تحوَّلَتِ الليلةُ الأولى من «حانوكا»، عيدِ الأنوارِ اليهوديّ الذي يرمزُ إلى انتصارِ النورِ على الظلامِ، والأملِ على اليأس، إلى ليلةٍ من الرعبِ والدماءِ على شاطئِ بوندي الشهير في سيدني فبينما كانتِ العائلاتُ تتجمَّعُ لإضاءةِ الشمعةِ الأولى احتفالًا بالمعجزةِ والصمود، فتحَ مسلَّحانِ النارَ على الحشود، مُخلِّفَين وراءهما 12 قتيلًا وعشراتِ الجرحى، ومُحوِّلَين مناسبةَ الفرحِ إلى ذكرى مؤلمة ستظلُّ محفورةً في ذاكرةِ الأمّة. «حانوكا» يحتفلُ اليهودُ في جميعِ أنحاءِ العالم بعيدِ «حانوكا» لمدّةِ ثمانيةِ أيّام، ابتداءً من اليومِ الخامسِ والعشرين من شهرِ «كيسليف» وفقَ التقويمِ العبريّ. ويُعرَفُ العيدُ أيضًا باسم «عيد التدشين»، وتعودُ قصّتُهُ إلى القرنِ الثاني قبلَ الميلاد، عندما نجحت ثورةٌ بقيادةِ يهوذا المكّابي في استعادةِ الهيكلِ المقدّس في القدس من الحكمِ السلوقيّ اليونانيّ. وعند محاولةِ إعادةِ إضاءةِ الشمعدانِ المقدّس (المنوراه)، يُروى أنّ الثوّار لم يجدوا حينها سوى جرّةِ زيتٍ صغيرة تكفي ليومٍ واحد، لكنّها، بمعجزةٍ، استمرّت في الاحتراقِ لثمانيةِ أيّامٍ كاملة. لهذا السبب، تستمرُّ احتفالاتُ «حانوكا» لثماني ليالٍ، حيث تقومُ العائلاتُ بإضاءةِ شمعةٍ جديدة كلَّ ليلةٍ على شمعدانٍ خاصّ يُسمّى «حانوكيا». ويرمزُ هذا الطقسُ إلى انتصارِ الإيمانِ والصمودِ في وجهِ القمع، وتزايدِ النورِ تدريجيًّا لتبديدِ الظلام. هجومُ بوندي ليس حادثًا معزولًا، بل هو أحدثُ حلقةٍ في تاريخِ أستراليا المعقّد مع التطرّف لا يمكنُ اختيارُ منفّذي هجومِ سيدني لليلةِ الأولى من «حانوكا» أن يكونَ مصادفة. فقد استهدفوا عمدًا تجمّعًا يحتفي بالبقاءِ والحرّيّةِ الدينيّة، إذ إنّ إضاءةَ الشمعةِ الأولى هي اللحظةُ التي يبدأُ فيها النورُ بالتغلّبِ على الظلام، ما يجعلُ الهجومَ اعتداءً رمزيًّا بقدرِ ما هو اعتداءٌ ماديّ. ووصفَ شهودُ عيانٍ مشاهدَ الرعبِ التي حلَّت محلَّ الأجواءِ الاحتفاليّة، حيث تناثرتِ الشمعدانات، ولُطِّختِ الأرضُ بالدماء، وتحولت أغاني العيد إلى صرخاتِ استغاثة. سياق أوسع هجومُ بوندي ليس حادثًا معزولًا، بل هو أحدثُ حلقةٍ في تاريخِ أستراليا المعقّد مع التطرّف. فمنذُ هجماتِ 11 سبتمبر، واجهتِ البلادُ تهديداتٍ متزايدة من الإرهابِ المستوحى من جماعاتٍ مثل «القاعدة» و«داعش». وقد شهدت أستراليا عدّةَ هجماتٍ وعمليّاتٍ إرهابيّةٍ جرى إحباطها، كان أبرزُها حصارُ مقهى «ليندت» في سيدني عام 2014، الذي نفّذه متطرّفٌ منفرد وأسفر عن مقتلِ رهينتين. في السنواتِ الأخيرة، برزَ تهديدٌ جديدٌ ومقلقٌ بالقدرِ نفسه من اليمينِ المتطرّف. وكان الهجومُ الذي نفّذه الأستراليّ برينتون تارانت على مسجدَين في كرايستشيرش بنيوزيلندا عام 2019 بمثابةِ جرسِ إنذارٍ صادم، كاشفًا عن شبكاتٍ من الكراهيةِ العابرةِ للحدود، تتغذّى على الفضاءِ الرقميّ. ردًّا على ذلك، رفعت وكالاتُ الاستخباراتِ الأستراليّة مستوى التهديدِ من الإرهابِ اليمينيّ المتطرّف، الذي بات يُشكّل نسبةً كبيرة من التحقيقاتِ الجارية في ملفّاتِ مكافحةِ الإرهاب. هجومُ الليلةِ الماضية، الذي نفّذه نافيد أكرم (24 عامًا) وشريكه، يقعُ عند تقاطعِ هذه التهديدات، ما يثيرُ تساؤلاتٍ عميقة حول ما إذا كان يُمثّل تطرّفًا دينيًّا تقليديًّا، أم شكلًا جديدًا من أشكالِ الكراهيةِ العنيفة التي تتغذّى على الاستقطابِ العالميّ. بينما صنّفتِ السلطاتُ الأستراليّة الحادثَ رسميًّا على أنّه «عملٌ إرهابيّ»، لا يزالُ المجتمعُ المحليّ يرزحُ تحت وطأةِ صدمةٍ عنيفة. ففي الوقتِ الذي كان من المفترضِ أن تتّجهَ فيه الأنظارُ إلى وهجِ الشموعِ المتزايدِ كلَّ ليلة، أُجبرَ العالمُ على النظرِ إلى الظلامِ الذي خلّفه هذا العنف.
بِكَلِماتٍ مُبسَّطةٍ ومباشرةٍ، يُمكِنُ القولُ إنَّ “الجماعةَ الإسلاميّةَ” في لُبنانَ تتحدّى واشنطن، وأنَّها قدِ اتَّخَذَت قرارَها بخوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، في أيِّ وقتٍ ستُجرى فيه، وذلك عبرَ مجموعةٍ من الشخصيّاتِ الحزبيّةِ التي تمَّ اختيارُها داخليًّا لهذا الدَّورِ على كاملِ الأراضي اللّبنانيّة، حيثُ يتواجدُ للجماعةِ حضورٌ شعبيٌّ وتمثيليٌّ. وفي هذا الإطار، عَلِمَت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيّةٍ مُطَّلِعةٍ أنَّ “قرارًا مركزيًّا” اتُّخِذ قبل أيام على صعيدِ “الجماعة” محلّيًّا، يَقضي بعدمِ الاكتراثِ لموضوع العقوباتِ الأميركيّةِ الجديد، القاضي بإدراجِ الحزبِ اللّبنانيِّ المُرخَّص على قائمةِ الإرهاب، مع ما يستتبِعُهُ ذلك من تداعياتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّةٍ وماليّةٍ. وكشفتِ المصادرُ أنَّ مرشَّحي الجماعةِ الإسلاميّةِ على صعيدِ لُبنانَ قد تمَّ اختيارُهم (انتخابُهم) من قِبَلِ المجلسِ السياسيّ، وأنَّ نائب رئيس المكتب الدكتور بَسّام حَمّود سيكونُ مرشَّحَ الجماعةِ الذي سيخوضُ المعركةَ الانتخابيّةَ على صعيدِ دائرةِ صيدا–جَزّين، مع العلم أن أكثرَ المرشَّحينَ لخوضِ الانتخاباتِ قد تمَّ حسمُهم، ما عدا المرشَّحِ الذي سيُنافِسُ في الجبلِ عن المقعدِ السُّنّي الذي يُمثِّلُ بلداتِ وقُرى إقليمِ الخُروب. بهذا القرارِ المُتقدِّم، تكونُ الجماعةُ الإسلاميّةُ في لُبنانَ قد حسَمَتِ التكهُّناتِ والتأويلاتِ عن ترجيحِ عزوفِها عن خوضِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المُقبلة، إذعانًا للقرارِ الأميركيِّ «التِّرامبي» الأخير، القاضي بإدراجِها على لوائحِ الإرهاب، وللمحاذيرِ من التحالفاتِ السياسيّةِ التي قد تُركَّبُ معها جرّاءَ ذلك. وبذلكَ يكونُ حَمّودٌ أوَّلَ المرشَّحينَ “العلنيين” عن مَقعدَيْ عاصمةِ الجَنوب، من القوى السياسية في المدينة، على أنْ يَليهِ الآخرونَ تِباعًا.
في زمنٍ كانت فيه بيروتُ تبحثُ عن فسحةِ ضحكٍ وسطَ التوتّراتِ السياسيّةِ والاجتماعيّة، صعدَ شابٌّ نحيلٌ بوجهٍ طفوليٍّ وشاربينِ كثيفينِ إلى الخشبة، حاملًا اسمًا فنّيًا بسيطًا: شوشو. سرعان ما تحوّل هذا الاسمُ إلى مرادفٍ للمسرحِ نفسه؛ فـ«المسرحُ الوطنيّ» الذي أسّسه صار في ذاكرةِ الناس «مسرحَ شوشو»، والممثّلُ الشابّ غدا أيقونةً لضحكةِ الفقراء وهمومِهم في آنٍ واحد. من أحياء بيروت إلى خشبة التاريخ وُلِدَ حسنُ علاء الدين، المعروف بـ«شوشو»، عام 1939، وتعودُ أصولُ عائلته إلى بلدةِ جون في قضاءِ الشوف، قبل أن يتربّى في أحياءِ بيروتَ الشعبيّة، ولا سيّما منطقةَ البسطة التي شكّلت مسرحَ حياته الأوّل. هناك التقطَ تفاصيلَ الناسِ ولغتَهم، وحوّلها لاحقًا إلى شخصيّاتٍ و«نكاتٍ» حيّةٍ على الخشبة.بدأ طريقَه مع فرقِ الهواة، قبل أن يلتقيَ المخرجَ والكاتبَ محمّد شامل في منتصفِ الستينيّات، فيفتحَ له أبوابَ الإذاعةِ والتلفزيون. ومن كواليسِ البرامجِ الإذاعيّةِ والتلفزيونيّة خرجت جملةُ «كيفك يا شخص؟» لتصبح «كلمةَ السرّ» التي تعرّفَ الناسُ من خلالها إلى الصوتِ الجديدِ القادمِ من قلبِ الشارع. حجرٌ ثقافيّ في قلب بيروت عام 1965، شاركَ شوشو المخرجَ نزار ميقاتي في تأسيسِ «المسرحِ الوطنيّ اللبنانيّ»، في مغامرةٍ بدت حينها ضربًا من الجنون: مسرحٌ يوميّ، يفتحُ أبوابَه للجمهورِ بشكلٍ متواصل، ويقدّمُ عروضًا شعبيّةً بأسعارٍ في متناولِ الطبقةِ الوسطى والفقيرة.تحوّل المسرحُ إلى معلَمٍ ثقافيّ في قلبِ المدينة، فالتذكرةُ إليه كانت أشبهَ بتذكرةِ عبورٍ إلى عالمٍ يعكسُ حياةَ الناسِ بصدق، ويمنحُهم حقَّ الضحكِ على واقعِهم المرّ. لم تكن بيروتُ تعرفُ الاسمَ الرسميّ للمكان بقدرِ ما عرفت صاحبَه؛ يكفي أن يقولَ سائقُ التاكسي «مسرح شوشو» حتّى ينطلقَ بلا سؤال، كأنّه يذهبُ إلى ذاكرةٍ مشتركةٍ لا إلى عنوان.على تلك الخشبة قدّم شوشو عشراتِ المسرحيّاتِ التي مزجتِ الكوميديا بالنقدِ السياسيّ والاجتماعيّ، من بينها مسرحيّةُ «آخ يا بلدنا» التي عُرِضت عام 1973، واعتُبِرَت علامةً فارقةً في تاريخِ المسرحِ اللبنانيّ لحدّةِ نقدِها وجرأتِها في مقاربةِ قضايا الفقرِ والفسادِ والسلطة. ضحكٌ مرّ على وجع بلد لم تكن شخصيّةُ شوشو مجرّد «مهرّج» يُضحكُ الجمهور، بل كانت صورةً مركّبةً للإنسانِ البيروتيّ البسيط: ثيابٌ متواضعة، قبّعةٌ أو طربوش، حركاتٌ غيرُ متناسقة، ولسانٌ ساخرٌ يطلقُ المزاحَ ليكشفَ تناقضاتِ المجتمعِ والسلطة. عبر هذه الشخصيّة، استطاع أن يحوّلَ المسرحَ إلى مساحةِ نقاشٍ حيّةٍ بين الناسِ والواقعِ الذي يعيشونه.كانت عروضُه اليوميّة بمثابةِ نشرةٍ سياسيّةٍ شعبيّة، تتناولُ ارتفاعَ الأسعار، وفسادَ بعضِ المسؤولين، وتهميشَ الطبقاتِ الفقيرة، لكن بلغةِ الضحك لا بلغةِ الشعارات. لذلك أحبَّه الناس، وشعرَ كثيرون أنّه يتكلّمُ بلسانِهم، ويدافعُ عنهم من فوقِ الخشبة. المرضُ والديون هذه المغامرةُ المسرحيّةُ «الانتحاريّة» كانت لها كلفتُها القاسية. فالإصرارُ على مسرحٍ يوميٍّ بأسعارٍ متواضعة، مع ضعفِ الدعمِ الرسميّ وغيابِ البنيةِ الثقافيّةِ المستقرّة، راكمَ على شوشو ديونًا كبيرة. ومع بداياتِ الحربِ الأهليّةِ اللبنانيّة عام 1975، تراجعتِ الحركةُ المسرحيّة، وتفاقمت أزمتُه الماليّةُ والصحّيّةُ في آنٍ واحد.في 23 من تشرين الثاني/نوفمبر 1975، رحلَ شوشو عن 36 عامًا فقط، إثرَ نوبةٍ قلبيّةٍ بحسبِ روايات، تاركًا وراءه مسرحًا مثقلًا بالديون، وجمهورًا مصدومًا برحيلِ من اعتادَ أن يمسحَ عن وجهِه غبارَ الأيّامِ بالضحكة. لقد غلبَه المرضُ والدَّين، لكنّهما لم ينجحا في محوِ أثرِه من وجدانِ اللبنانيّين. من «مسرح شوشو» إلى شاشة غوغل بعد نصفِ قرنٍ على رحيلِه، ما زالت مسرحيّاتُ شوشو تُستعادُ على شاشاتِ التلفزيون ومنصّاتِ التواصل، وما زالت عباراته حاضرةً في ذاكرةِ أجيالٍ لم تعاصرْه. وفي عام 2014، خصّصت شركةُ «غوغل» رسمةً على صفحتِها الرئيسيّة في الذكرى الخامسة والسبعين لميلادِه، لتذكّرَ العالمَ بفنّانٍ لبنانيّ جعلَ من الكوميديا وسيلةً لمقاومةِ القهرِ اليوميّ. رحلَ شوشو فقيرًا كما بدأ، لكنّه تركَ وراءه ثروةً فنّيّةً حقيقيّة، ونموذجًا لمسرحٍ شعبيٍّ ملتزم، ودرسًا في أنّ الضحكَ يمكنُ أن يكونَ أداةَ مقاومة، لا مجرّدَ ترفٍ ترفيهيّ. وفي بلدٍ ما زال يعيشُ الأزماتِ نفسها من فقرٍ وفسادٍ وانقسام، يبدو أنّ صرخةَ شوشو في «آخ يا بلدنا» ما زالت صالحةً لزمنِنا، وأنّ بيروتَ التي عرفت مسرحَه لن تنسى بسهولةٍ من منحَها أجملَ ضحكاتِها في أحلكِ أيّامِها.