لم تبدأ القصةُ بقرارٍ رسميّ، ولا بمرسومٍ منشورٍ في الجريدة الرسمية. بدأت «على الساكت». خطوةٌ ناعمةٌ في بلدةٍ هنا، تعديلٌ بلدي بسيط هناك، ثم ما لبثت «كرةُ الثلج» أن كبرت، وانتقلت من بلدةٍ إلى أخرى في نطاق شرق صيدا، لتتحوّل إلى ظاهرةٍ عمرانيّة–سياسيّةٍ مكتملة الأركان: إعادةُ تصنيفِ الأراضي والعقارات المشتراة من «خارج البلدات»، وتحديدًا من أبناء صيدا، عبر خفضٍ مفاجئٍ لنِسَب الاستثمار والبناء. الذريعةُ المعلَنة تنظيميّة. أمّا النتيجةُ الواقعيّة، فهي واحدة: قطعُ الطريق أمام الامتداد العمرانيّ الطبيعيّ لمدينة صيدا نحو محيطها، في ظلّ الارتفاع الكبير لأسعار الأراضي وكلفة البناء داخل المدينة نفسها. المحاربية..نموذجٌ واضح في الأسابيع الأخيرة، برزت قريةُ «المحاربية» كنقطة اشتباكٍ واضحة. القريةُ الصغيرة الملاصقة لبلدة «جنسنايا» كانت، حتى وقتٍ قريب، تخضع لشروط استثمارٍ واضحةٍ ومُغرية: عاملُ استثمارٍ سطحيٍّ بنسبة 25%، عاملُ استثمارٍ عامٍّ بنسبة 50%، ارتفاعٌ أقصى يبلغ 9 أمتار، السماحُ ببناء عدة بلوكات، طابقٌ سفليّ، طابقٌ إضافيّ (المعروف بـ«طابق الميقاتي»)، وإمكانُ إصدار عدة سندات ملكية للعقار الواحد. هذه الشروط لم تكن تفصيلاً. على أساسها جرى إفرازُ عشرات العقارات الكبيرة، لا سيّما في محيط مطعم المختار، إلى مساحاتٍ تقارب 1200 مترٍ مربّع، ما سهّل بيعها. دُفِعت رسوم الإفراز، وأُنجزت عمليات البيع، وانتقل معظم هذه العقارات إلى ملكية صيداويين، بأسعارٍ اعتُبرت يومها «جيدة» لأهالي البلدة. اليوم، ومع طلبِ تعديلٍ مفاجئٍ على نسب الاستثمار، هبطت أسعارُ هذه الأراضي بشكلٍ حادّ. والسؤالُ البديهيّ الذي يطرحه المتضرّرون: لو علم المشترون بنيّة خفض الاستثمار، هل كانوا اشتروا أصلًا؟ المفارقةُ الصارخة أنّ بلدةَ «جنسنايا»، الملاصقة للمحاربية جغرافيًّا وبنيويًّا، لا تزال تتمتّع بالشروط الاستثمارية الكاملة نفسها التي يُراد اليوم سحبها من المحاربية. لا فاصلَ طبيعيًّا، ولا اختلافَ بيئيًّا، ولا ضغطَ بنيويًّا يبرّر هذا التباين. هنا، يخرج الملفُّ من إطار «التنظيم» إلى شبهة «التمييز الإداريّ غير المبرَّر»، بما يخالف مبدأَ المساواة بين مناطق متجاورة تخضع للواقع نفسه. أين أصبح الملف؟ بحسب معلومات «البوست»، فإنّ الملف بات اليوم قيد الدرس داخل المجلس الأعلى للتنظيم المدني. المسارُ الإداريّ واضح: دراسةٌ تقنيّة داخل المجلس (قد تمتدّ من عدة أشهر إلى سنة)، رفعُ اقتراحٍ نهائيّ، إحالةُ الاقتراح إلى مجلس الوزراء، صدورُ مرسوم، وعندها فقط يصبح التعديلُ قانونًا نافذًا. النقطةُ المفصلية هنا أنّه، حتى هذه اللحظة، لا يوجد مرسومٌ نافذ. أي أنّ أيّ تضييقٍ أو منعٍ أو «أمر واقع» يُفرض اليوم هو سياسيّ–معنويّ أكثر منه قانونيًّا. قانونيًّا، يقف المتضرّرون على أرضٍ صلبة. فالعقارات بيعت، وأُفرزت، ودُفِعت رسومُها، واستندت عملياتُ الشراء إلى أنظمة بناءٍ نافذة آنذاك. أيّ تعديلٍ لاحقٍ يؤدّي إلى خفض قيمة العقار يمكن اعتباره مسًّا بالحقوق المكتسبة، وهو مبدأٌ راسخ في اجتهادات مجلس شورى الدولة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ تغيير القواعد بعد الإفراز والبيع يفتح الباب أمام توصيفٍ أخطر: إخلالٌ بمبدأ حسن النيّة، وتحميلُ المالك وحده كلفةَ قرارٍ إداريٍّ متأخّر. النافذةُ لا تزال مفتوحة، لكنها تضيق. قبل وصول الاقتراح إلى مجلس الوزراء، يمكن، نظريًّا وعمليًّا، التأثير عبر: مذكرةٍ قانونيّةٍ جماعيّة من المالكين المتضرّرين تُرفَع إلى التنظيم المدني والوزارات المعنيّة، توثيقِ الخسائر الماليّة عبر خبراء تخمين، المطالبةِ الصريحة بإبقاء نسب الاستثمار على حالها للعقارات المبيعة، أو حصرِ أيّ تعديلٍ بالأراضي غير المبيعة مستقبلًا، إضافةً إلى تحضير ملفّ طعنٍ كامل تحسّبًا لصدور المرسوم. ما يجري في شرق صيدا لا يمكن عزله عن سياقٍ أوسع: مدينةٌ محاصَرة داخل حدودها، وريفٌ يُعاد تشكيله بقواعد جديدة تمنع «المدّ الصيداوي» من التقدّم. الأدواتُ قانونيّة، واللغةُ تقنيّة، لكن النتيجةَ تمييزيّة بامتياز. الاختبارُ الحقيقيّ ليس في نوايا التنظيم، بل في القدرة على حماية من اشترى وبنى قراره على قانونٍ قائم. فإذا مرّ هذا التعديل بصيغته المتداولة، لن يكون مجرّد إعادة تصنيف، بل تكريسًا لمبدأٍ يُشرّع تغيير القواعد بعد البيع، ويفتح بابًا واسعًا لنزاعاتٍ عقاريّةٍ وقضائيّةٍ لن تُقفل بسلاسة.
لم يبدأ يوم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أمس من القاعات الرسمية ولا من البيانات الدبلوماسية، بل من ذاكرة شخصية عند “سنسول” مرفأ بيروت. هناك، وأثناء جولته التفقدية في المرفأ أمس، توقّف لحظة ليقول لمدير عام المرفأ مروان نفّي: «هنا، في مطلع شبابي عام 1970، كنت أقف قبل سفري إلى الولايات المتحدة، أمضي ساعات طويلة في صيد السمك». لقطة قصيرة، لكنها كاشفة. في مكان يُختزل غالبًا بلغة الأرقام والسيادة والملفات الحساسة، عاد المرفأ ليظهر كمساحة ذاكرة قبل أن يكون منشأة استراتيجية. من هذه اللحظة الإنسانية، انطلقت زيارة السفير، التي حملت في جدولها عناوين سياسية واقتصادية وأمنية، لكنها افتُتحت بحكاية شخصية تختصر علاقة قديمة ببيروت، سبقت المنصب والدبلوماسية والتمثيل الرسمي.
ليس الإعلانُ العالميُّ لحقوق الإنسان نصًّا كونيًّا كما يُقدَّم في الكتب المدرسية والخطابات الأممية. هو، في أفضل حالاته، وثيقةٌ أخلاقيةٌ انتقائية، وفي أسوأها أداةٌ خطابية تُستخدم لتجميل نظامٍ دوليٍّ يميّز بين البشر بوقاحةٍ قانونية. الفلسطيني هو الدليلُ الأكثر فجاجةً على هذا التمييز، لأنه الحالة التي لا تنطبق عليها القاعدة، ولا تُمنَح شرفَ الاستثناء النبيل، بل تُترك في المنطقة الرمادية حيث تُعلَّق الحقوق بلا مساءلة. هنا تسقط كلُّ ادّعاءات الحياد. ما يجري ليس تقاسمًا عادلًا للأعباء، بل إعادةُ إنتاجٍ للمنطق نفسه الذي يحكم القضية الفلسطينية منذ عقود: الفلسطيني يدفع، وغيره يُعفى. منذ ولادته، لم يكن الفلسطيني متساويًا في الكرامة أو الحقوق. وُلد لاجئًا أو واقعًا تحت احتلال، وتحوّل بمرور الوقت إلى «حالةٍ إنسانيةٍ مزمنة»، وهي التسمية المهذّبة لحرمانٍ دائم من الحماية القانونية والسياسية. الإعلانُ الذي يُفترض أنه عالميٌّ لم يمنحه حقَّ العودة، ولا الحمايةَ من الاحتلال، ولا حتى المساواة داخل المؤسسات التي أُنشئت خصيصًا من أجله. الجنسيةُ كمعيارٍ في النظام الدوليّ المعاصر، لا تُقاس إنسانيةُ الفرد بكونه إنسانًا، بل بجواز سفره. الفلسطيني، الذي لا يحمل دولةً ذات سيادة، يدفع ثمن هذا الفراغ السياسي يوميًّا، ليس فقط على الحواجز الإسرائيلية، بل داخل مكاتب الأمم المتحدة نفسها. هنا يتحوّل غيابُ الجنسية إلى نقصٍ في القيمة، وإلى مبرّرٍ غير مُعلَن للتمييز. هذا التمييز لا يُمارَس على الهامش، بل في قلب البنية الأممية. المؤسساتُ التي ترفع شعار الحياد والإنسانية تعمل وفق هرميةٍ واضحة: الدولي في القمّة، المحلي في القاع، والفلسطيني في أدنى الدرجات، لأنه يجمع بين المحليّ واللاجئ في آنٍ واحد. الأونروا: العقابُ باسم الإدارة قرارُ المفوّض العام لوكالة الأونروا خصمَ 20 في المئة من رواتب الموظفين المحليين الفلسطينيين، مع استثناء الموظفين الدوليين أصحاب الرواتب الأعلى والامتيازات الأوسع، ليس إجراءً ماليًّا اضطراريًّا، بل فعلٌ سياسيٌّ بامتياز. هو إعلانٌ غير مكتوب بأن الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، وبالتالي هو من يجب أن يدفع ثمن فشل النظام الدولي في تأمين تمويلٍ مستدام لوكالة أنشأها المجتمع الدولي نفسه. لا يمكن تبرير هذا القرار بالحديث عن «أزمةٍ مالية» دون الاعتراف بأنه يكرّس تمييزًا على أساس الجنسية. الموظفُ الفلسطيني، الذي يعيش أصلًا تحت ضغطٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ خانق، يُطلب منه أن يتحمّل العجز، بينما يُحمى الموظف الدولي من أي مساس، لا لسببٍ سوى أنه يحمل جنسيةً أقوى، ويمثّل مركزَ النظام لا هامشه. من الحماية إلى الضبط الاجتماعي بهذا القرار، تنتقل الأونروا من كونها وكالةَ حمايةٍ مؤقتة إلى أداةِ ضبطٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمجتمعٍ لاجئ. تخفيضُ الرواتب ليس تفصيلًا إداريًّا، بل رسالةٌ سياسيةٌ واضحة: الاستقرار يُشترى بالحدّ الأدنى، والكرامة قابلةٌ للتأجيل، والحقوق مرتبطةٌ بالقدرة على التحمّل. الفلسطيني هنا لا يُعامَل كموظفٍ متساوٍ، بل كلاجئ يجب أن «يتفهّم الظروف»، وهي العبارة التي تُستخدم عالميًّا لتبرير الظلم عندما يكون الضحية بلا نفوذ. الإعلانُ العالمي بلا أنياب تكمن مشكلةُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أنه نصٌّ بلا أدوات إلزام، وبلا استعدادٍ سياسيٍّ لتطبيقه عندما يصطدم بمصالح الدول الكبرى. لذلك يفشل الإعلان كلَّ مرة يُختبَر فيها في فلسطين، لأن تطبيقه هناك يتطلّب مواجهةَ الاحتلال، ومساءلةَ التمييز، وكسرَ هرمية النظام الدولي نفسه. الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيدٍ من البيانات الأممية، بل إلى تفسيرٍ بسيط: لماذا لا تُطبَّق القواعد ذاتها على الجميع؟ ولماذا يصبح التمييز مقبولًا عندما يكون الضحية فلسطينيًّا؟ أزمةُ نظام… لا أزمةُ رواتب ما يحدث اليوم داخل الأونروا ليس أزمةً ماليةً عابرة، بل عرضٌ لمرضٍ أعمق: نظامٌ دوليٌّ يرى الفلسطيني عبئًا دائمًا، لا إنسانًا متساويًا. الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان، في صيغته الحالية، ليس مظلّةَ حمايةٍ للفلسطيني، بل واجهةٌ أخلاقيةٌ لنظامٍ يعرف جيدًا من يستحق الحقوق، ومن يمكن التضحية به. طالما بقيت الإنسانيةُ مشروطةً بالجنسية، وطالما استُخدم الفلسطيني صمامَ أمانٍ لأزمات الآخرين، سيبقى الإعلان العالمي نصًّا جميلًا… لا يصل إلى المخيّم، ولا يحمي من التمييز، ولا يمنع الظلم عندما يكون مُنظَّمًا. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/01/الفلسطيني-خارج-الانسانية.mp4