باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.
يَنقُلُ زوّارٌ ممّنِ التقوا النائبَ جُبران باسيل في الآونةِ الأخيرة، عنه، عند الحديثِ عن دائرةِ «صيدا–جزّين» في الانتخاباتِ النيابيّةِ المقبلة، حِرصَهُ الشديدَ على بذلِ كلِّ المُستطاع لإنجاحِ أملِ أبو زيد في هذا الاستحقاق. فكلُّ «هَمِّ» باسيل أن «يُقطِّع» أمل، بأيِّ الطُّرقِ المضمونة، ولهذه الغايةِ بات هناك تصوّرٌ مُتقدِّمٌ لدى ماكينةِ «التيّارِ العونيّ» من ترْكيباتِ التحالفاتِ وخريطةِ الطريقِ الواجبِ اتّباعُها. في هذا الإطار، تكشِفُ مصادرٌ مُتابِعةٌ لصحيفة “البوست” أنَّ التقارُبَ والتناغُمَ الواضحَ بين أبو زيد وإبراهيم عازار لا يعني بالضرورةِ حسمَ التحالفِ الانتخابيِّ بينهما، بل إنَّ المصلحةَ قد تفرِضُ الترشّحَ ضمنَ لائحتينِ مُنفصلتَيْن. وأنَّ بعضَ «اللاهثين» الصيداويّين من وراءِ الكواليسِ لِتركيبةٍ جزّينيّةٍ تُحقِّقُ أوهامَهُمُ ستصطدِم بالأنانيّةُ العونيّةُ التي لا تُراعِي إلّا مصالحَها الآنيّةَ الضيّقة. في الإطارِ نفسِه، يُؤكِّدُ مُتابِعون أنَّ «العونيّين» يتعاملون مع الانتخاباتِ اليوم وفقَ مبدأ «مَن لا مبدأَ له»، أي إنَّ الغايةَ تُبرِّرُ الوسيلةَ «على القِطعة»، وهم يتربّصونَ لإيجادِ «رافعةٍ» صيداويّةٍ تُستَخدَمُ كجسرِ عبورٍ نحوَ إيصالِ مُرشّحِهم إلى الكرسيِّ النيابيّ، تُستَخدَمُ كمَطيّةٍ قبل أن تُنسى وكأنّها لم تكن. لكنَّ «الصيداويّين» اليوم باتوا أكثرَ إلمامًا بحقيقةِ «العونيّين» بعدما اختبروهم في أكثرَ من موضع، واكتشَفوا رأيَهُمُ الفعليَّ حيالَ سكّانِ «ساحلِ جزّين»، كما يُسمّونها في «عنتريّاتٍ» بائدة. اهتمامُ باسيل الخاصّ والشديد بإنجاحِ أملِ أبو زيد يأتي من اعتباراتٍ أبعد من مجرّد المقعد الجزّيني. فالرجل يُمثّل بالنسبة لباسيل عنصرًا أساسيًّا في ترميمِ النفوذِ المسيحيّ في الدائرة، وركيزةً ماليّة–سياسيّة يحتاجها «التيّار» في أيّ معركةٍ مقبلة، خصوصًا في ظلّ التراجع الذي أصابَ حضوره الشعبيّ. كما أنَّ أبو زيد يُشكّل واجهةً “مقبولةً” لدى جزءٍ من القوى المحليّة والمرجعيات الصيداوية، ما يجعلُ نجاحَهُ مدخلًا لإعادة تفعيل شبكةِ التحالفات التي خسرها التيار بسبب سوء سياساته تباعًا خلال السنوات الأخيرة. لذلك يرى باسيل في فوزِ أبو زيد معركةَ «وجودٍ» لا مجرّد استحقاقٍ انتخابيّ، ومحاولةً لإثبات أنَّ التيّار لا يزال قادرًا على هندسةِ النتائج في جزّين، مهما تبدّلت التحالفات وموازين القوى.
الخيانةُ ليستْ حدثًا طارئًا يمرّ في هوامشِ الأيّام، بل جُرحٌ أسودُ يبقى مفتوحًا في جسدِ الأُمّة. قد يصرّ البعضُ على أنّ الزمنَ دواءٌ للجراح، لكنَّ خيانةَ الوطنِ لا تُشفى، لأنّها تعيشُ في ذاكرةِ الجماعةِ وتُورَّث كتحذيرٍ أبديّ.ومشهدُ مقتلِ العميل «ياسر أبو شباب» في غزّة أمس ليسَ مجرّدَ نهايةِ رجلٍ فقدَ بوصَلَتَه؛ إنّه جرسُ إنذارٍ جديدٌ يُذكّرُ بأنَّ مَن يسقطُ في يدِ الاحتلال يُمحى اسمُه قبل أن يُدفَن جسدُه. من لحد إلى غزّة تاريخُ العملاءِ في منطقتِنا يكتبُ فصولَه المريرةَ بوقائعَ لا تتغيّر. في جنوبِ لبنان، وقفَ أنطوانُ لحد على رأسِ جيشٍ خدمَ الاحتلال، وظنَّ أنَّ البندقيّةَ التي يسلّمُها العدوُّ لِمَن يَرتضيها ستصنعُ لهُ مجدًا. عاشَ سنواتِه الأخيرةَ في منفى قاحلٍ، لا وداعٌ في مطار، ولا قبرٌ في ترابِ الوطن. نامَ على أسرّةٍ غريبةٍ لا تتذكّره، وماتَ بلا يدٍ تُصافحُه للمرّةِ الأخيرة.وفي غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة، وأنَّ مَن يرفعُ السلاحَ في وجهِ أبناءِ شعبِه، يكتبُ نهايتَه بيديه. فجاءَه الموتُ من نفسِ اليدِ التي دلّلَته وهندستْ انحرافَه. ماتَ قربَ عدوِّه لا قربَ أهلِه، على سريرٍ مُنفِّرٍ لا يُشبِهُ تاريخَه ولا يُشبِهُ المكانَ الذي خرجَ منه طفلًا فلسطينيًّا كباقي الأطفال. في غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة كيفَ يولدُ الخائن؟ الخيانةُ ليستْ قرارًا عابرًا يُتّخذُ في ليلةِ غفلة. إنّها سلسلةُ تنازلاتٍ تبدأ حين يتزعزعُ الإيمانُ بالوطن، حين يتحوّلُ الانتماءُ إلى زائدةٍ يمكنُ استئصالُها دونَ ألم. وأحيانًا يُخدَعُ المالُ صاحبَه، فيُصدّقُ أنّه أصبحَ أعلى من الناس. وأحيانًا يضغطُ الخوفُ، فيتخيّلُ الخائنُ أنَّ النجاةَ لا تأتي إلّا من بوّابةِ العدوّ. لكنْ في الحالتين، ينسى أنَّ الاحتلالَ لا يبني صداقات، بل يصنعُ أدوات. يدفعُ العميلَ إلى الصدارةِ مؤقّتًا، لا حبًّا به، بل لاستخدامِه جسرًا لتصفيةِ حساباتٍ مع شعبِه.ثمّ، حين تنتهي الوظيفةُ، يُترَكُ الجسرُ وحدَه، يتآكلُه السقوط، ويُصبِحُ مجرّدَ خشبةٍ مكسورةٍ على طرفِ الحكاية. موتٌ بلا وداع الاختلافُ شأنٌ وطنيٌّ صحيّ، تصنعُهُ الحرّيةُ وتضبطُهُ المسؤولية. أمّا الخيانةُ، فهي القطيعةُ الكاملةُ مع ضميرِ الوطن. فالذي يخونُ لا يعودُ مُعارِضًا سياسيًّا، بل يتحوّلُ إلى رصاصةٍ في يدِ الغريب. لا يُطلِقُ النارَ في الهواء، بل يُصيبُ القلوبَ مباشرةً. في لحظةٍ واحدةٍ، يتحوّلُ من ابنٍ للبلد إلى غريبٍ منبوذٍ، مهما رفعَ من شعاراتٍ أو ادّعى نوايا.وحين تتلوّنُ أصابعُهُ بدماءِ الأبرياء، يصبحُ الوطنُ بالنسبةِ إليه مجرّدَ رقعةٍ جغرافيّةٍ لا تستحقُّ البقاءَ ولا تستحقُّ الدفاع.مات «أبو شباب» في غزّة ولم يقتربْ من جثمانِه صديقٌ ولا جار. لم يُبكَ في المخيّمات، ولم يُرفَعْ له علم. تحوّل موتُه إلى راحةٍ جماعيّة، كأنَّ الأرضَ تخلّصتْ من ثقلٍ كان يختنقُ على صدرِها. الصورةُ مؤلمةٌ لكنها عادلة: لا أحدَ يستطيعُ أن يطلبَ من الناسِ احترامَ مَن أهانَهم بالسلاح، وأجازَ دمَهُ بيعًا وشراءً تحت حراسةِ المحتلّ.لقد خرجَ من الجغرافيا الفلسطينيّة قبل أن يُغادِرَها فعليًّا. تخلّى عنه الوطنُ منذ اللحظةِ التي رفعَ فيها بندقيّتَه على صدورِ أبنائه. وما حدثَ اليوم ليسَ إلّا إسدالَ السّتارةِ على فصلٍ كان يجبُ أن يُطوى منذ زمن. حصانةُ المجتمعِ معالجةُ الخيانةِ لا تكونُ بالانتقامِ وحده، بل بالبحثِ في جذورِها. فالأرضُ التي تُهمَلُ تُنتجُ تشقّقات، والتشقّقاتُ تسمحُ للعدوّ بالتسرّب. حمايةُ المجتمعِ من خطرِ العمالةِ تبدأ بحياةٍ عادلةٍ تحفظُ الكرامة، بإعلامٍ يرفعُ الوعي، بتعليمٍ يجعلُ الانتماءَ قيمةً غيرَ قابلةٍ للمساومة، وبوطنٍ لا يتركُ أبناءَه فريسةً للخوفِ والجوعِ والوحدة.فالهدفُ ليسَ فقط معاقبةَ الخائنين، بل منعُ ولادتِهم من جديد. روائح كريهة رغم سعيه الدؤوب لاسترضاء أطراف سياسية وقوى فاعلة في المدينة، عبر باقة من الخدمات والأموال المصروفة تحت مسمّيات متعدّدة، إلا أنّ روائح كريهة فاحت من العديد من المشاريع التي كانت تنفّذها “جمعية حسونة”. وُجّهت له، ولجمعيته، العديد من التهم والمساءلات، جعلت السكوت عنها صعباً، بل مستحيلاً، حتى وصل الأمر إلى إخضاع الجمعية للتحقيق من قبل منظمة اليونيسف، التي وضعتها لاحقًا على “اللائحة السوداء”، وأوقفت التعامل معها. وقد انعكس ذلك تراجعًا ملحوظًا في نشاطه وحضوره، وأدّى إلى تقوقعه في مكتب منزوٍ في قرية لبعا شرق صيدا، معتمدًا على مشاريع صغيرة لتسيير الوقت، تحيّناً لفرصة جديدة للانقضاض على المدينة عبر مجلسها البلدي القادم. قد يرى فضل الله حسونة في نفسه أنه قدّم لصيدا، وأنّ ما يقوم به هو “جزء من حقه المكتسب”، نظراً لدوره في صفوف “الحركة الوطنية” إبان الاجتياح الإسرائيلي. لكن الهدف من هذا المقال، وما سيليه، ليس النيل من الرجل أو جمعيته أو عمله، بل هو دقّ ناقوس الخطر لتنبيه المدينة إلى مسارات شاذة ومؤذية، لا بد من تصحيحها. فالسكوت عنها… يصبح مشاركة في الإضرار بصيدا وأهلها. وهي من المهام التي أخذت “البوست” على عاتقها التصدي لها لمصالح المدينة وأهلها، مهما كانت الأثمان. مَن يختارُ أن يكونَ ابنًا للعدوّ، يفقدُ حقّه في أن يكونَ ابنًا للوطن. ومَن يموتُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، لا يستحقُّ أن يحظى بمأتمٍ يليقُ بالبشر. سيظلُّ اسمُه عبرةً: مثالًا على أنّ الخيانةَ لا تجلبُ الأمن، بل تتركُ صاحبَها جثّةً باردةً في حضنٍ غريب. ما أبشعَ أن يموتَ الإنسانُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، وما أرحمَ أن يرحلَ واقفًا على أرضِه، محمولًا على أكتافِ الذين يشبهونه ويحبّونه.