بعد جولاتٍ من اللقاءات والمفاوضات، والأخذِ والردّ، والتخبّطِ السياسيّ، والحقدِ المذهبيّ، والاستخفافِ الإنسانيّ، وافق لبنان على إطلاق سراح الموقوفين والمحكومين السوريّين في سجونه، الذين قضوا أكثر من عشر سنواتٍ من عقوبتهم، ما يسمح بتسليم الغالبيّة منهم، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانيّة بجرائم قتلِ مدنيّين وعسكريّين لبنانيّين. هكذا سقط مبدأ «المتاجرة» بدمِ الجيش اللبنانيّ وقتلةِ العسكريّين، لكنّه بقي، وبوقاحةٍ عنصريّةٍ فجّة، مسلّطًا على شريحةٍ محدّدةٍ من اللبنانيّين، ممّن تنظر إليهم دولتهم باعتبارهم فائضًا بشريًّا، مواطنين من درجاتٍ دنيا، لا ظهرَ لهم ولا دولَ خلفهم، لا قوى كبرى ولا منظّماتٍ حقوقيّة أو مدنيّة ترى فيهم قضيّةً تستحقّ العناء. لبنانيّون يُعاملون كأنّهم كائناتٌ وافدة، لا يستحقّون لا حقّ المواطنة ولا أبسطَ معايير العدالة والإنسانية. اليوم، بين جدران سجن روميّة العفِنة، هناك لبنانيّون مظلومون يتمنّون لو كانوا سوريّين، لا حبًّا بسوريا، بل كرهًا بدولةٍ لبنانيّة لا ترى في أبناءها إلّا أرقامًا قابلةً للشطب و”التجارة” حين تقتضي الحاجات. يتمنّون أن يكون لهم من يفاوض باسمهم، من يرفع صوتهم، لا من يدفنهم أحياءً ويطمس أسماءهم. بحساباتكم الضيّقة، هو مجرّد ملفٍّ سياسيّ–أمنيّ، ورقةُ تفاوض، تفصيلٌ قابلٌ للإقفال السريع، تمهيدًا لما تسمّونه «تصحيح» العلاقات مع سوريا الجديدة، ولو كان الثمن ما تبقّى من كرامة هذا البلد. أمّا في حسابات المؤمنين بالله وعدالته، فالأمر مختلفٌ تمامًا. إنّه ظلمٌ ثقيل، متراكم، يتجوّل بلا رادع، ويتمدد بلا خوف، ويطاول أناسًا تقتلهم دولتهم بدمٍ بارد، ببطءٍ محسوب، ومن دون أن ترتجف لها يدٌ أو يرفّ لها جفن. باستعلاء. تلك حساباتكم، لكن لنا حساباتنا. حساباتٌ لا تُقاس بالأسماء ولا بالمناصب، ولا تتوقّف عند جوزيف عون ولا أحمد الشرع ولا محمد بن سلمان، ولا حتى دونالد ترامب. حساباتٌ تعرف أنّ الظلم لا يُقفل ببيان، ولا يُمحى بتسوية، ولا يُدفن بقرار. حساباتٌ ترى في صمتِ البحر إنذارًا، وفي هيجانه وعدًا، وفي عمقه كائنًا قد لا يظهر كثيرًا، لكنّه حين يخرج، لا يفاوض ولا يشرح ولا يطلب الإذن. حوتًا، كحوتِ يونس، لا ليبتلع فردًا، بل ليقضم معادلاتٍ كاملة، ويقلب طاولات، ويغير نظام الكون ويعيد كتابة المشهد دفعةً واحدة. وعندها، لن تنفع السجون، ولا الصفقات، ولا الأختام الرسميّة. الظلم لا يموت، بل يتعلّم كيف يعود لينتصر، ولو بعد حين… غدا الجمعة، عند الساعة ١٢:٣٠، دعوة عامة للجميع للاعتصام أما السراى الحكومي في وسط بيروت، نصرة للمظلومين والإنسانية…
ليست «الأرمادا» مجرد أسطولٍ يتحرّك فوق الماء.هي عقليةُ إمبراطوريةٍ حين تقرّر أن تُقنع العالم بأن الحجم وحده يكفي، وأن صفوف السفن تستطيع أن تحلّ مكان السياسة، وأن البحر، ذلك الكائن الفوضوي، يمكن تدجينه بالخرائط والسلاح والسفن في عام 1588، خرجت الأرمادا الإسبانية لتلقّن إنكلترا درسًا نهائيًا. كانت إسبانيا آنذاك الدولة الأقوى ماليًا وبحريًا، وملكها فيليب الثاني مقتنع أن ضربة واحدة كفيلة بإعادة ترتيب أوروبا. أسطولٌ هائل، صلبان على الأشرعة، ويقينٌ ديني–سياسي بأن النصر مسألة وقت. لكن ما جرى لم يكن نصرًا… بل انكسارًا تاريخيًا. لم تُهزم الأرمادا لأنها ضعيفة، بل لأنها صدّقت أسطورتها. حين تتحوّل القوة إلى عبء الأرمادا الإسبانية لم تُبَد في معركة فاصلة. جرى تفكيكها ببطء: رياح لا تُطيع، بحر لا يحترم الجداول الزمنية، وسفن ضخمة أُعدّت للاستعراض أكثر مما أُعدّت للمطاردة. الإنكليز لم يواجهوا الكتلة بالكتلة، بل واجهوها بالإزعاج، بالإطالة، وبكسر الإيقاع. ثم تركوا البحر يُكمل ما بدأوه. هنا تحديدًا وُلد الدرس الأخطر في تاريخ الإمبراطوريات: عندما تصبح القوة كبيرة أكثر من اللازم، تفقد قدرتها على المناورة. خرجت الأرمادا الإسبانية لتُقفل حسابًا مفتوحًا مع إنكلترا. أسطولٌ هائل، يقينٌ بالحسم، وخريطةٌ تُعامِل البحر كأنه طريق سريع. لكن القنال حوّل الاستعراض إلى استنزاف، ثم إلى هزيمةٍ صامتة من بحر الشمال إلى خليج العرب بعد أربعة قرون، يعود المصطلح نفسه إلى التداول، أرمادا. لكن هذه المرّة، في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران. حاملات طائرات، مدمرات، قطع بحرية تُصفّ على شاشات الأخبار كما كانت تُصفّ السفن الخشبية في لوحات القرن السادس عشر. الرسالة واضحة: نحن هنا… نحن كثيرون… نحن قادرون. غير أن السؤال الحقيقي ليس، هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحشد أرمادا؟ بل، هل تستطيع أن تُنهي بها الصراع؟ كما لم يكن القنال الإنكليزي ساحة مريحة للأرمادا الإسبانية، فإن الخليج ليس مسرحًا حياديًا للقوة البحرية الحديثة. هو حوض ضيّق، حساس، مشبع بالرمزية والنفط والأعصاب المشدودة. خطأ صغير، احتكاك عابر، طائرة مسيّرة، زورق سريع… كل تفصيل فيه قادر على تحويل الاستعراض إلى اشتباك، والردع إلى تصعيد. الأرمادا هنا لا تعني السيطرة، بل الاحتكاك الدائم. كل سفينة إضافية هي احتمال إضافي للانفجار. وهم الحسم المشكلة في منطق الأرمادا، قديمًا وحديثًا، أنه يوحي بالحسم. والحسم أخطر الأوهام في السياسة. اعتقدت إسبانيا أن الأسطول سيُنهي التهديد الإنكليزي. فاكتشفت أنها فتحت باب أفولها البحري. واليوم، يلوّح البعض بأن الحشد البحري قد يُخضع إيران أو يدفعها إلى الاستسلام أو التراجع الكامل. لكن إيران ليست شاطئًا أعزل، ولا الصراع معها معركة سفن تقليدية. هو صراع صبر، أعصاب، ومسارات غير مباشرة. والبحر، مهما امتلأ بالسفن، لا يلغي البر ولا السماء ولا الزمن. الأخطر من السفن هو الخطاب. حين تُستعمل كلمة «أرمادا»، يصبح التراجع صعبًا. لأن من يُعلن الأسطول يَعدُ جمهوره بشيءٍ كبير، وإذا لم يتحقق، يصبح الثمن سياسيًا ومعنويًا. هكذا تتحوّل اللغة إلى فخ. كما تحوّل الإيمان المطلق بالقوة لدى فيليب الثاني إلى فخٍّ جرّ إسبانيا نحو البحر الهائج. “الأرمادا” ليست ضمانة نصر، بل اختبار حكمة. ومن يملأ البحر بالسفن دون أن يملأ خطته بمخارج سياسية، يغامر بأن يكتب فصلًا جديدًا في كتاب الهزائم البطيئة. في 1588، علّم البحر أوروبا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بوهم السيطرة.وفي الخليج اليوم، يقف العالم أمام السؤال نفسه: هل الأرمادا وسيلة ضغط محسوبة؟ أم خطوة أخرى نحو صراع لا يريد أحد الاعتراف بأنه لا يعرف كيف ينهيه؟ هرمز هو القنال الإنكليزي الجديد، لا لأن التاريخ يُعيد نفسه، بل لأن الجغرافيا تُعيد طرح الأسئلة نفسها: كيف تُدار القوة في الممرّات الضيّقة؟ وأين ينتهي الردع ويبدأ الاستنزاف؟ ومتى يتحوّل البحر من ورقة ضغط إلى ساحة اختبار للأعصاب؟ بين القنال الإنكليزي بالأمس ومضيق هرمز اليوم، درسٌ واحد لا يتغيّر: القوة التي لا تُحسن قراءة الجغرافيا تُرهق نفسها قبل خصومها. والأرمادا، قديمة كانت أم حديثة، ليست ضمانة نصر. في هذا الامتحان، لا يكسب من يلوّح أكثر، بل من يعرف متى يخفض الصوت قبل أن يعلو الموج.
حين تُحرّك الولايات المتحدة أسطولها البحري الثقيل نحو شرق المتوسّط، فالأمر لا يُقرأ كإجراء دفاعي روتيني ولا كرسالة طمأنة عابرة. نحن أمام انتقالٍ متعمَّد من الدبلوماسية الهادئة إلى سياسة الضغط الخشن، حيث تُدار المعادلات بالبوارج، وتُكتب الرسائل بالمدمّرات، ويُختبر ميزان الردع على مسافة كيلومترات من المناطق المشتعلة في شرق المتوسّط، لا يوجد “انتشار محايد”. كل قطعة بحرية تعني طرفًا، وكل حركة رادار تُفسَّر كإشارة، وكل صمت يُحتسب تمهيدًا لشيء أكبر. هنا البحر ليس فراغًا خلافًا لمناطق أخرى، يتميّز شرق المتوسّط بتراكبٍ نادر: ساحات حرب نشطة، خطوط تماس بحرية مكتظّة، مصالح طاقة، وقواعد عسكرية متقابلة. إدخال مجموعة حاملة طائرات أميركية إلى هذا المسرح يعني عمليًا تحويل البحر إلى غرفة عمليات متقدّمة: تفوّق جوي انطلاقًا من البحر، بلا قيود سيادية. مظلة دفاع صاروخي تحمي الحلفاء وتقيّد الخصوم. قدرة ضرب دقيقة من خارج مدى الردّ التقليدي. هذا الوجود لا يُبنى على فرضية “الاستخدام”، بل على التهديد بالاستخدام. لكن المشكلة أنّ كثافة اللاعبين تجعل أي خطأ صغير قابلًا للتحوّل إلى اشتباك كبير. تحريك أميركا لأسطولها البحري الكبير ليس تفصيلاً عسكريًا، بل قرار استراتيجي مركزي، يفرض وقائع، ويرسم خطوطًا حمراء فوق سطح البحر… بانتظار ما إذا كانت ستُحترم، أم ستُختبر الوجود وحده فاتورة تشغيل مجموعة حاملة طائرات في هذا المسرح يعني ملايين الدولارات يوميًا. تقديرات التشغيل المتداولة تضع الكلفة اليومية لمجموعة واحدة بحدود 6.5 ملايين دولار، من دون احتساب الاستهلاك القتالي المكثّف.ساعة طيران واحدة لمقاتلة بحرية قد تتجاوز 15 ألف دولار، ومع تحوّل الحاملة إلى مطار يعمل بلا توقف، تتضخّم الفاتورة بسرعة. الأخطر أنّ شرق المتوسّط ليس مسرح “ضربة واحدة وتنتهي”. هو مساحة استنزاف:وقود، صيانة، طواقم، أعصاب مشدودة، واحتمال تمديد الانتشار إلى ما لا نهاية سياسية واضحة. لماذا هنا؟ ولماذا الآن؟ تحريك الأسطول إلى شرق المتوسّط ليس قرارًا عسكريًا بحتًا، بل إدارة أزمة على حافة الانفجار. واشنطن تريد: ضبط إيقاع التصعيد الإقليمي. منع انتقال النار إلى ساحات أوسع. فرض خطوط حمراء بحرية من دون إعلانها رسميًا. لكن هذا الخيار يحمل تناقضه الداخلي: كلما ارتفع منسوب الردع، ارتفعت أيضًا احتمالات سوء التقدير. في بحر ضيّق، مكتظ، ومشحون سياسيًا، الردع قد يتحوّل إلى استفزاز إذا قرأه الطرف الآخر كتمهيد لضربة استباقية. الاقتصاد يدفع الثمن بصمت أي توتر بحري في شرق المتوسّط ينعكس فورًا على، كلفة التأمين على السفن، حركة الشحن والطاقة، أسعار النقل والسلع في دول ليست طرفًا مباشرًا. هنا، لا يدفع ثمن التوتر من يحرّك الأسطول فقط، بل المنطقة بأكملها. ومع طول أمد الانتشار، يصبح الوجود العسكري نفسه عنصر ضغط اقتصادي غير معلن. حتى داخل الولايات المتحدة، يطرح السؤال عن كلفة الفرصة البديلة سياسيًا، تحاول واشنطن إدارة التوازن المستحيل: إظهار الجدية من دون الانجرار، والضغط من دون الانفجار. لكن شرق المتوسّط لا يشبه غيره. كثافة اللاعبين، هشاشة الخطوط، وتداخل الجبهات تجعل هامش الخطأ ضيّقًا إلى حدّ الخطر. أي حادث بحري، أي اقتراب غير محسوب، أو أي قراءة خاطئة للنيّات، قد ينقل المشهد من استعراض ردع إلى اختبار نار لا تريده أي جهة… لكن الجميع يستعدّ له. حين ترسو البوارج الأميركية في شرق المتوسّط، لا تكون الحرب قد بدأت، لكن السلام أيضًا لا يكون في وضعه الطبيعي. نحن أمام مرحلة تعليق مصير: لا حرب معلنة، ولا استقرار فعلي.الأسطول هنا ليس حلًّا، بل أداة ضغط مؤقّتة، مكلفة، وخطرة. والسؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع أميركا فرض الردع؟ بل: كم من الوقت يمكنها شراءه قبل أن يفرض البحر منطقه الخاص؟ بحر على فوهة حسابات في العمق، لا يمكن فصل هذا الانتشار البحري في شرق المتوسّط عن مسار التوتّر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتحوّل البحر إلى ساحة رسائل غير مباشرة بين الطرفين. فواشنطن لا تتحرّك فقط لاحتواء أزمة موضعية، بل لإعادة رسم ميزان الردع في مواجهة محور ترى فيه امتدادًا للنفوذ الإيراني، فيما تقرأ طهران هذا الحضور بوصفه محاولة خنق استباقية وفرض وقائع بالقوّة. بين هاتين القراءتين، يصبح الأسطول الأميركي أكثر من أداة ردع: يتحوّل إلى خط تماس عائم، تُختبر عنده الحسابات. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يُدار الصراع الأميركي–الإيراني على حواف البحار، في لحظة قد يكفي فيها خطأ واحد ليُشعل مواجهة لا يريدها أحد… ولا يملك أحد ترف ضبطها بالكامل.