? تحضيرًا لانتخاباتٍ مرتقبة ستشهدها الهيئة الإداريّة لإحدى الجمعيّات التاريخيّة الأساسيّة في صيدا، سُجِّلت ظاهرةٌ لافتة تمثّلت بقيام إحدى القوى السياسيّة الفاعلة في المدينة بتسديد اشتراكات أكثر من نصف الأعضاء المنتسبين إلى تلك الجمعيّة، في مؤشرٍ واضح على نيّة هذه القوّة السيطرة على الجمعيّة ورئاستها في المرحلة المقبلة، لما تحمله من رمزيّةٍ في الأداء والحضور على مستوى المدينة. وفي هذا الإطار، علمت جريدة «البوست» أنّ الحزب السياسي المعنيّ قام بتسديد رسوم الاشتراكات لأكثر من 600 منتسب، من أصل 1100 اشتراك جرى تسديدها حتّى الآن، ما يطرح تساؤلاتٍ جديّة حول طبيعة المشهد الانتخابي المقبل، وما إذا كنّا أمام تحوّلٍ غير مسبوق عمّا جرت عليه العادة تقليديًا في رئاسة هذه الجمعيّة، ودورها المستقلّ داخل النسيج الصيداوي.
في عصر الذكاء الاصطناعي والجريمة السيبرانية، لا يزال لبنان يدير شؤونه القانونية والأمنية بعقليّة تنتمي إلى قرنٍ مضى. إعلانُ بريطانيا عن إنشاء جهاز شرطة وطني حديث، يُشبه من حيث الصلاحيات والقدرات نموذجًا متقدّمًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، لا يُقرأ بوصفه إصلاحًا إداريًا فحسب، بل باعتباره موقفًا سياسيًا واضحًا: الجريمة الحديثة لا تُواجَه إلّا بأدوات حديثة، وبقانونٍ كُتِب لعصر التكنولوجيا، لا لعصر الملفات الورقية. في الدول التي تفهم معنى السيادة الرقمية، تُعاد هندسة المؤسسات الأمنية على أسس تقنية، وتُحدَّث القوانين لملاحقة الجرائم العابرة للحدود، والاحتيال المالي المعقّد، والاستغلال عبر الإنترنت، وغسل الأموال الرقمي. أمّا في لبنان، فما زالت الدولة تحاول مقاربة جرائم القرن الحادي والعشرين بتشريعات تعود جذورها إلى زمن الانتداب، بعضها لا يُطبّق أصلًا، ما يجعل السؤال بديهيًا: كيف يمكن تطوير قانونٍ لا يُحترم، لملاحقة جرائم متطوّرة بطبيعتها؟ قانون لا يُطبّق… فكيف يُحدَّث؟ المعضلة اللبنانية لا تكمن فقط في قِدَم التشريعات، بل في هشاشة تطبيقها. قوانين جنائية أساسية، وُضعت في سياقات تاريخية مختلفة جذريًا، ما زالت تُدار بآليات بطيئة وانتقائية، أُفرغت من فعاليتها بفعل الممارسة لا النص. وإذا كان القانون التقليدي نفسه عاجزًا عن فرض العدالة بصرامة، فكيف يمكن التعويل على قدرة الدولة على سنّ قانون إلكتروني حديث، أو على بناء نظام قضائي قادر على التعامل مع الأدلة الرقمية، والتعاون الدولي، والتحقيقات السيبرانية المعقّدة؟ الواقع أن لبنان لم يفشل في مواكبة التطور التشريعي العالمي فحسب، بل أخفق حتى في فرض احترام قوانينه القديمة. هذا الفشل البنيوي يترك البلاد مكشوفة أمام موجات متصاعدة من الجرائم الإلكترونية: من الابتزاز الرقمي إلى سرقة البيانات، ومن الاحتيال المالي العابر للحدود إلى اقتصاد الظلّ الرقمي، من دون منظومة ردع فعّالة أو جهاز متخصّص يمتلك الأدوات القانونية والتقنية اللازمة. فراغ أمني في الفضاء الرقمي بينما تُنشئ الدول أجهزة متخصّصة للشرطة الإلكترونية وتستثمر في الذكاء الاصطناعي والتحقيق الرقمي، لا يزال لبنان يفتقر إلى جهاز وطني متكامل يتمتّع باستقلالية تقنية، وصلاحيات قانونية واضحة، وقدرة فعلية على ملاحقة الجرائم في الفضاء السيبراني. تحوّل الفضاء الرقمي اللبناني عمليًا إلى ساحة مفتوحة، تتحرّك فيها شبكات الاحتيال والابتزاز وتجارة البيانات من دون خوف حقيقي من الملاحقة. ضعف البنية التقنية للأجهزة الأمنية، وغياب إطار قانوني حديث لحماية البيانات والخصوصية، وتأخّر القضاء في استيعاب الأدلة الرقمية، عوامل تتكامل لتجعل من لبنان حلقة هشّة في منظومة الأمن الإقليمي والدولي. المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية بامتياز. فالدولة التي لا تعتبر الأمن الرقمي أولوية سيادية، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية اقتصادها، ومواطنيها، ومؤسساتها، وتتحوّل إلى بيئة جاذبة للجريمة المنظّمة والاقتصاد غير المشروع. التجارب الدولية المتقدّمة تُظهر بوضوح أن الأمن الحديث يقوم على ثلاثة أعمدة: قانون رقمي حديث، شرطة إلكترونية محترفة، وقضاء قادر على مواكبة الأدلة والتقنيات الجديدة. في لبنان، الأعمدة الثلاثة متصدّعة: قانون قديم لا يُطبّق، جهاز أمني غير مهيّأ رقميًا، وقضاء مثقل بالتأخير والقصور التشريعي. اختبار سيادي أخير لم تعد القضية مسألة إصلاح تقني أو مطلب إداري، بل اختبارًا سياديًا حاسمًا. فإمّا أن يخرج لبنان من أسر قوانين الانتداب، ويؤسّس لإطار قانوني رقمي حديث، وشرطة متخصّصة، وقضاء قادر على ملاحقة الجرائم في عصر التكنولوجيا، وإمّا أن يبقى عالقًا في زمن قانون لا يُطبّق، ودولة تتراجع فيما الجريمة تتقدّم. في عالم باتت فيه السيادة تُقاس بقدرة الدول على حماية فضائها الرقمي كما تحمي حدودها الجغرافية، يبدو لبنان اليوم خارج المعادلة. والسؤال لم يعد متى سيلتحق بالعصر الرقمي، بل: كم من الوقت يستطيع الصمود قبل أن يتحوّل الفراغ القانوني والأمني إلى تهديدٍ وجودي لدولته ومجتمعه؟ الفجوة بين سرعة الجريمة الرقمية وبطء الدولة اللبنانية تتّسع يومًا بعد يوم. ومع كل تأخير في تحديث القوانين وبناء القدرات التقنية، تتراجع قدرة الدولة على حماية نفسها، وتتكرّس صورتها ككيان عاجز عن فرض القانون في الشارع، فضلًا عن فرضه في الفضاء الإلكتروني.
لم أنخرط يومًا في نظريّات المؤامرة التي راجت حول دونالد ترامب وروسيا. لم أعتقد قطّ أنّه كان عميلًا روسيًّا، ولا أنّ فلاديمير بوتين يملك عليه نفوذًا ماليًّا أو أشرطةً جنسيّةً يبتزّه بها. لطالما اعتقدت أنّ الأمر أسوأ من ذلك بكثير: أنّ ترامب، في قلبه وروحه، ببساطة لا يتشارك القيم نفسها التي تقاسمها كلّ رئيسٍ أمريكيّ منذ الحرب العالميّة الثانية بشأن ما ينبغي أن يكون عليه دورُ أمريكا في العالم وما يجب أن يكون. كنت دائمًا أؤمن بأنّ منظومة القيم لدى ترامب مشوّهة على نحوٍ تامّ، وغير مستندة إلى أيٍّ من وثائقنا التأسيسيّة، بل تقوم فقط على تفضيل أيّ زعيمٍ قويّ، مهما فعل بتلك القوّة؛ وأيّ زعيمٍ ثريّ يمكنه أن يُغني ترامب، مهما كان مصدر تلك الثروة أو كيفيّة إنفاقها؛ وأيّ زعيمٍ يمدحه، مهما كان هذا التملّق زائفًا ومفضوحًا. وطالما أنّ بوتين الديكتاتور كان يفي بهذه الشروط أكثر من الزعيم الديمقراطي لأوكرانيا، تعامل معه ترامب كصديق — ولتذهب المصالح والقيم الأمريكيّة إلى الجحيم. لم يكن على بوتين حتّى أن يبذل جهدًا يُذكر ليجعل من ترامب أضحوكةً بين يديه. ولهذه الأسباب كلّها، فإنّ ترامب هو أكثر الرؤساء لا-أمريكيّة في تاريخنا. وكان ذلك واضحًا منذ اليوم الذي هاجم فيه السيناتور جون ماكين، بطل الحرب الأمريكي الحقيقي والوطني الأصيل، لأنّ طائرته أُسقطت في القتال وأُسر. أيُّ أمريكيّ يمكن أن يُندّد بماكين، الذي احتُجز أكثر من خمس سنوات في معسكر أسرٍ بفيتنام الشماليّة بعد أن رفض الإفراج المبكّر عنه لأنّه كان سيُستغلّ دعائيًّا؟ لا أعرف أيَّ أمريكيّ يفعل ذلك. لقد جرى احتواء أسوأ نزعات ترامب غير الأمريكيّة وكسله الفكري خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض بفضل مجموعةٍ من المستشارين الجادّين. أمّا هذه المرّة، فلا أحد يضبطها. لقد أحاط نفسه بالمنافقين والمتزلّفين. وهكذا بات ترامب يدير بلدنا بالطريقة نفسها التي أدار بها شركاته — كعرض رجلٍ واحد، حرٍّ في إبرام صفقاتٍ سيّئة. أسلوب الإدارة هذا أدّى إلى ستّ حالات إفلاسٍ لشركاته. وللأسف، نحن اليوم جميعًا مساهمون لديه، وأخشى أنّه سيقودنا إلى الإفلاس كأمّة — أخلاقيًّا على وجه اليقين، وإن لم يكن يومًا ما ماليًّا وسياسيًّا أيضًا. لقد أصبح سلوك ترامب متهوّرًا إلى حدٍّ بعيد، ومتمركزًا حول ذاته بشكلٍ فاضح، ومناقضًا بوضوح للمصالح الأمريكيّة — كما عرّفها الجمهوريّون منذ زمنٍ طويل، فضلًا عن الديمقراطيّين — إلى درجةٍ تفرض طرح السؤال: هل تُحكم أمريكا الآن على يد ملكٍ مجنون؟ أيُّ رئيسٍ أمريكيّ يمكن أن يكتب النصّ الذي كتبه ترامب إلى رئيس وزراء النرويج، يوناس غار ستوره، يوم الأحد، زاعمًا أنّ أحد أسباب سعيه لامتلاك غرينلاند هو أنّه لم يُمنح جائزة نوبل للسلام؟ لقد كتب:«نظرًا لأنّ بلدكم قرّر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لكوني أوقفتُ 8 حروب، وأكثر من ذلك، لم أعد أشعر بالتزام التفكير فقط في السلام، رغم أنّه سيظلّ الغالب، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو جيّد ومناسب للولايات المتّحدة الأمريكيّة». إنّها لا تصرخ «أمريكا أوّلًا». بل تصرخ «أنا أوّلًا». تصرخ: «أنا، دونالد ترامب، مستعدّ للاستيلاء على غرينلاند، ولو كان الثمن تفكيك حلف الناتو الذي يبلغ عمره قرابة 77 عامًا، لأنّ لجنة نوبل لم تمنحني جائزة السلام العام الماضي» — متجاهلًا حقيقة أنّ الحكومة النرويجيّة لا تتحكّم بمنح الجائزة. كان يمكن أن يكون الأمر مقبولًا لو قال ترامب إنّه مستعدّ لتفكيك الناتو بسبب مبدأٍ جيوسياسيّ يمسّ أمن الشعب الأمريكي. لا أستطيع تخيّل ما يكون ذلك المبدأ، لكن يمكنني على الأقلّ تصوّر الاحتمال. أمّا ما لا يمكنني تصوّره فهو رئيسٌ أمريكيّ مهووسٌ إلى هذا الحدّ بالفوز بجائزة نوبل للسلام لإشباع غروره والتفوّق على سلفه — وكذلك معادلة باراك أوباما، الذي فاز بالجائزة عام 2009 — إلى درجة أنّه مستعدّ لتدمير كامل حلف الناتو ونظام التجارة مع أوروبا لأنّه لم يحصل عليها. أحاول أن أتخيّل مشهدًا يُملي فيه ترامب تلك الرسالة على أحد مساعديه بلا خجل، ثمّ تُرسل إلى النرويجيّين — على الأرجح دون أن يوقفها أحد في التسلسل الهرميّ للبيت الأبيض، ودون أن يقول أحد: «سيّدي الرئيس، هل جننت؟ لا يمكنك وضع طموحك الشخصي لنيل جائزة نوبل فوق كامل التحالف الأطلسي». لكنّ ترامب يستطيع فعل ذلك، لأنّه من الواضح أنّه لا يُولي قيمةً تُذكر للدماء والأموال والطاقة التي ضحّت بها أجيالٌ من الجنود والدبلوماسيّين والرؤساء الأمريكيّين قبله من أجل بناء تلك الشراكة المتينة مع شركائنا الأوروبيّين. دعوني أضع الأمر بصيغةٍ يفهمها ترامب: لو كانت أمريكا شركة، لقلنا إنّ جيلًا من العمّال والمديرين التنفيذيّين والمستثمرين الأمريكيّين بنوا أنجح وأربح وأكثر شركةٍ تأثيرًا في تاريخ العالم — تحالف الأطلسي/الناتو الذي تشكّل من رماد الحرب العالميّة الثانية. فباستثمارٍ متواضع نسبيًّا في أوروبا ما بعد الحرب، عُرف بخطّة مارشال، أنشأنا شريكًا تجاريًّا صحيًّا ساعد في جعل كلٍّ من أمريكا وأوروبا أكثر ثراءً من أيّ وقتٍ مضى؛ وساعدنا في تحويل أوروبا من قارّةٍ اشتهرت بالحروب القوميّة والعرقيّة والدينيّة إلى أكبر مركزٍ للأسواق الحرّة والشعوب الحرّة وسيادة القانون في العالم — مانحين أنفسنا جناحًا ديمقراطيًّا قويًّا يساعد على استقرار العالم واحتواء روسيا على مدى ثلاثة أرباع قرن. صحيح أنّ أوروبا تواجه تحدّياتٍ هائلة، من الهجرة غير المنضبطة إلى الإفراط في التنظيم إلى صعود أحزاب اليمين المتطرّف. ونعم، غالبًا ما تستجيب بتردّد. ونعم، هناك مخاوف أمنيّة مشروعة في القطب الشمالي. لكنّ أجيالًا من رجال الدولة والرؤساء الأمريكيّين أدركوا الأهميّة القصوى للعقد الأمريكي–الأوروبي، ولم يخطر ببالهم قطّ التضحية به بسبب مسألة السيادة على غرينلاند. من الواضح تمامًا أنّ شخصًا نرجسيًّا مرضيًّا فقط، يصرّ على وضع اسمه على كلّ شيء — من مركز كينيدي الذي لا يملكه إلى جائزة نوبل للسلام التي تخصّ غيره — يمكن أن يغامر بكلّ ما سبق للاستيلاء على غرينلاند، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّنا نملك بالفعل حقّ تشغيل قواعد فيها ونشر قوّات وصواريخ متقدّمة، ولدينا أيضًا حقّ الاستثمار في استخراج معادنها. ولو كانت أمريكا فعلًا شركة، لكان مجلس إدارتها قد ردّ على سلوكٍ كهذا بالإعلان عن «تدخّل» مع المدير التنفيذي. لكن للأسف، فإنّ مجلس إدارة أمريكا، أي الكونغرس الأمريكي الذي يقوده الجمهوريّون، قد خصى نفسه بالكامل. وها نحن الآن، نحن الشعب، نحن المساهمون، على وشك أن نُترك مع الفاتورة. في هذه الأثناء، لا يكاد منافسو شركة «أمريكا» يصدّقون حظّهم. فمنذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، أدركت كلٌّ من روسيا والصين أمرًا واحدًا كبيرًا لم يدركه ترامب: الميزة التنافسيّة لأمريكا. ففي حين لم يكن لدى روسيا والصين سوى أتباعٍ تابعين يأمرونهم ويضغطون عليهم للانضمام إليهم في أيّ منافسةٍ جيوسياسيّة أو جيو-اقتصاديّة مع الولايات المتّحدة، كانت لدى أمريكا سلاحٌ سرّيّ مكشوف للعيان: حلفاء يشتركون معنا في القيم ومستعدّون لفعل أشياء صعبة، مثل إرسال جنودهم للقتال والموت في حروبنا في العراق وأفغانستان. وكان