يؤكِّدُ مرجعٌ سياسيٌّ كبيرٌ بالبلد، في حديثٍ خاصٍّ لجريدة «البوست»، أنّه لا انتخاباتٍ نيابيّةً في موعدها في أيّار المقبل، وأنّ التأجيل سيتعدّى ما يُروَّج له همسًا عن فترة «تمديد شهرين لأسبابٍ تقنيّة وقدوم المغتربين». ويُشير المرجع إلى أنّ كلّ الأطراف والقوى السياسيّة في البلد باتت مقتنعةً اليوم بهذا الأمر ضمنًا، وأنّ الجميع ينتظر مَن يجرؤ على الخروج إلى الناس ليقولها صراحةً و«يحملها في صدره». فـوحده رئيس الجمهوريّة جوزيف عون، دون غيره من المسؤولين السياسيّين، يريد إجراء الانتخابات النيابيّة في وقتها، باعتبار أنّ التمديد يضرب ركيزةً أساسيّةً من الأعمدة التي قام عليها خطابه السياسي في «العهد الجديد»، أي لا تمديد وتثبيت المسار الدستوري للاستحقاقات كافة، لكن يبدو أنّ كلمة الخارج ستكون أقوى من تمنّيات الداخل. وكان لافتًا، في الشكل والتوقيت، اليوم، اختيار وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، وسط “الهمرجة” السياسيّة في مجلس النوّاب لمناقشة الموازنة، إعلان توقيعه مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، محدِّدًا موعد إجراء الانتخابات التي من المقرّر أن تُجرى في 3 أيّار، على أن تُجرى انتخابات اللبنانيّين غير المقيمين قبل ذلك بأسبوع، وفق المهل الدستوريّة، وهو ما اعتبره عارفون تأكيدًا، رغم ظاهر ما يوحي إليه، بأنّ الانتخابات لن تُجرى.
بعد جولاتٍ من اللقاءات والمفاوضات، والأخذِ والردّ، والتخبّطِ السياسيّ، والحقدِ المذهبيّ، والاستخفافِ الإنسانيّ، وافق لبنان على إطلاق سراح الموقوفين والمحكومين السوريّين في سجونه، الذين قضوا أكثر من عشر سنواتٍ من عقوبتهم، ما يسمح بتسليم الغالبيّة منهم، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانيّة بجرائم قتلِ مدنيّين وعسكريّين لبنانيّين. هكذا سقط مبدأ «المتاجرة» بدمِ الجيش اللبنانيّ وقتلةِ العسكريّين، لكنّه بقي، وبوقاحةٍ عنصريّةٍ فجّة، مسلّطًا على شريحةٍ محدّدةٍ من اللبنانيّين، ممّن تنظر إليهم دولتهم باعتبارهم فائضًا بشريًّا، مواطنين من درجاتٍ دنيا، لا ظهرَ لهم ولا دولَ خلفهم، لا قوى كبرى ولا منظّماتٍ حقوقيّة أو مدنيّة ترى فيهم قضيّةً تستحقّ العناء. لبنانيّون يُعاملون كأنّهم كائناتٌ وافدة، لا يستحقّون لا حقّ المواطنة ولا أبسطَ معايير العدالة والإنسانية. اليوم، بين جدران سجن روميّة العفِنة، هناك لبنانيّون مظلومون يتمنّون لو كانوا سوريّين، لا حبًّا بسوريا، بل كرهًا بدولةٍ لبنانيّة لا ترى في أبناءها إلّا أرقامًا قابلةً للشطب و”التجارة” حين تقتضي الحاجات. يتمنّون أن يكون لهم من يفاوض باسمهم، من يرفع صوتهم، لا من يدفنهم أحياءً ويطمس أسماءهم. بحساباتكم الضيّقة، هو مجرّد ملفٍّ سياسيّ–أمنيّ، ورقةُ تفاوض، تفصيلٌ قابلٌ للإقفال السريع، تمهيدًا لما تسمّونه «تصحيح» العلاقات مع سوريا الجديدة، ولو كان الثمن ما تبقّى من كرامة هذا البلد. أمّا في حسابات المؤمنين بالله وعدالته، فالأمر مختلفٌ تمامًا. إنّه ظلمٌ ثقيل، متراكم، يتجوّل بلا رادع، ويتمدد بلا خوف، ويطاول أناسًا تقتلهم دولتهم بدمٍ بارد، ببطءٍ محسوب، ومن دون أن ترتجف لها يدٌ أو يرفّ لها جفن. باستعلاء. تلك حساباتكم، لكن لنا حساباتنا. حساباتٌ لا تُقاس بالأسماء ولا بالمناصب، ولا تتوقّف عند جوزيف عون ولا أحمد الشرع ولا محمد بن سلمان، ولا حتى دونالد ترامب. حساباتٌ تعرف أنّ الظلم لا يُقفل ببيان، ولا يُمحى بتسوية، ولا يُدفن بقرار. حساباتٌ ترى في صمتِ البحر إنذارًا، وفي هيجانه وعدًا، وفي عمقه كائنًا قد لا يظهر كثيرًا، لكنّه حين يخرج، لا يفاوض ولا يشرح ولا يطلب الإذن. حوتًا، كحوتِ يونس، لا ليبتلع فردًا، بل ليقضم معادلاتٍ كاملة، ويقلب طاولات، ويغير نظام الكون ويعيد كتابة المشهد دفعةً واحدة. وعندها، لن تنفع السجون، ولا الصفقات، ولا الأختام الرسميّة. الظلم لا يموت، بل يتعلّم كيف يعود لينتصر، ولو بعد حين… غدا الجمعة، عند الساعة ١٢:٣٠، دعوة عامة للجميع للاعتصام أما السراى الحكومي في وسط بيروت، نصرة للمظلومين والإنسانية…
ليست «الأرمادا» مجرد أسطولٍ يتحرّك فوق الماء.هي عقليةُ إمبراطوريةٍ حين تقرّر أن تُقنع العالم بأن الحجم وحده يكفي، وأن صفوف السفن تستطيع أن تحلّ مكان السياسة، وأن البحر، ذلك الكائن الفوضوي، يمكن تدجينه بالخرائط والسلاح والسفن في عام 1588، خرجت الأرمادا الإسبانية لتلقّن إنكلترا درسًا نهائيًا. كانت إسبانيا آنذاك الدولة الأقوى ماليًا وبحريًا، وملكها فيليب الثاني مقتنع أن ضربة واحدة كفيلة بإعادة ترتيب أوروبا. أسطولٌ هائل، صلبان على الأشرعة، ويقينٌ ديني–سياسي بأن النصر مسألة وقت. لكن ما جرى لم يكن نصرًا… بل انكسارًا تاريخيًا. لم تُهزم الأرمادا لأنها ضعيفة، بل لأنها صدّقت أسطورتها. حين تتحوّل القوة إلى عبء الأرمادا الإسبانية لم تُبَد في معركة فاصلة. جرى تفكيكها ببطء: رياح لا تُطيع، بحر لا يحترم الجداول الزمنية، وسفن ضخمة أُعدّت للاستعراض أكثر مما أُعدّت للمطاردة. الإنكليز لم يواجهوا الكتلة بالكتلة، بل واجهوها بالإزعاج، بالإطالة، وبكسر الإيقاع. ثم تركوا البحر يُكمل ما بدأوه. هنا تحديدًا وُلد الدرس الأخطر في تاريخ الإمبراطوريات: عندما تصبح القوة كبيرة أكثر من اللازم، تفقد قدرتها على المناورة. خرجت الأرمادا الإسبانية لتُقفل حسابًا مفتوحًا مع إنكلترا. أسطولٌ هائل، يقينٌ بالحسم، وخريطةٌ تُعامِل البحر كأنه طريق سريع. لكن القنال حوّل الاستعراض إلى استنزاف، ثم إلى هزيمةٍ صامتة من بحر الشمال إلى خليج العرب بعد أربعة قرون، يعود المصطلح نفسه إلى التداول، أرمادا. لكن هذه المرّة، في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران. حاملات طائرات، مدمرات، قطع بحرية تُصفّ على شاشات الأخبار كما كانت تُصفّ السفن الخشبية في لوحات القرن السادس عشر. الرسالة واضحة: نحن هنا… نحن كثيرون… نحن قادرون. غير أن السؤال الحقيقي ليس، هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحشد أرمادا؟ بل، هل تستطيع أن تُنهي بها الصراع؟ كما لم يكن القنال الإنكليزي ساحة مريحة للأرمادا الإسبانية، فإن الخليج ليس مسرحًا حياديًا للقوة البحرية الحديثة. هو حوض ضيّق، حساس، مشبع بالرمزية والنفط والأعصاب المشدودة. خطأ صغير، احتكاك عابر، طائرة مسيّرة، زورق سريع… كل تفصيل فيه قادر على تحويل الاستعراض إلى اشتباك، والردع إلى تصعيد. الأرمادا هنا لا تعني السيطرة، بل الاحتكاك الدائم. كل سفينة إضافية هي احتمال إضافي للانفجار. وهم الحسم المشكلة في منطق الأرمادا، قديمًا وحديثًا، أنه يوحي بالحسم. والحسم أخطر الأوهام في السياسة. اعتقدت إسبانيا أن الأسطول سيُنهي التهديد الإنكليزي. فاكتشفت أنها فتحت باب أفولها البحري. واليوم، يلوّح البعض بأن الحشد البحري قد يُخضع إيران أو يدفعها إلى الاستسلام أو التراجع الكامل. لكن إيران ليست شاطئًا أعزل، ولا الصراع معها معركة سفن تقليدية. هو صراع صبر، أعصاب، ومسارات غير مباشرة. والبحر، مهما امتلأ بالسفن، لا يلغي البر ولا السماء ولا الزمن. الأخطر من السفن هو الخطاب. حين تُستعمل كلمة «أرمادا»، يصبح التراجع صعبًا. لأن من يُعلن الأسطول يَعدُ جمهوره بشيءٍ كبير، وإذا لم يتحقق، يصبح الثمن سياسيًا ومعنويًا. هكذا تتحوّل اللغة إلى فخ. كما تحوّل الإيمان المطلق بالقوة لدى فيليب الثاني إلى فخٍّ جرّ إسبانيا نحو البحر الهائج. “الأرمادا” ليست ضمانة نصر، بل اختبار حكمة. ومن يملأ البحر بالسفن دون أن يملأ خطته بمخارج سياسية، يغامر بأن يكتب فصلًا جديدًا في كتاب الهزائم البطيئة. في 1588، علّم البحر أوروبا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بوهم السيطرة.وفي الخليج اليوم، يقف العالم أمام السؤال نفسه: هل الأرمادا وسيلة ضغط محسوبة؟ أم خطوة أخرى نحو صراع لا يريد أحد الاعتراف بأنه لا يعرف كيف ينهيه؟ هرمز هو القنال الإنكليزي الجديد، لا لأن التاريخ يُعيد نفسه، بل لأن الجغرافيا تُعيد طرح الأسئلة نفسها: كيف تُدار القوة في الممرّات الضيّقة؟ وأين ينتهي الردع ويبدأ الاستنزاف؟ ومتى يتحوّل البحر من ورقة ضغط إلى ساحة اختبار للأعصاب؟ بين القنال الإنكليزي بالأمس ومضيق هرمز اليوم، درسٌ واحد لا يتغيّر: القوة التي لا تُحسن قراءة الجغرافيا تُرهق نفسها قبل خصومها. والأرمادا، قديمة كانت أم حديثة، ليست ضمانة نصر. في هذا الامتحان، لا يكسب من يلوّح أكثر، بل من يعرف متى يخفض الصوت قبل أن يعلو الموج.