في زمنٍ بعيد، وتحديدًا في عام 1864، أشار الفيلسوفُ الإنجليزيّ هربرت سبنسر إلى نظريّةٍ قال إنّها ستحكمُ العالم، وهي «البقاءُ للأصلح»، ففصلَ مملكةَ الإنسان عن مملكةِ الحيوانات بين مخلوقاتِ الله الفاعلة.هذه النظريّة، حتّى اليوم، لم أجدْها مُثبَتة؛ فكلّ ما أراه أنّ البقاءَ دائمًا للأقوى، لمن يفرضُ قوانينَ المعادلات، ويُمسكُ بزمامِ الأمور، ويمتلكُ الأوراق، بل ويُعيدُ كتابةَ اللعبة على الأرض. هذه سوريّا، وبعد عقودٍ من الزمن، لم تنفعْ تمويلاتٌ ولا تدخّلات، لا من هيمنةِ بشّار الفار وأبيه حافظ الأسد، ولا من إنشاءِ مجموعاتٍ من المرتزقة والإرهابيّين كـ«قسد» وحزب العمّال الكردستاني PKK، ولا حتّى جماعاتٍ مواربةِ الدين الإسلامي، أكبرِ نسيجٍ في المنطقة.لقد أثبتَ الصبرُ والوعيُ تقدّمهما على الأرض، بقيادةِ الرئيس السوريّ الحالي أحمد الشرع. لقد حوّل «الجولاني» اللعبةَ لمصلحته، والمالُ على رأسه صار مالَ تنميةٍ وتطويرٍ وقوّة، وكشف أنّ الصبرَ والثباتَ على الموقف، المترافقَين مع الوعي ومعرفةِ القدرات، هو الخيارُ الأنجعُ والأفضل. ترامب، الآتي من خلفيّة اقتصاديّة صرفة، لا يرى السياسة إلّا امتدادًا لحسابات الربح والخسارة. وهو لا يُخفي طموحه في أن يكون قائد النظام العالمي الجديد، لكن ليس عبر استنزاف المال الأميركي، بل عبر مضاعفته وما قضيتُنا إذ نتحدّث عن العالم الجديد؟لقد كانت عصبةُ الأمم نتاجَ الحربِ العالميّة الأولى، وكانت الأممُ المتّحدة نتاجَ الحربِ العالميّة الثانية، واليوم يعملُ رئيسُ الولايات المتّحدة الأميركيّة دونالد ترامب على إنتاجِ مجلسٍ أو واجهةٍ جديدةٍ لتنظيم العالم، هي بكلّ بساطة «مجلسُ السلامِ العالمي». مجلسُ السلام هذا ليس لغزّة، بل للعالم أجمع. فترامب، من خلفيّةٍ اقتصاديّةٍ بحتة، يُطوّعُ السياسةَ للمال. ولأنّه يحلمُ بأن يكون قائدَ العالم الأوحد، ولأنّه لا يُحبّ أن يُسرفَ بمالِ الشعوب التي جمعها من هنا أو هناك لخُطّته الكبرى، بل على العكس، يريدُ أن يُضاعفَها بأيّ طريقة، فهو يفكّرُ بعقليّةٍ اقتصاديّة، كما ذكرنا؛ يُجرّب، يُصوّب، ويمضي. باختصار، سيُدارُ العالمُ بمجلسٍ جديد، عضويّتُه بالمال، والدولُ الحاضرةُ فيه هي الدولُ «الباقية» التي تشتري الرضا، محاولًا الأشقرُ الأميركيّ نزعَ فتيلِ حربٍ عالميّةٍ كبرى وتحويلَها إلى حروبٍ اقتصاديّة، وإن اضطُرّ إلى حروبٍ صغيرةٍ عالميًّا، كبيرةٍ إقليميًّا، ستكون بأقلّ الخسائر الماليّة والأميركيّة بالدرجة الأولى، وحقنًا للدماء بالدرجة الثانية، فهو، كما يطمح، أن يَسِمَ نفسه رجلَ سلام… ولو بالقوّة. من وجهةِ نظري، للأسف، العالمُ يستعدّ لطيّ حقبةِ الأمم المتّحدة، التي لم تُفِدِ العربَ كثيرًا ولا المسلمين، ولكنّها على الأقل كانت تُوارب وتُساير. تُطوى صفحةٌ ليُنشأ مجلسٌ جديد، هو مجلسُ ترامب، أو مجلسُ «الحلم الأميركي» The American Dream، أو كما يُسمّى رسميًّا «مجلسُ السلامِ العالمي».وسيتحكّم لاعبُ المصارعة الأشقر بالدول والأمصال، طوعًا أو ردعًا، فالبقاءُ للأقوى.
استفاق أهالي العاصمة بيروت فجر اليوم على ظاهرةٍ لافتة تمثّلت بتغيير مسار هبوط الطائرات المدنيّة في مطار رفيق الحريري الدولي، حيث لوحِظ اقتراب حركة الهبوط من الأحياء السكنيّة بشكلٍ غير مألوف، ما أثار تساؤلاتٍ وقلقًا في أوساط المواطنين. وقد فسّر البعض هذا التطوّر على أنّه نتيجةٌ طبيعيّة لما يُتداول من معلومات عن إلغاء أو تعليق رحلاتٍ لعددٍ من شركات الطيران الأجنبيّة في المنطقة، تحسّبًا لضربةٍ عسكريّة أميركيّة أو إسرائيليّة وشيكة قد تستهدف إيران في أيّ لحظة، وهي ضربة يُجمع المراقبون على أنّ لبنان لن يكون بمنأى عن تداعياتها، في حال وقوعها، نظرًا لحساسيّة موقعه وتشابك ملفّاته الأمنيّة والإقليميّة.
? تحضيرًا لانتخاباتٍ مرتقبة ستشهدها الهيئة الإداريّة لإحدى الجمعيّات التاريخيّة الأساسيّة في صيدا، سُجِّلت ظاهرةٌ لافتة تمثّلت بقيام إحدى القوى السياسيّة الفاعلة في المدينة بتسديد اشتراكات أكثر من نصف الأعضاء المنتسبين إلى تلك الجمعيّة، في مؤشرٍ واضح على نيّة هذه القوّة السيطرة على الجمعيّة ورئاستها في المرحلة المقبلة، لما تحمله من رمزيّةٍ في الأداء والحضور على مستوى المدينة. وفي هذا الإطار، علمت جريدة «البوست» أنّ الحزب السياسي المعنيّ قام بتسديد رسوم الاشتراكات لأكثر من 600 منتسب، من أصل 1100 اشتراك جرى تسديدها حتّى الآن، ما يطرح تساؤلاتٍ جديّة حول طبيعة المشهد الانتخابي المقبل، وما إذا كنّا أمام تحوّلٍ غير مسبوق عمّا جرت عليه العادة تقليديًا في رئاسة هذه الجمعيّة، ودورها المستقلّ داخل النسيج الصيداوي.