علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية مطّلعة أنّ شخصية سياسية–اقتصادية نافذة في منطقة جزين دخلت في اتصالات غير معلنة مع شخصية صيداوية ذات طابع تقني، في مسعى لبحث إمكانية تحويل كسارة أحجار متوقفة عن العمل منذ فترة إلى مطمر لنفايات بلدات قضاء جزين، في خطوة توصف بأنها حلّ اضطراري لمعالجة أزمة النفايات المستجدّة. وبحسب المعلومات، يأتي هذا التحرّك على وقع التصعيد البلدي الأخير بعد قرار بلدية صيدا رفض استقبال نفايات قضاء جزين في معمل معالجة النفايات في المدينة، ما أدخل الملف في مرحلة توتر سياسي–مناطقي، وفتح الباب أمام خيارات ميدانية سريعة قد تتجاوز الاعتبارات البيئية. وتشير المصادر إلى أنّ إعادة طرح الكسارات كمطامر محتملة يعكس حالة إرباك رسمي وعجز حكومي عن تقديم حلول مركزية، في مقابل اندفاع قوى سياسية–اقتصادية للبحث عن مخارج عملية تُخفّف الضغط الآني، ولو على حساب السلامة البيئية أو اعتراضات المجتمعات المحلية. في موازاة هذه التحرّكات، عُقد اجتماع قبل يومين ضمّ وزيرة البيئة تمارا الزين ورئيس بلدية صيدا وعددًا من رؤساء بلديات قضاء جزين، انتهى إلى وعد من الوزيرة بإدراج بند إيجاد مطمر لنفايات القضاء على جدول أعمال مجلس الوزراء، تفاديًا لانفجار الأزمة وتداعياتها السياسية والشعبية. غير أنّ مصادر «البوست» حذّرت في ظل حساسية ملف المطامر وسوابق الاعتراضات الشعبية عليه، تُطرح تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت أزمة نفايات جزين تتّجه نحو حلّ منظّم وشفاف، أم نحو تسوية موضعية عالية المخاطر قد تنقل الأزمة من بعدٍ خدمي إلى اشتباك بيئي–سياسي مفتوح.
علمت جريدة «البوست» من مصادر مطّلعة أنّ «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا» أقرّت عمليًا قرارًا يقضي بـخفض رواتب نحو 30 ألف موظف فلسطيني محلي اعتبارًا من 1 شباط/فبراير المقبل، بنسبة تقارب 20%، في خطوة توصف داخل أوساط الوكالة بأنها إجراء أمني–سياسي مقنّع بغطاء مالي. وبحسب المعلومات، يطال الخفض حصريًا الموظفين الفلسطينيين المحليين، الذين يتراوح متوسّط رواتبهم بين 1000 و1500 دولار أميركي شهريًا، ما يعني دفع آلاف العائلات الفلسطينية نحو حافة الانهيار المعيشي، في واحدة من أكثر المراحل الإنسانية والأمنية خطورة منذ تأسيس الوكالة. في المقابل، جرى استثناء الموظفين الدوليين والمسؤولين الغربيين من أي اقتطاع، حيث يستمرّون في تقاضي رواتبهم كاملة، والتي تتراوح بين 8000 و17 ألف دولار أميركي شهريًا، ما يكشف عن تمييز مالي صارخ داخل المؤسسة، قائم على الجنسية والموقع الوظيفي. وتؤكّد المصادر أنّ القرار لا يمكن فصله عن مسارٍ أوسع من إعادة هيكلة قسرية للأونروا، تُدار تحت إشراف المفوّض العام فيليب لازاريني، وتستهدف تفريغ الوكالة من كوادرها الفلسطينية عبر الضغط المعيشي، بدل اللجوء إلى قرارات فصل جماعية ذات كلفة سياسية وقانونية أعلى. وتشير المعطيات إلى أنّ هذا الإجراء يأتي في سياق تفكيك ناعم لدور الأونروا، عبر ضرب الاستقرار الوظيفي للفلسطينيين العاملين فيها، ولا سيما أولئك الذين يواصلون العمل في بيئات خطِرة ومناطق نزاع مفتوحة، في وقت تُلقى فيه أعباء العجز المالي على طرف واحد فقط. مصادر قانونية رأت في القرار انتهاكًا مباشرًا لواجب الرعاية، ومخالفةً لمبادئ عدم التمييز والتناسب التي تُفترض في عمل الوكالات الأممية، محذّرة من أنّ خفض الرواتب في هذا التوقيت قد يحمل تداعيات اجتماعية وأمنية داخل المخيمات ومناطق اللجوء، تتجاوز البعد المالي إلى ما هو أخطر.
في قطاع غزة، لا يأتي الشتاءُ فصلًا عابرًا، بل يأتي كاختبارٍ قاسٍ للروح والجسد معًا. في ليلةٍ تهبّ فيها الرياح بعنف، وتُغرق الأمطار الخيام الهشّة، لا يعود البردُ «طقسًا»، بل يتحوّل إلى عدوٍّ مرئيٍّ يزحف إلى العظام، ويُطفئ الدفءَ المتبقّي في صدور الناس، ويجعل كلَّ دقيقةٍ داخل خيمةٍ ممزّقة معركةً للبقاء ليست بيتًا… لكنها كلّ ما يملكون على الورق تُسمّى خيامًا، وعلى الأرض تُشبه أقمشةً متعبة مشدودة على أوتادٍ في تربةٍ موحلة. حين تتساقط الأمطار، لا تتسرّب المياه «قليلًا»، بل تقتحم المكان اقتحامًا؛ تُبلّل الفرش، تُغرق البطانيات، وتحوّل الممرّات إلى برك. وحين تشتدّ الرياح، لا تُصدر صفيرًا فقط؛ إنّها تقتلع وتُسقط وتكسر كلّ ما تجده في طريقها. وفي غزة، حيث تقف كثير من الجدران المتصدّعة على حافة الانهيار، تصبح الرياح نفسها خطرًا قاتلًا. في مشاهد تتكرّر هذا الشتاء، تُسجَّل وفيات بسبب انهياراتٍ في محيط أماكن الإيواء المؤقتة، وبسبب البرد القارس الذي يفتك بالرضّع والأطفال عندما تُصبح الأغطية مبلّلة، ولا وقودَ للتدفئة، ولا جدرانَ حقيقية تعزل الهواء.وكالة «أسوشيتد برس» تحدّثت عن وفاة طفلٍ بعمر عام نتيجة انخفاض حرارة الجسم في دير البلح، ضمن حصيلةٍ تشمل قتلى سقطوا عندما انهارت جدران أو هوت أجزاء من مبانٍ متضرّرة على خيام نازحين. أرقامٌ تُترجم إلى وجعٍ يومي بحسب تقريرٍ لـ«رويترز» نُشر اليوم، تسبّبت العاصفة بمقتل ما لا يقلّ عن ستّة أشخاص، وألحقت أضرارًا واسعة بخيام النازحين، وسط حديثٍ عن آلاف الخيام التي تضرّرت خلال وقتٍ قصير. التقرير ذاته ينقل عن الأمم المتحدة تقديرًا بأن نحو 850 ألف شخص في مئات مواقع النزوح لا يزالون معرّضين بشكلٍ مرتفع لخطر الفيضانات، مع حاجةٍ كبيرة لمواد الإيواء، من بينها مئات آلاف الخيام الجديدة. هذه ليست «إحصاءات» باردة؛ إنّها أسماء، وعائلات، ورضّع يستيقظون على ماءٍ فوق وجوههم بدل أن يستيقظوا على صباحٍ آمن. وتؤكّد تقارير أممية أنّ العواصف الشتوية في أواخر كانون الأوّل/ديسمبر ومطلع كانون الثاني/يناير عرّضت عائلاتٍ للبرد ولمياه فيضاناتٍ ملوّثة، ما يرفع مخاطر الأمراض ويُفاقم هشاشة الحياة في مواقع النزوح. كثيرون يتنقّلون بين خيمةٍ تتطاير أطرافها، ومسجدٍ أو مبنى متضرّر، بحثًا عن حائطٍ يصدّ الريح لساعات الناس في غزة لا يواجهون عاصفةً فقط، بل يواجهونها وهم مثقلون بسنواتٍ من الاستنزاف والخوف والخسارة. هنا، لا توجد رفاهية «التجهيز للشتاء»: لا خزانةَ ملابس، لا مدافئَ آمنة، لا وقودَ كافيًا، ولا حتى قدرةً على تبديل أغطيةٍ مبتلّة بأخرى جافّة. كثيرون يتنقّلون بين خيمةٍ تتطاير أطرافها، ومسجدٍ أو مبنى متضرّر، بحثًا عن حائطٍ يصدّ الريح لساعات. وفي كلّ انتقال، تسقط أشياء صغيرة، لكنّها مفصلية: بطانية، وثيقة، دواء، حليب طفل… تفاصيل تبدو بسيطة في أيّ مكانٍ آخر، لكنّها في غزة تُساوي الحياة. الشتاء لا يصنع الأزمة وحده، لكنّه يكشفها بلا رحمة. يكشف معنى أن تعيش أسرةٌ كاملة داخل قماشٍ لا يمنع الماء ولا يوقف الريح. يكشف معنى أن تُصبح «الدفاية» حلمًا، وأن تتحوّل «الملابس الجافّة» إلى كنز، وأن يُصبح الرضيع مهدَّدًا لأنّ الخيمة لا تعرف كيف تحمي حرارة جسده. غزة التي تُقاوم… تُستنزف حتى في تفاصيلها. وفي نهاية كلّ يوم، لا يطلب أهل غزة رفاهيةً ولا امتيازًا؛ يطلبون أبسط ما يحتاجه الإنسان ليبقى إنسانًا: سقفًا لا ينهار، خيمةً لا تغرق، بطانيةً لا تُصبح إسفنجة، وممرًّا آمنًا لوصول الإغاثة والمواد الأساسية قبل أن يسبقها البرد إلى صدور الأطفال. وبين العاصفة والعتمة، تُسمَع الحقيقة الأكثر قسوة: هناك شعبٌ يُمتحن في كلّ شيء… حتى في الطقس.