الظروف لتشكيلِ حكومةِ تكنوقراطٍ وقوةِ استقرارٍ دولية، على أن يقتصرَ عملُها على المناطقِ التي لا وجودَ لحماسَ فيها، معتبراً أن نجاحَ هذا الطرح يعتمدُ على استعدادِ تل أبيب للتواصلِ مع السلطةِ الفلسطينية والمشاركةِ في تهيئةِ الظروفِ لإقامةِ دولةٍ فلسطينية. في نهايةِ المطاف، يسودُ التشاؤمُ أوساطَ المحللين. فالقناةُ 12 العبريةُ تتوقعُ أن يدركَ العالمُ سريعاً أنَّ الحكومةَ الإسرائيليةَ الحالية “متطرفةٌ وغيرُ عقلانية، ولا تسعى إلا للحرب وضمِّ الأراضي وتدميرِ السلطة الفلسطينية”. وهكذا، بينما تتحدثُ واشنطن عن "غزّة الجديدة"، يواصلُ الواقعُ إنتاجَ "غزّة القديمة"، ولكن — كما تصفها "هآرتس" — "مع قدرٍ أقلّ من الأملِ ومزيدٍ من التعب"، في ظلِّ روتينٍ جديدٍ من المساعداتِ الإنسانية التي تُبقي القطاعَ على قيدِ الحياة، ولكن بلا أفقٍ سياسيٍّ أو سيادةٍ حقيقية.