لم أنخرط يومًا في نظريّات المؤامرة التي راجت حول دونالد ترامب وروسيا. لم أعتقد قطّ أنّه كان عميلًا روسيًّا، ولا أنّ فلاديمير بوتين يملك عليه نفوذًا ماليًّا أو أشرطةً جنسيّةً يبتزّه بها. لطالما اعتقدت أنّ الأمر أسوأ من ذلك بكثير: أنّ ترامب، في قلبه وروحه، ببساطة لا يتشارك القيم نفسها التي تقاسمها كلّ رئيسٍ أمريكيّ منذ الحرب العالميّة الثانية بشأن ما ينبغي أن يكون عليه دورُ أمريكا في العالم وما يجب أن يكون. كنت دائمًا أؤمن بأنّ منظومة القيم لدى ترامب مشوّهة على نحوٍ تامّ، وغير مستندة إلى أيٍّ من وثائقنا التأسيسيّة، بل تقوم فقط على تفضيل أيّ زعيمٍ قويّ، مهما فعل بتلك القوّة؛ وأيّ زعيمٍ ثريّ يمكنه أن يُغني ترامب، مهما كان مصدر تلك الثروة أو كيفيّة إنفاقها؛ وأيّ زعيمٍ يمدحه، مهما كان هذا التملّق زائفًا ومفضوحًا. وطالما أنّ بوتين الديكتاتور كان يفي بهذه الشروط أكثر من الزعيم الديمقراطي لأوكرانيا، تعامل معه ترامب كصديق — ولتذهب المصالح والقيم الأمريكيّة إلى الجحيم. لم يكن على بوتين حتّى أن يبذل جهدًا يُذكر ليجعل من ترامب أضحوكةً بين يديه. ولهذه الأسباب كلّها، فإنّ ترامب هو أكثر الرؤساء لا-أمريكيّة في تاريخنا. وكان ذلك واضحًا منذ اليوم الذي هاجم فيه السيناتور جون ماكين، بطل الحرب الأمريكي الحقيقي والوطني الأصيل، لأنّ طائرته أُسقطت في القتال وأُسر. أيُّ أمريكيّ يمكن أن يُندّد بماكين، الذي احتُجز أكثر من خمس سنوات في معسكر أسرٍ بفيتنام الشماليّة بعد أن رفض الإفراج المبكّر عنه لأنّه كان سيُستغلّ دعائيًّا؟ لا أعرف أيَّ أمريكيّ يفعل ذلك. لقد جرى احتواء أسوأ نزعات ترامب غير الأمريكيّة وكسله الفكري خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض بفضل مجموعةٍ من المستشارين الجادّين. أمّا هذه المرّة، فلا أحد يضبطها. لقد أحاط نفسه بالمنافقين والمتزلّفين. وهكذا بات ترامب يدير بلدنا بالطريقة نفسها التي أدار بها شركاته — كعرض رجلٍ واحد، حرٍّ في إبرام صفقاتٍ سيّئة. أسلوب الإدارة هذا أدّى إلى ستّ حالات إفلاسٍ لشركاته. وللأسف، نحن اليوم جميعًا مساهمون لديه، وأخشى أنّه سيقودنا إلى الإفلاس كأمّة — أخلاقيًّا على وجه اليقين، وإن لم يكن يومًا ما ماليًّا وسياسيًّا أيضًا. لقد أصبح سلوك ترامب متهوّرًا إلى حدٍّ بعيد، ومتمركزًا حول ذاته بشكلٍ فاضح، ومناقضًا بوضوح للمصالح الأمريكيّة — كما عرّفها الجمهوريّون منذ زمنٍ طويل، فضلًا عن الديمقراطيّين — إلى درجةٍ تفرض طرح السؤال: هل تُحكم أمريكا الآن على يد ملكٍ مجنون؟ أيُّ رئيسٍ أمريكيّ يمكن أن يكتب النصّ الذي كتبه ترامب إلى رئيس وزراء النرويج، يوناس غار ستوره، يوم الأحد، زاعمًا أنّ أحد أسباب سعيه لامتلاك غرينلاند هو أنّه لم يُمنح جائزة نوبل للسلام؟ لقد كتب:«نظرًا لأنّ بلدكم قرّر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لكوني أوقفتُ 8 حروب، وأكثر من ذلك، لم أعد أشعر بالتزام التفكير فقط في السلام، رغم أنّه سيظلّ الغالب، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو جيّد ومناسب للولايات المتّحدة الأمريكيّة». إنّها لا تصرخ «أمريكا أوّلًا». بل تصرخ «أنا أوّلًا». تصرخ: «أنا، دونالد ترامب، مستعدّ للاستيلاء على غرينلاند، ولو كان الثمن تفكيك حلف الناتو الذي يبلغ عمره قرابة 77 عامًا، لأنّ لجنة نوبل لم تمنحني جائزة السلام العام الماضي» — متجاهلًا حقيقة أنّ الحكومة النرويجيّة لا تتحكّم بمنح الجائزة. كان يمكن أن يكون الأمر مقبولًا لو قال ترامب إنّه مستعدّ لتفكيك الناتو بسبب مبدأٍ جيوسياسيّ يمسّ أمن الشعب الأمريكي. لا أستطيع تخيّل ما يكون ذلك المبدأ، لكن يمكنني على الأقلّ تصوّر الاحتمال. أمّا ما لا يمكنني تصوّره فهو رئيسٌ أمريكيّ مهووسٌ إلى هذا الحدّ بالفوز بجائزة نوبل للسلام لإشباع غروره والتفوّق على سلفه — وكذلك معادلة باراك أوباما، الذي فاز بالجائزة عام 2009 — إلى درجة أنّه مستعدّ لتدمير كامل حلف الناتو ونظام التجارة مع أوروبا لأنّه لم يحصل عليها. أحاول أن أتخيّل مشهدًا يُملي فيه ترامب تلك الرسالة على أحد مساعديه بلا خجل، ثمّ تُرسل إلى النرويجيّين — على الأرجح دون أن يوقفها أحد في التسلسل الهرميّ للبيت الأبيض، ودون أن يقول أحد: «سيّدي الرئيس، هل جننت؟ لا يمكنك وضع طموحك الشخصي لنيل جائزة نوبل فوق كامل التحالف الأطلسي». لكنّ ترامب يستطيع فعل ذلك، لأنّه من الواضح أنّه لا يُولي قيمةً تُذكر للدماء والأموال والطاقة التي ضحّت بها أجيالٌ من الجنود والدبلوماسيّين والرؤساء الأمريكيّين قبله من أجل بناء تلك الشراكة المتينة مع شركائنا الأوروبيّين. دعوني أضع الأمر بصيغةٍ يفهمها ترامب: لو كانت أمريكا شركة، لقلنا إنّ جيلًا من العمّال والمديرين التنفيذيّين والمستثمرين الأمريكيّين بنوا أنجح وأربح وأكثر شركةٍ تأثيرًا في تاريخ العالم — تحالف الأطلسي/الناتو الذي تشكّل من رماد الحرب العالميّة الثانية. فباستثمارٍ متواضع نسبيًّا في أوروبا ما بعد الحرب، عُرف بخطّة مارشال، أنشأنا شريكًا تجاريًّا صحيًّا ساعد في جعل كلٍّ من أمريكا وأوروبا أكثر ثراءً من أيّ وقتٍ مضى؛ وساعدنا في تحويل أوروبا من قارّةٍ اشتهرت بالحروب القوميّة والعرقيّة والدينيّة إلى أكبر مركزٍ للأسواق الحرّة والشعوب الحرّة وسيادة القانون في العالم — مانحين أنفسنا جناحًا ديمقراطيًّا قويًّا يساعد على استقرار العالم واحتواء روسيا على مدى ثلاثة أرباع قرن. صحيح أنّ أوروبا تواجه تحدّياتٍ هائلة، من الهجرة غير المنضبطة إلى الإفراط في التنظيم إلى صعود أحزاب اليمين المتطرّف. ونعم، غالبًا ما تستجيب بتردّد. ونعم، هناك مخاوف أمنيّة مشروعة في القطب الشمالي. لكنّ أجيالًا من رجال الدولة والرؤساء الأمريكيّين أدركوا الأهميّة القصوى للعقد الأمريكي–الأوروبي، ولم يخطر ببالهم قطّ التضحية به بسبب مسألة السيادة على غرينلاند. من الواضح تمامًا أنّ شخصًا نرجسيًّا مرضيًّا فقط، يصرّ على وضع اسمه على كلّ شيء — من مركز كينيدي الذي لا يملكه إلى جائزة نوبل للسلام التي تخصّ غيره — يمكن أن يغامر بكلّ ما سبق للاستيلاء على غرينلاند، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّنا نملك بالفعل حقّ تشغيل قواعد فيها ونشر قوّات وصواريخ متقدّمة، ولدينا أيضًا حقّ الاستثمار في استخراج معادنها. ولو كانت أمريكا فعلًا شركة، لكان مجلس إدارتها قد ردّ على سلوكٍ كهذا بالإعلان عن «تدخّل» مع المدير التنفيذي. لكن للأسف، فإنّ مجلس إدارة أمريكا، أي الكونغرس الأمريكي الذي يقوده الجمهوريّون، قد خصى نفسه بالكامل. وها نحن الآن، نحن الشعب، نحن المساهمون، على وشك أن نُترك مع الفاتورة. في هذه الأثناء، لا يكاد منافسو شركة «أمريكا» يصدّقون حظّهم. فمنذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، أدركت كلٌّ من روسيا والصين أمرًا واحدًا كبيرًا لم يدركه ترامب: الميزة التنافسيّة لأمريكا. ففي حين لم يكن لدى روسيا والصين سوى أتباعٍ تابعين يأمرونهم ويضغطون عليهم للانضمام إليهم في أيّ منافسةٍ جيوسياسيّة أو جيو-اقتصاديّة مع الولايات المتّحدة، كانت لدى أمريكا سلاحٌ سرّيّ مكشوف للعيان: حلفاء يشتركون معنا في القيم ومستعدّون لفعل أشياء صعبة، مثل إرسال جنودهم للقتال والموت في حروبنا في العراق وأفغانستان. وكان
على عكس السياق العامّ للمشهديّة الأكبر التي تُطوِّق حركة «الإخوان المسلمين» دوليًّا وعربيًّا، وتحدّ من عملها ونشاطها السياسي والجماهيري، يبدو أنّ لصيدا حكايتها الخاصّة حيال ما يجري مع الفرع اللبناني للحركة، أي «الجماعة الإسلامية». تلفت شخصيّة سياسية مخضرمة لجريدة “البوست”، لها باعٌ طويل في العمل الانتخابي، إلى واقعٍ مغاير ومستجد تُنتجه قراءةٌ متأنّية وموضوعيّة للأرقام ولخارطة التحالفات المفترضة في الانتخابات النيابيّة المقبلة. ففي لغة الأرقام التي قلّما تُخطئ، وبعد التوجّه شبه المحسوم لتحالف «الجماعة» مع “حزب الله” انتخابيًّا وسياسيًّا على صعيد لبنان ككل، و”بالقطعة” حسب المناطق وما تقتضيه المصلحة، لاسيما بعد قرارات العقوبات مؤخراً، وانطلاقًا من أرقام الانتخابات البلديّة الأخيرة، يمكن القول إنّ «الجماعة الإسلامية» في صيدا تعيش، رغم «الحرب الكونيّة» عليها، أقوى لحظاتها السياسيّة والانتخابية على صعيد المدينة حاليا. كيف ذلك؟ بكلامٍ مبسّط، بعيدًا عن «فذلكات» وتعقيدات، فإن سلّمنا جدلًا أنّ لـ«الجماعة» كتلةً ناخبة شبه ثابتة يتراوح حجمها بين 2500 و3500 صوت (مشدودة العصب حاليا، بعد مظلومية العقوبات)، ومع احتساب أصوات “الثنائي الشيعي” على صعيد صيدا، حتّى في حال لم تُصب أصوات “حركة أمل” بتوجيه من بري اللعوب، كلّها لصالح «الجماعة» في المدينة، فإنّه سيُضاف إلى أصوات «الجماعة» و«شيعة صيدا» التقليديين ما بين 2000 و2500 صوت، ليصبح العدد بين 6000 و6500 صوت، آخذين في الاعتبار أنّ «الجماعة» نجحت في صيدا تحديدًا بزيادة قاعدتها الشعبيّة الانتخابيّة في السنوات الخمس الماضية، عكس التوجّه التراجعيّ العامّ الذي تشهده دوليا، ما يؤهّلها، بعمليّة حسابيّة بسيطة، في حال ترشّح النائبة السابقة بهيّة الحريري، أن تتقدّم على القاعدة الشعبيّة لكلٍّ من النائبين أسامة سعد وعبد الرحمن البزري في صيدا، وذلك في حال النجاح في تخطي “النقزة” من موضوع التحالف مع حزب الله في المدينة، الذي لا تستسيغه الأغلبية العظمى من الصيداويين. لكن في السياسة، يبقى السؤال الأكبر والأهمّ: ماذا يعني هذا الواقع المستجدّ، وكيف يمكن ترجمته وتجييره لمصلحة صيدا وإنمائها؟ فهل يمكن لنائب عن “الجماعة” أن “يشتغل” سياسة في ظل حصار عالمي وعربي وحتى محلي خانق؟ في وقت بات كثيرون يهربون من مجرد صورة قد تعمم على سفارات وأجهزة…
آلةٌ تُجيب… ولا تسأل في البداية، لم يكن الذكاءُ الاصطناعيُّ ثورةً، بل وعدًا عمليًّا.آلةٌ تُجيب حين تُسأل، تُصنِّف حين نطلب منها التصنيف، وتُحسِن الأداء كلّما أغرقناها بالمزيد من البيانات. كان ذلك كافيًا لإبهار الأسواق، وإرباك المهن، وإقناع العالم بأنّ المستقبل قد وصل مبكرًا.هذا هو الذكاءُ الاصطناعيُّ (AI) كما نعرفه اليوم: عقلٌ صناعيٌّ مُدرَّب بإتقان، لكنّه لا يعرف سوى ما عُلِّم له. لا يخرج عن المسار، ولا يُعيد التفكير في الغاية، ولا يشكّ في السؤال نفسه. هو بارع، نعم، لكنّه يظلّ وفيًّا لدوره كمنفّذٍ ممتاز داخل نصٍّ كتبه غيره. تعليمُ المعلِّم AI لا يتعلّم لأنّه يريد أن يتعلّم، بل لأنّه طُلب منه ذلك.ثمّ بدأ السؤال يتبدّل، بهدوءٍ مُقلِق.ماذا لو لم نُدرِّب الآلة على الإجابة فقط، بل على كيف تُدرِّب نفسها؟ماذا لو لم نُعطِها مهمّة، بل منحناها القدرة على اختيار المهمّة، وتقييم أدائها، وإعادة بناء فهمها للعالم؟هنا، يظهر الذكاءُ الاصطناعيُّ العام (AGI)، لا كترقية تقنيّة، بل كتحوّلٍ سرديٍّ كامل في قصّة العلاقة بين الإنسان والآلة.AGI ليس آلةً أذكى، بل آلة تعرف كيف تصبح أذكى دون أن نُمسك بيدها في كلّ خطوة.الفرق الجوهريّ بين AI وAGI هو أنّ الأوّل نتاج تدريبٍ بشريٍّ مستمرّ، أمّا الثاني فهو مشروع تدريب الآلة للآلة.نضع البذرة الأولى، ثمّ نراقب النظام وهو يختبر نفسه، يكتشف أخطاءه، يُعيد تشكيل نماذجه، ويتعلّم خارج حدود البيانات التي منحناه إيّاها.في هذه اللحظة، يتغيّر دور الإنسان: من مُدرِّسٍ دائم… إلى مُطلِقٍ للفكرة. من مَن يضع الأسئلة… إلى مَن يواجه أسئلة لم يتوقّعها. من التنفيذ إلى الفهم الذكاءُ الاصطناعيُّ الحاليّ يتقن الفعل، لكنّه لا يفهم معناه. يعرف كيف، لكنّه لا يسأل لماذا.أمّا AGI، فمشروعه أعمق: فهم السياق، نقل المعرفة بين العوالم، وإنتاج حلولٍ لم تمرّ عليه في التدريب.الفرق بينهما يشبه الفرق بين آلةٍ تحفظ النوتة الموسيقيّة بدقّة، وعقلٍ يسمع اللحن للمرّة الأولى ثمّ يُعيد تأليفه. ليس القلقُ تقنيًّا ما يجعل AGI مادّةً للقلق العالميّ ليس قوّته الحاسوبيّة، بل استقلاليّته المعرفيّة.فنحن، للمرّة الأولى، نقترب من نظامٍ لا ينتظر تحديثًا بشريًّا كي يتطوّر، ولا يتوقّف عند حدود التخصّص الواحد، ولا يسير بالسرعة التي اعتدنا عليها نحن.AI حسَّن أدواتنا. AGI قد يُعيد تعريف موقعنا.الاعتقاد السائد أنّ AGI مجرّد نسخةٍ متقدّمة من AI هو تبسيطٌ مُضلِّل.الحقيقة أنّه انتقال من ذكاءٍ يُدار… إلى ذكاءٍ يُدير ذاته. من أداةٍ محسوبة… إلى كيانٍ معرفيٍّ يتكوّن باستمرار.وهنا، يُعتَبَر الفارق ليس تقنيًّا بقدر ما هو حضاريًّا. السؤال الذي لا تستطيع الآلة تجاهُلَه حين نُعلِّم الآلة كيف تُعلِّم نفسها، فإنّنا لا نبتكر تقنيّةً جديدة فحسب، بل نكتب فصلًا جديدًا من علاقتنا مع المعرفة والسلطة والمسؤوليّة. AGI ليس تهديدًا بحدّ ذاته، ولا خلاصًا آليًّا كما يُروَّج له. إنّه اختبارٌ لنا نحن: هل نملك الحكمة لنضع حدودًا لما نُطلقه؟ وهل نحن مستعدّون لعالمٍ لا تكون فيه الآلة أذكى فحسب، بل أكثر قدرةً على التعلّم منّا؟ لأنّ أخطر ما في الذكاء الاصطناعيّ العام… أنّه قد يُجبر الإنسان أخيرًا على إعادة تعريف معنى الذكاء نفسه.