أكدت مصادر محلية لـ«البوست» أن حزبًا سياسيًا ذا طابع عسكري يعمد، منذ فترة، إلى افتتاح مكاتب ومقارّ خاصة تابعة له في عدد من الأحياء السكنية في مدينة صيدا، في خطوة أثارت استياءً وقلقًا لدى سكان هذه الأحياء. وبحسب المعلومات، فقد أقدم الحزب، الذي يصفه بعض الأهالي بأنه دخيل على النسيج الاجتماعي والسياسي للمدينة، على شراء عدد من الشقق السكنية وتحويلها إلى مقارّ حزبية، على مرأى ومسمع من السكان، ما أثار موجة من الاعتراضات والتساؤلات حول طبيعة هذه المكاتب والأنشطة التي ستُمارَس داخلها. وعلمت «البوست» أن عددًا من الأهالي يتّجهون إلى إعداد عريضة احتجاجية لرفعها إلى بلدية صيدا ومحافظ الجنوب، تعبيرًا عن رفضهم لهذا التمدّد الحزبي في أحيائهم السكنية، ومطالبةً الجهات المعنية بالتحقّق من طبيعة استخدام هذه الشقق ومدى التزامها بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، في ظلّ مخاوفهم من انعكاسات هذا الحضور على أمن أحيائهم واستقرارها وطابعها السكني.
تكشف التقديرات الإسرائيلية بشأن الوجود التركي في سوريا عن مأزق استراتيجي يتجاوز حدود التنافس بين تل أبيب وأنقرة؛ فإسرائيل التي تسعى إلى فرض معادلات أمنية بالقوة تجد نفسها أمام احتمال أن تؤدي سياستها إلى نتائج معاكسة لأهدافها، عبر تعزيز النفوذ التركي، وتقييد حرية عملياتها العسكرية، وزيادة الضغوط الدولية لإنهاء وجودها في المنطقة العازلة السورية. إن دلالة هذا النقاش داخل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لا تكمن في الدعوة إلى تغيير جوهر السياسة الإسرائيلية، بل في التشكيك بفاعلية أدواتها. فحين تصبح الضربات العسكرية وسيلة دائمة لإدارة التوازنات الإقليمية، تتحول القوة من أداة للردع إلى عامل لإنتاج التوتر، وتصبح كلفة الهيمنة أعلى من المكاسب التي يُفترض أن تحققها. أبو الظهور.. حدود القوة أعادت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في آب/أغسطس 2026 طرح سؤال جوهري حول طبيعة التهديد التركي في سوريا، ومدى استحقاقه مواجهة عسكرية مباشرة. فالتقديرات الإسرائيلية نفسها تدعو إلى التمييز بين إعادة تأهيل المنشآت السورية والتدريب العسكري، وبين إقامة بنية تركية مستقلة للقيادة والسيطرة. ويعكس هذا التمييز إدراكاً بأن التعامل مع كل حضور تركي باعتباره تهديداً استراتيجياً قد يجرّ إسرائيل إلى مواجهة غير محسوبة مع قوة إقليمية عضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك علاقات واسعة مع واشنطن وأوروبا، ولا يمكن إخراجها من المعادلة السورية بالقصف وحده. لكن الأخطر أن إسرائيل بمحاولتها الحفاظ على حرية عملياتها العسكرية المطلقة، قد تستدعي ترتيبات أمنية وآليات لمنع الاحتكاك تفرض قيوداً فعلية على هذه الحرية، فتقع في التناقض بين الوسيلة والغاية. skip render: ucaddon_material_block_quote الخطوط الحمراء.. هندسة للهيمنة يقترح التقدير الإسرائيلي قبول أشكال من الوجود التركي في شمال سوريا، مقابل التشدد تجاه إنشاء قواعد تركية في الوسط والجنوب، حيث تقترب من الجبهة الإسرائيلية. وهذا التمييز يكشف أن المسألة لا تتعلق بالأمن وحده، بل بمحاولة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بما يحافظ على التفوق الإسرائيلي ويحدّ من قدرة الآخرين على تغيير ميزان القوة. ويعيد ذلك إلى الواجهة منطقاً مألوفاً في لبنان وفلسطين: تحويل الاعتبارات الأمنية إلى مبرر دائم للسيطرة على الأرض وتقييد إرادة الشعوب. فالمنطقة العازلة لا تصبح حقاً مشروعاً لمجرد تسميتها إجراءً أمنياً، كما أن الاحتلال لا يكتسب شرعية بفعل استمراره. لا يعني رفض الهيمنة الإسرائيلية منح تركيا تفويضاً مفتوحاً للتدخل، ولا إعفاء أي قوة إقليمية من المساءلة؛ فالمعيار الوطني هو استقلال القرار السوري واحترام حقوق شعوبه، لا استبدال وصاية بأخرى. كلما ضيّقت إسرائيل الخيارات أمام دمشق، اتّسعت حاجة سوريا إلى أنقرة حين تصبح الهيمنة عبئاً يحذر النقاش الإسرائيلي من أن استمرار العمليات العسكرية والتمسك بالمنطقة العازلة قد يدفعان الولايات المتحدة والقوى الدولية إلى زيادة الضغط باتجاه العودة إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974، وربما من دون تنازلات سورية مهمة لإسرائيل. وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية: قد تؤدي محاولة فرض الأمن بالقوة إلى خسارة أوراق الضغط، فيما يساهم التضييق على دمشق في دفعها نحو مزيد من الاعتماد على أنقرة. بالنسبة إلى لبنان وفلسطين وسوريا، تكمن العبرة في أن الصراع لا يُحسم فقط بميزان السلاح، بل أيضاً بشرعية السياسات والقدرة على بناء استقلال وطني حقيقي. فالقوة التي لا تعرف حدودها قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها تفتح على خصومها أبواباً جديدة للمقاومة والمناورة. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس كافياً أن تُقتل الضحية كي تُمحى، فثمة موت آخر يبدأ حين يُحجب صوتها، وتُشوَّه صورتها، ويُعاد ترتيب الوقائع بحيث يبدو الجلاد مدافعاً عن نفسه، فيما يتحول الضحية إلى متهم مطالب بإثبات براءته. في غزة، لم تقتصر المأساة على الدمار والقتل والتجويع، بل امتدت إلى معركة موازية على الحقيقة، تتنافس فيها الروايات على تحديد من يستحق التعاطف، ومن يجوز تبرير موته، ومن يملك حق تسمية الجريمة باسمها. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحقيقة ليس أن تُكذَّب فحسب، بل أن تُحاصر داخل لغة منتقاة، وصور مبتورة، وعناوين تنقل المسؤولية من الفاعل إلى المفعول به، حتى يصبح التلاعب بالوعي امتداداً للدمار المادي. حين تصبح اللغة سلاحاً أعاد تقرير أممي حديث طرح مفهوم «الإبادة الإعلامية» في سياق الحرب على غزة، مسلطاً الضوء على دور مؤسسات إعلامية غربية وإسرائيلية ومنصات رقمية في تشكيل السردية العامة للحرب، من خلال ما وصفه بالانحياز والتعتيم وتضييق المجال أمام الرواية الفلسطينية. وتكمن أهمية هذه الاتهامات في أنها تنقل النقاش من حدود التغطية المهنية إلى مسؤولية المؤسسات التي تمتلك القدرة على تشكيل الوعي العالمي. فحين يُقدَّم الحدث باعتباره بدأ في لحظة محددة، وتُحذف منه عقود الاحتلال والحصار والاستيطان، لا يعود السياق مجرد تفصيل تاريخي، بل يصبح أداة لتوجيه الحكم الأخلاقي والسياسي. وحين تُستخدم مفردات حاسمة لوصف الضحايا الإسرائيليين، بينما تُستبدل بها تعبيرات مبهمة عند الحديث عن الفلسطينيين، فإن اللغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في توزيع التعاطف والمسؤولية. ولا يعني ذلك أن كل خطأ تحريري مؤامرة، أو أن كل اختلاف في التغطية دليل على تواطؤ متعمد؛ لكن تكرار الأنماط نفسها، وتجاهل التصحيحات، وعدم تطبيق معايير التحقق بالتساوي، كلها مسائل تستحق التحقيق والمساءلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن حرية المؤسسات الإعلامية وكأنها تمنحها حصانة أخلاقية. skip render: ucaddon_material_block_quote سلطة المصطلح وحدود المهنية تثير الانتقادات الموجهة إلى مؤسسات إعلامية كبرى أسئلة تتعلق بالمعايير التي تحكم اختيار الكلمات وصياغة العناوين وتحديد السياق. فالفارق بين القول إن فلسطينيين «قُتلوا» وبين تحديد الجهة التي قتلتهم ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه فارق في توزيع المسؤولية. وكذلك فإن وصف بعض المستوطنات بأنها غير قانونية فقط لأنها تفتقر إلى موافقة إسرائيلية، قد يوحي بأن المشكلة إجرائية، فيما يرفض القانون الدولي شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتزداد خطورة هذه الصياغات حين تصدر عن مؤسسات تحظى بثقة ملايين البشر، لأن نفوذها لا يأتي من امتلاكها الميكروفون وحده، بل من الاعتقاد بأن ما تقوله يمثل معياراً مهنياً محايداً. فحين تتسع الفجوة بين ادعاء الحياد وممارسة التحرير، تتحول الثقة العامة من رصيد للمؤسسة إلى وسيلة تمنح روايتها سلطة إضافية. المشكلة، إذاً، ليست في مطالبة الإعلام باتخاذ موقف سياسي، بل في مطالبته بالالتزام بمعايير متساوية: التحقق من الادعاءات، وتحديد المسؤوليات، وعدم تحويل رواية طرف في الحرب إلى حقيقة مكتملة لمجرد أنه يمتلك أدوات أكثر فاعلية لتسويقها. الرقابة التي لا تحتاج إلى قرار إذا كانت غرف الأخبار تحدد ما يصل إلى الجمهور عبر العناوين والتحرير، فإن المنصات الرقمية تتحكم أيضاً في ما يظهر أمامه وما يختفي من شاشته. فحذف المنشورات، وتعليق الحسابات، وتقليص الانتشار، والخوارزميات التي تحدد ترتيب المحتوى، كلها أدوات قادرة على صناعة صمت واسع من دون إعلان حظر شامل. وتزداد خطورة هذه السلطة حين تتعلق بمحتوى يوثق الانتهاكات أو ينقل شهادات الفلسطينيين، بينما تبقى مواد تحريضية أو مهينة متداولة. فالمشكلة لا تتوقف عند حذف منشور بعينه، بل تمتد إلى حرمان قضية كاملة من الوصول إلى جمهورها، وإلى جعل الضحايا أقل ظهوراً في المجال العام. وفي عالم تتحكم فيه شركات خاصة بجزء كبير من الفضاء الذي تجري فيه النقاشات العامة، تصبح الخوارزمية شبيهة بمحرر لا نعرف اسمه، ولا نرى معاييره، ولا نستطيع دائماً الاعتراض على قراراته. «حين تُمحى هوية القاتل من الخبر، تبدأ عملية محو الجريمة من الذاكرة الحقيقة بوصفها شرطاً للعدالة لا يمكن فصل استهداف الصحفيين الفلسطينيين وتدمير المؤسسات الإعلامية عن المعركة على الأدلة والذاكرة. فالصورة التي تُوثق القصف، والشهادة التي تسجل أسماء الضحايا، والمادة التي تحفظ تفاصيل الانتهاك، قد تصبح غداً جزءاً من ملف قضائي يسعى إلى تحديد المسؤولية. ولذلك، فإن قتل الصحفي أو إسكات الشاهد لا يسلب المجتمع صوتاً فحسب، بل قد يحرم العدالة من دليل. لكن مواجهة الإبادة الإعلامية لا تكون باستبدال دعاية بدعاية مضادة، ولا بتحويل النقد إلى حكم مسبق على كل مؤسسة غربية أو منصة رقمية، بل ببناء منظومة فلسطينية مستقلة وموثوقة للتوثيق والتحقق والأرشفة، وتوسيع حضور الصحفيين القادرين على نقل الوقائع إلى العالم، ومطالبة المؤسسات الدولية بتحقيقات مستقلة وآليات واضحة للمساءلة. إن المعركة على غزة لا تجري فوق الأرض وحدها، بل داخل اللغة التي يروي بها العالم ما يحدث، وفي الذاكرة التي ستبقى بعد توقف القصف. وقد تُهدم البيوت، وتُطمس الشوارع، ويُقتل الشهود، لكن الأخطر أن يُعاد تشكيل الوعي حتى يبدو كل ذلك أمراً قابلاً للتبرير. فالقتل ينهي حياة إنسان، أما محو الحقيقة فيحاول أن ينتزع منه حقه في أن يُصدَّق حتى بعد موته. وحين تصبح الحقيقة ضحية أخرى للحرب، لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، بل يتحول إلى جزء من الجريمة.