توقّفت مصادر صيداوية متابعة عند مبدأ قبول الشركة المشغّلة لمعمل النفايات في صيدا تقاضي مستحقاتها المالية للعام 2024 على سعر صرف للدولار يبلغ 15,000 ليرة، وليس على سعر الصرف الحقيقي، «كما هو الحال مع باقي متعهّدي معالجة النفايات». وتساءلت المصادر عن السبب الذي يدفع الشركة إلى القبول بهذا الأمر، مع الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع يعني اقتطاع نحو 80% من قيمة الفاتورة الفعلية المتوجّبة، وكأنّ الدولة، بسبب إفلاسها وعجزها، تدفع القطاع الخاص إلى أن «يدبّر حاله» على استنسابيّته، وبما يراه مناسبًا، وهو أمر مريب من كلا الطرفين الدافع والقابض، أمّا المتضرّر الأول منه فهو الناس والمواطنون.
لا يقف لبنان اليوم أمام نقاش قانوني عابر، بل أمام واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بمصير المجتمع نفسه. فالعفو العام في بلد كلبنان لا يمكن اختصاره ببنود قانونية، أو أرقام، أو أسماء مطلوبين ومحكومين فحسب، لأن المسألة أعمق بكثير من مجرّد فتح أبواب السجون أو إسقاط مذكرات التوقيف. نحن أمام بلد يعيش منذ عقود فوق طبقات متراكمة من الخوف، والذاكرة الدموية، والانقسام الطائفي؛ بلد انتهت فيه الحرب عسكريًا، لكنّها بقيت حيّة في النفوس والخطابات والسياسة والوجدان الجماعي. في الدول المستقرة، قد يكون العفو العام جزءًا من تسوية قانونية أو سياسية محدودة، أما في لبنان فهو أشبه بالسير فوق حقل ألغام. فكل كلمة تُقال حوله تُفسَّر طائفيًا، وكل اقتراح يُقرأ من زاوية الخوف الوجودي، وكل فريق يسأل فورًا: من سيستفيد؟ ومن سيدفع الثمن؟ ومن ستُفتح له أبواب التسوية؟ ومن ستُترك جراحه معلّقة؟ ولهذا، فإنّ الحديث عن العفو العام في لبنان ليس حديثًا عن القانون فقط، بل عن العدالة، والسلم الأهلي، والخوف الجماعي، ومستقبل العيش المشترك في بلد يكاد يشعر أبناؤه يوميًا أنّ الانفجار قد يقع في أي لحظة. الهدنة لا التسوية المشكلة الحقيقية أنّ لبنان لم يصل يومًا إلى تسوية وطنية حقيقية بعد الحرب الأهلية. لقد توقفت المعارك عسكريًا، لكن القلوب لم تهدأ بالكامل، والذاكرة بقيت مشتعلة تحت الرماد. الطوائف ما زالت تحمل مخاوفها القديمة، والأحزاب ما زالت تستثمر في تعبئة جمهورها بالخوف من الآخر، والدولة ما زالت عاجزة عن إقناع الناس بأنها مرجع عادل يقف فوق الجميع. لهذا يبدو لبنان حتى اليوم وكأنه يعيش «هدنة طويلة» أكثر مما يعيش سلامًا فعليًا. فالانقسامات لم تختفِ، بل تبدّلت أشكالها فقط، ومع كل أزمة سياسية أو أمنية أو إقليمية، يعود شبح الحرب إلى الذاكرة الجماعية سريعًا. واليوم، مع الحرب الدائرة في المنطقة، والانقسام الداخلي الحاد، والانهيار الاقتصادي غير المسبوق، عاد اللبناني يشعر أنّ الاستقرار هشّ جدًا، وأن أي خطأ في إدارة الملفات الحساسة قد يدفع البلد نحو المجهول. skip render: ucaddon_material_block_quote من هنا، يصبح ملف العفو العام شديد الخطورة، لأنه لا يُناقش في بيئة مستقرة، بل داخل مجتمع متوتر ومعبّأ بالخوف والشك وانعدام الثقة، إضافة إلى الحرب الدائرة حاليًا. في لحظات الانقسام الكبرى، تعجز السياسة وحدها عن إنتاج حلول حقيقية. فالحسابات السياسية غالبًا ما تُدار بالمصالح والتوازنات والخوف وموازين القوى، بينما تحتاج المجتمعات الجريحة إلى شيء أعمق من التسويات العابرة؛ تحتاج إلى ميزان أخلاقي يشعر الجميع أنه أعلى من الطوائف والأحزاب والزعامات. ولهذا كان القرآن واضحًا في جعل العدل أساس قيام المجتمعات: «العدل أساس الملك»، لا مجرّد خيار سياسي يمكن التفاوض حوله. تُعدّ هذه الآية من أعظم النصوص التي تحدّثت عن العدالة المطلقة، حتى إنّ معناها ومفهومها مطبوعان على جدار كلية الحقوق في جامعة Harvard University، إحدى أهم الجامعات التي خرّجت كبار القضاة ورجال القانون وصنّاع القرار في العالم، في إشارة إلى أنّ العدالة الحقيقية لا تقوم إلا حين يكون القانون فوق الجميع بلا استثناء. فالعدل هنا ليس عدالة طائفة ضد أخرى، ولا عدالة المنتصر على المهزوم، ولا عدالة النفوذ والسلاح، بل عدالة مطلقة بين الناس جميعًا. ولهذا، عندما يعجز الإنسان عن إنتاج حلول عادلة بثقافته الضيقة ومصالحه المتصارعة، لا يبقى أمامه إلا الرجوع إلى عدالة السماء؛ العدالة التي لا تفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين حليف وخصم. العدالة الانتقائية الأزمة الأخطر في لبنان ليست فقط في وجود الظلم، بل في شعور الناس بأنّ العدالة نفسها أصبحت انتقائية. فالمواطن اللبناني كثيرًا ما يشعر أنّ القوي يُحمى، والضعيف يُحاسَب، وأن الطائفة أو النفوذ السياسي قادران على تعطيل القانون أو تبديل مساره. وهذا بالضبط ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». فالخطر الحقيقي على المجتمعات ليس فقط في الجريمة، بل في انهيار الثقة بالعدالة نفسها. حين يشعر الناس أنّ القانون يُستخدم على الضعفاء فقط، تتحول الدولة تدريجيًا إلى ساحة نفوذ، لا إلى مرجعية جامعة، وعندها يبدأ المجتمع بالتفكك من الداخل. يخشى جزء من اللبنانيين أن يتحول العفو العام إلى حماية للنافذين والمتورطين الكبار، فيما يخاف آخرون من أن يؤدي غياب أي تسوية إلى انفجار اجتماعي أو مذهبي جديد. بين هذين الخوفين يقف لبنان حائرًا منذ سنوات طويلة. فالبلد لا يحتمل العودة إلى الحرب، لكنه أيضًا لا يستطيع بناء استقرار دائم فوق شعور الناس بأن حقوقهم ودماءهم ذهبت هدرًا. والتجارب حول العالم أثبتت أنّ المجتمعات لا تستقر بمجرد مطالبتها بنسيان الماضي، لأن الجراح التي لا تُعالج تعود لاحقًا بشكل أكثر خطورة وعنفًا. ولهذا، فإنّ أي عفو لا يرافقه شعور حقيقي بالإنصاف والمصارحة والعدالة المتوازنة قد يتحول إلى قنبلة مؤجّلة بدل أن يكون بابًا للاستقرار. حين تعجز السياسة… هل تنقذ العدالة لبنان؟ لا عدالة انتقامية ولا إفلات من العقاب لم يبنِ الإسلام مفهوم العدالة على الانتقام الأعمى، لكنه أيضًا لم يسمح بتحويل العفو إلى شرعنة للظلم أو حماية للفاسدين والقتلة. فالقرآن يفتح باب العفو، لكنه يربطه دائمًا بالإصلاح الحقيقي. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. اللافت أنّ الآية لم تقل «فمن عفا فقط»، بل أضافت كلمة مفصلية: «وأصلح». أي إنّ العفو الذي لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي ومنع تكرار الظلم، لا يحقق المقصد الكامل للعدالة. وهنا تكمن حساسية الحالة اللبنانية. فالعفو إذا جاء على حساب الحقيقة والإنصاف، قد يزرع شعورًا أخطر، وهو شعور الناس بأن الدولة لا تحمي إلا الأقوياء. تهدئة النفوس قبل القوانين ربما المشكلة الأعمق في لبنان اليوم أنّ المجتمع يعيش حالة خوف جماعي متبادل. كل طائفة تشعر أنها مهددة بطريقة ما، وكل جماعة تحمل في ذاكرتها صورًا من الماضي تجعلها تنظر إلى المستقبل بقلق دائم. وفي المجتمعات الخائفة، تصبح الكلمات أخطر من الرصاص أحيانًا. خطاب تحريضي واحد، أو مشهد إعلامي متوتر، أو تصريح سياسي مستفز، قد يكون كافيًا لإشعال الشارع وإعادة فتح الجروح القديمة. فالفتن الكبرى كثيرًا ما تبدأ بكلمات قبل أن تتحول إلى دماء. ولهذا، فإنّ أي معالجة حقيقية في لبنان يجب أن تبدأ أولًا بإطفاء لغة التخوين والكراهية والتحريض، لأن المجتمعات المعبّأة بالخوف لا تستطيع التفكير بعقلانية أو بناء تسويات مستقرة. أي عفو يحتاجه لبنان؟ لبنان لا يحتاج إلى عفو يُكتب على قياس الطوائف، ولا إلى تسوية إذلال يشعر معها جزء من الناس أنه خسر كرامته أو دمه أو حقوقه. ما يحتاجه البلد فعلًا هو مشروع وطني يعيد للناس شعورهم بأن الدولة موجودة لحمايتهم جميعًا، لا لخدمة موازين القوى. أي عفو حقيقي يجب أن يقوم على عدالة متوازنة، وعلى الاعتراف بآلام الجميع، وعلى منع الثأر الجماعي، وعلى بناء ثقة تدريجية بين مكونات المجتمع. لأن الاستقرار
skip render: ucaddon_box_testimonial العالم يعيش اليوم لحظة اقتصادية فارقة تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ المالي والاستثماري، ليس عبر النفط أو الصناعات الثقيلة، بل عبر الخوارزميات والبيانات والقدرة الحاسوبية الهائلة. ولادة اقتصاد جديد في قلب هذا التحوّل، ظهرت طبقة جديدة من الأثرياء الرقميين الذين تضخّمت ثرواتهم بوتيرة غير مسبوقة مع صعود شركات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها. شركات كانت قبل سنوات مجرد مشاريع بحثية، تحوّلت إلى إمبراطوريات مالية تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، فيما اندفعت أسواق المال نحو موجة استثمارية تُوصف بأنها الأكبر في تاريخ التكنولوجيا الحديثة. الطفرة الحقيقية بدأت مع الانتشار الكاسح للنماذج التوليدية القادرة على إنتاج النصوص والصور والأكواد البرمجية، حين أدركت المؤسسات المالية والشركات الكبرى أنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة مساعدة، بل منصة اقتصادية كاملة قادرة على إعادة تشكيل قطاعات بأكملها، من الإعلام والتعليم والتسويق إلى الطب والبرمجة والخدمات المالية. المليارات نحو الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة، تحوّلت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى مراكز جذب لرؤوس الأموال العالمية. فالاستثمارات الضخمة التي تدفقت إلى شركات تطوير النماذج الذكية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية دفعت تقييمات السوق إلى مستويات تاريخية، وخلقت ثروات هائلة للمؤسسين والمستثمرين والموظفين الأوائل وصناديق رأس المال المغامر. ولم تعد القيمة الحقيقية في امتلاك التطبيقات فقط، بل في السيطرة على البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي نفسه. ولهذا برزت شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية والمعالجات المتقدمة باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الجديد. فالطلب المتسارع على القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الذكية أدّى إلى انفجار غير مسبوق في قيمة هذه الشركات، حتى باتت بعض الأسماء مرادفة لعصر الذكاء الاصطناعي بأكمله. النفط الجديد للعالم يرى محللون اقتصاديون أنّ السيطرة على الحوسبة أصبحت اليوم أكثر أهمية من السيطرة على البرمجيات، لأنّ النماذج العملاقة تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، وطاقة كهربائية هائلة، وسلاسل توريد معقدة لا تستطيع الشركات الصغيرة مجاراتها. وبذلك، باتت البيانات والطاقة والرقائق الإلكترونية تشكّل ما يشبه «النفط الجديد» في الاقتصاد العالمي. هذا التحوّل السريع أعاد رسم خريطة الثروة الدولية. ففي وقت كانت الصناعات التقليدية تحتاج إلى عقود لبناء مليارديرات جدد، تمكّن قطاع الذكاء الاصطناعي خلال سنوات معدودة من إنتاج عشرات الأثرياء الذين ارتبطت ثرواتهم مباشرة بالنماذج الذكية والبنية السحابية وتقنيات المعالجة المتقدمة. كما ظهرت شركات ناشئة تحوّلت خلال أشهر فقط إلى كيانات بمليارات الدولارات، مدفوعة بالسباق العالمي على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فقاعة جديدة؟ لكن خلف هذا الازدهار المالي المتسارع، تتصاعد أيضًا المخاوف من تشكّل فقاعة اقتصادية شبيهة بفقاعة الإنترنت مطلع الألفية. فالكثير من الشركات الناشئة تُقيَّم اليوم بمبالغ ضخمة رغم أنها لا تحقق أرباحًا فعلية، فيما تتطلب المنافسة استثمارات هائلة في الطاقة والرقائق والبنية التحتية. ويرى بعض الاقتصاديين أنّ السوق يعيش حالة اندفاع جماعي قد تؤدي إلى انهيارات مؤلمة إذا تباطأ النمو أو فشلت بعض الشركات في تحقيق العوائد المتوقعة. في المقابل، يعتقد المدافعون عن القطاع أنّ المقارنة مع فقاعة الإنترنت ليست دقيقة بالكامل، لأنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وعد مستقبلي، بل أصبح جزءًا يوميًا من عمل المؤسسات والأسواق والحكومات. كما أنّ المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والصين، دفعت الحكومات إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن القومي والهيمنة الاقتصادية. الوجه الآخر ورغم الصورة اللامعة للثروة الجديدة، بدأت تظهر تداعيات اجتماعية عميقة لهذا التحوّل. ففي الوقت الذي يحقق فيه المستثمرون والمهندسون في شركات التكنولوجيا ثروات هائلة، تتزايد المخاوف من فقدان ملايين الوظائف التقليدية نتيجة الأتمتة والأنظمة الذكية. كما يحذّر خبراء الاقتصاد من أنّ تركيز الثروة والنفوذ داخل عدد محدود من الشركات العملاقة قد يمنحها سلطة غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي والبيانات والبنية الرقمية. هذا القلق لا يتعلق فقط بسوق العمل، بل أيضًا بطبيعة النظام الاقتصادي المقبل، حيث يمكن أن تتحوّل السيطرة على البيانات والخوارزميات إلى أداة احتكار عالمي تتجاوز في تأثيرها سيطرة شركات النفط أو البنوك في العقود الماضية. يبدو العالم اليوم وكأنه يدخل مرحلة اقتصادية جديدة تُشبه، من حيث التأثير، بدايات الثورة الصناعية أو ظهور الإنترنت، لكنها تتقدم بسرعة أكبر وبقدرة أعمق على إعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد معًا. فالذكاء الاصطناعي لا يخلق فقط أدوات جديدة، بل يعيد تعريف معنى القوة والثروة في القرن الحادي والعشرين، فاتحًا الباب أمام عصر تُبنى فيه الإمبراطوريات الاقتصادية على الخوارزميات والبيانات والحوسبة العملاقة، لا على المصانع والموارد التقليدية وحدها.