قراءة تاريخية وسياسية في أوجه التشابه بين القيادة اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية والقيادة الإيرانية المعاصرة، وحدود المقارنة بين مصير الإمبراطور هيروهيتو ومستقبل الجمهورية الإسلامية العقيدة أقوى من حسابات القوة لم تخسر اليابان الحرب العالمية الثانية لأنها افتقرت إلى الشجاعة، ولا لأن قادتها كانوا يجهلون قوة الولايات المتحدة. لقد دخلت حربًا مع خصم يتفوق عليها صناعيًا واقتصاديًا، بعدما أصبحت الخيارات السياسية أسيرة حسابات المؤسسة العسكرية، والخوف من التراجع، والاعتقاد بأن القدرة على إلحاق خسائر بالعدو يمكن أن تعوّض الاختلال الكبير في موازين القوة. هنا تبدأ المقارنة مع إيران المعاصرة. فالمشكلة التي تستحق الدراسة ليست التشابه بين الجيش الإمبراطوري الياباني والحرس الثوري الإيراني في العقيدة أو التنظيم، وإنما التشابه المحتمل في الطريقة التي تُدار بها الأزمات عندما تصبح المحافظة على هيبة النظام ومصداقية ردعه عاملًا قد يطغى على الحسابات الاقتصادية والعسكرية. لكن المقارنة الدقيقة تتطلب الاعتراف منذ البداية بحقيقة أساسية: إيران ليست اليابان الإمبراطورية، والنظام الدولي اليوم ليس نظام عام 1945. ومع ذلك، تقدم التجربة اليابانية درسًا بالغ الأهمية عن الكيفية التي قد تقود بها التقديرات الخاطئة للقدرة على الصمود دولةً إلى نتائج تتجاوز بكثير ما كانت قيادتها مستعدة لقبوله عند بداية المواجهة. المؤسسة العسكرية… شريك كانت اليابان قبل الحرب العالمية الثانية تملك مؤسسات حكومية مدنية، وبرلمانًا، وحكومة يرأسها رئيس وزراء. لكن هذه المؤسسات لم تكن تمتلك السيطرة الكاملة على القوات المسلحة. فقد تمتع الجيش والبحرية اليابانيان باستقلال مؤسسي واسع، واستطاعت القيادات العسكرية التأثير بصورة حاسمة في تشكيل الحكومات والقرارات الاستراتيجية. كما أدى التنافس بين الجيش والبحرية، وتعدد مراكز القرار، إلى صعوبة الوصول إلى سياسة موحدة توازن بين الأهداف العسكرية والموارد المتاحة لتحقيقها. لم يكن الإمبراطور هيروهيتو مجرد رمز منفصل تمامًا عن صنع القرار، كما حاولت بعض الروايات اللاحقة تصويره، فقد كان جزءًا من النظام الذي اتخذ قرارات الحرب، وإن ظلت درجة مسؤوليته المباشرة عن القرارات المختلفة موضع نقاش تاريخي. أما في إيران، فإن العلاقة بين السياسة والعسكر تتخذ شكلًا مختلفًا، لكنها تثير سؤالًا مشابهًا عن توزيع السلطة الفعلية. فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية تنفذ قرارات حكومة مدنية مستقلة عنها، وإنما مؤسسة ذات امتدادات أمنية واقتصادية وسياسية، ترتبط بمنظومة السلطة المحيطة بموقع المرشد الأعلى. ومن ثم، فإن القرارات المتعلقة بالأمن القومي، وبمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالسياسة الإقليمية، لا يمكن فهمها من خلال الحكومة المنتخبة وحدها. وجه الشبه الحقيقي هو وجود مؤسسة عسكرية وأمنية تتمتع بنفوذ سياسي واستراتيجي يتجاوز الوظائف العسكرية التقليدية. لكن الفارق جوهري أيضًا؛ فقد عانت اليابان من انقسامات وتنافس بين مراكز القيادة العسكرية، بينما تقوم البنية الإيرانية على مركز سلطة أعلى ترتبط به مؤسسات أمنية وعسكرية متعددة. ولذلك، لا يجوز الاستنتاج تلقائيًا أن إيران تعاني الانقسام القيادي نفسه الذي عرفته طوكيو. skip render: ucaddon_material_block_quote إرادة القتال لا تعوّض التفوق المادي عندما قررت اليابان مهاجمة بيرل هاربر في السابع من ديسمبر 1941، كان قادتها العسكريون يدركون أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات صناعية واقتصادية تفوق قدرات بلادهم. لم تكن خطتهم الأساسية تقوم على غزو الولايات المتحدة أو تدمير قدرتها الصناعية، بل على توجيه ضربة استباقية لأسطولها في المحيط الهادئ، والاستيلاء على مواقع استراتيجية وموارد حيوية، ثم بناء وضع عسكري يجعل استمرار الحرب مكلفًا بما يكفي لدفع واشنطن إلى قبول تسوية. كان الرهان، في جوهره، على أن تحقيق مكاسب عسكرية مبكرة ورفع تكلفة المواجهة يمكن أن يغيّر القرار السياسي الأميركي. لكن هذا الرهان فشل. لم تؤدِّ الضربة اليابانية إلى إخراج الولايات المتحدة من الحرب، بل ساعدت على توحيد الرأي العام الأميركي خلف خوضها، ثم سمح التفوق الصناعي الأميركي بتحويل الحرب الطويلة إلى صراع استنزاف لم تستطع اليابان مجاراته. في الحالة الإيرانية، يظهر وجه شبه محتمل في الاعتماد على الردع غير المتكافئ. فبدلًا من محاولة مضاهاة التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي والإسرائيلي بصورة مباشرة، بنت إيران جانبًا مهمًا من قدرتها على الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء والشركاء الإقليميين، وعلى إمكان تهديد المصالح العسكرية والاقتصادية لخصومها. هذه الاستراتيجية ليست غير عقلانية بطبيعتها، بل إن الردع غير المتكافئ قد يكون وسيلة فعالة لدولة تواجه خصومًا أكثر تقدمًا عسكريًا. وتبدأ المشكلة إذا افترضت القيادة أن قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها تعني بالضرورة قدرتها على فرض شروط إنهاء الحرب. فإيلام العدو شيء، وإجباره على قبول تسوية سياسية شيء آخر. قد تمتلك الدولة الوسائل الكافية لرفع تكلفة المواجهة، من دون أن تمتلك القدرة على منع خصومها من تدمير جزء كبير من بنيتها العسكرية أو الاقتصادية. وهذا تحديدًا أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة اليابانية. التراجع أخطر سياسيًا من المواجهة واجهت القيادة اليابانية في عام 1941 أزمة استراتيجية حقيقية. كانت الحرب في الصين تستنزف الموارد اليابانية، كما أدت العقوبات الأميركية، وخصوصًا القيود النفطية التي بلغت مرحلة شديدة في عام 1941، إلى تهديد قدرة اليابان على مواصلة سياستها العسكرية. وجد القادة اليابانيون أنفسهم أمام خيارات صعبة: تقديم تنازلات كبيرة في الصين والهند الصينية، أو مواجهة تدهور قدرتهم العسكرية بمرور الوقت، أو الدخول في حرب للحصول على الموارد وفرض واقع استراتيجي جديد. لكن هذه الخيارات لم تكن متساوية في نظر المؤسسة العسكرية. فالتراجع كان يعني، بالنسبة إلى قطاعات مؤثرة داخل القيادة، تقويض الإنجازات التي قدمتها للرأي العام باعتبارها دليلًا على عظمة اليابان ومكانتها. هكذا أصبح الدفاع عن الهيبة عنصرًا مؤثرًا في قرار الحرب. في الحالة الإيرانية، ترتبط السياسة الإقليمية والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بتاريخ طويل من الشرعية الثورية والخطاب السياسي والاعتبارات الأمنية. قد تجعل هذه العلاقة تقديم التنازلات أكثر تعقيدًا، لأن بعض الخيارات قد يُفسَّر داخل النظام أو بين مؤيديه بوصفه تراجعًا عن مبادئ أساسية. لكن علينا التمييز بين أمرين: أن يكون التراجع مكلفًا سياسيًا، وأن يكون مستحيلًا. فإيران سبق أن أظهرت قدرة على البراغماتية عندما رأت قيادتها أن استمرار المواجهة يهدد مصالح أكثر جوهرية. وأوضح مثال على ذلك قبول آية الله الخميني قرار وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، بعد حرب استمرت ثماني سنوات، رغم أن هذا القرار كان مؤلمًا سياسيًا ورمزيًا. وبالتالي، لا يصح القول إن القيادة الإيرانية ترفض التسويات بطبيعتها. إنما السؤال الأدق هو: هل تستطيع القيادة الإيرانية، في لحظة أزمة كبرى، الفصل بين بقاء الدولة والنظام من جهة، والحفاظ على صورة الانتصار والمكانة السياسية من جهة أخرى؟ ذلك هو السؤال نفسه الذي تأخرت القيادة اليابانية في الإجابة عنه. الصمود يستنزف الدولة بحلول عام 1944، كانت فرص اليابان في تحقيق نصر عسكري حاسم قد تضاءلت بشدة، ومع ذلك، استمرت الحرب. لم يكن جميع القادة اليابانيين يعتقدون بإمكان تحقيق انتصار شامل. فقد راهن بعضهم على أن إلحاق خسائر هائلة بالقوات الأميركية، خصوصًا عند محاولة غزو الجزر اليابانية، قد يدفع واشنطن إلى تخفيف شروط الاستسلام. هنا
ماذا تفعل أمة حين تجفّ ذاكرتها؟ تخترع بطلًا. تُلبسه عباءة، وتمنحه عضلات لا يعرفها علم التشريح، وتجعله يطير فوق المدن، ثم تبيعه للأطفال والكبار بوصفه المنقذ الذي سيصل دائمًا في اللحظة الأخيرة. وإذا لم تكفِ السماء لسوبرمان، خرج باتمان من كهف مظلم، بلا قوة خارقة هذه المرة، لكنه يمتلك ما يكفي من المال والتكنولوجيا ليصبح مليارديرًا يرتدي قناعًا، ويطارد المجرمين ليلًا، ويعيد العدالة إلى مدينة عجزت مؤسساتها عن حمايتها. هكذا تصنع الثقافة الحديثة أساطيرها: شاشة، ومؤثرات بصرية، وقناع، ومدينة متخيّلة، وعدو يتجدّد كلما انتهت الحكاية، كي لا تنتهي الأسطورة، ولا يتوقف الجمهور عن انتظار المنقذ. لكن في الذاكرة الإسلامية حكاية مختلفة تمامًا. لم نكن بحاجة إلى اختراع رجل يطير كي نصدّق أن البطولة ممكنة، فقد كان لدينا رجال يمشون على الأرض، وينزفون عليها، ويغيّرون مجرى التاريخ فوقها. رجال لم يحتاجوا إلى قوى خارقة، لأن ما امتلكوه من إيمان وشجاعة وعزيمة وذكاء كان كافيًا ليجعل من سيرتهم ما يفوق الخيال أحيانًا. من هؤلاء سعد بن أبي وقاص. لا عباءة… بل قوس وسهم كان سعد شابًا من قريش، عُرف بمهارته في الرمي وصناعة القِسِيّ والسهام. وحين جاء الإسلام، لم يكن ينتظره عالم سينمائي صُمّم خصيصًا كي ينتصر فيه، ولا سيناريو يضمن له النجاة في المشهد الأخير. كان أمامه مجتمع يعاديه، وأم تضغط عليه، وقريش تراقب خطوته الأولى، وطريق شاق لا يعرف إلى أين سينتهي. أسلم وهو في مقتبل شبابه، وتذكر الروايات أنه كان في نحو السابعة عشرة من عمره، ودفع ثمن إيمانه مبكرًا. وحين حاولت أمه أن تدفعه إلى التراجع عن دينه، ثبت على اختياره، من دون أن يتخلى عن واجب البرّ بها. فكان موقفه درسًا مبكرًا في أن العقيدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قرارًا يتحمّل الإنسان تبعاته، مهما بلغت التضحيات. وتروي كتب السيرة أنه في مكة، حين تعرّض المسلمون للاعتداء وهم يصلّون، تناول سعد عظم فكّ جمل وضرب به أحد المعتدين، فكان ذلك، بحسب الروايات، من أوائل الدماء التي أُريقت في المواجهات التي شهدتها الدعوة الإسلامية. تأملوا المفارقة: بطل العالم الحديث يحتاج إلى مختبر سرّي، أو كوكب آخر، أو ثروة بمليارات الدولارات كي يحصل على قدراته الخارقة، بينما لم يحتج سعد إلى شيء من ذلك. كان يكفيه قوس وسهم وإيمان لا يتزعزع. فالبطولة الحقيقية لا تبدأ حين يمتلك الإنسان ما يعجز عنه الآخرون، بل حين يفعل بما يملك ما يعجز الآخرون عن فعله. skip render: ucaddon_material_block_quote «ارمِ سعد»… حين كانت البطولة بشرًا في غزوة أُحد، لم يكن سعد ممثلًا يؤدّي مشهدًا بطوليًا أمام كاميرا، ولا شخصية يعرف كاتب السيناريو مسبقًا أنها ستنجو مهما اشتدّ الخطر. كان رجلًا من لحم ودم، يقف في مواجهة الموت، حيث لا مجال لإعادة تصوير المشهد إن أخطأ، ولا مؤثرات خاصة تعيد الحياة إلى من يسقط. ثبت إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ يرمي المشركين، وكان النبي يناوله السهام ويقول له: «ارمِ، فداك أبي وأمي»، وهي من مناقبه الثابتة في الأحاديث الصحيحة. أيّ كتابة سينمائية تستطيع أن تبتكر مشهدًا أكثر قوة من هذا؟ وأيّ بطل متخيّل يمكنه أن ينافس رجلًا يقاتل دفاعًا عن عقيدته ونبيّه، وهو يعلم أن الموت ليس مشهدًا تمثيليًا، بل احتمال قائم مع كل سهم؟ وتنقل كتب المناقب والسِّيَر أيضًا دعاءً منسوبًا إلى النبي لسعد: «اللهم سدّد رميته، وأجب دعوته»، فارتبطت سيرته بالدعاء كما ارتبطت بالقوس والسهم، وبالشجاعة كما ارتبطت بالثبات. لم يكن سعد خارقًا للطبيعة، لكنه كان واحدًا من أولئك الذين أثبتوا أن الإنسان العادي قد يصنع أفعالًا استثنائية حين تتجاوز قوةُ إرادته حدودَ خوفه. المريض يقود معركة إمبراطورية ثم جاءت القادسية، وهنا تصبح الحكاية التاريخية أكثر إثارة من كثير من السيناريوهات التي تنتجها هوليوود. جيش مسلم يواجه واحدة من أعظم القوى العسكرية في عصره، الإمبراطورية الساسانية، وسعد بن أبي وقاص يتولى القيادة. لكن المفارقة أن قائد المعركة لم يكن في كامل عافيته؛ فقد أصابه المرض وأقعدته آلامه عن ركوب الخيل والنزول إلى الميدان. ماذا كان سيفعل البطل السينمائي في موقف كهذا؟ غالبًا ما كان سيستعيد قوته في الدقيقة الأخيرة، ويرتدي بزته الخارقة، ويقفز إلى قلب المعركة ليقضي على أعدائه بضربة واحدة. أما سعد، ففعل شيئًا أكثر واقعية، وربما أكثر عبقرية. لم يجعل من عجز الجسد هزيمة للعقل. تولّى إدارة المعركة من موضع مرتفع، يراقب تحركات الجيش ويوجّه قادته ويصدر أوامره، رغم المرض الذي حال دون مشاركته المباشرة في القتال. وانتهت القادسية بانتصار المسلمين ومقتل القائد الفارسي رستم، في معركة شكّلت منعطفًا حاسمًا في الصراع مع الإمبراطورية الساسانية. لم تكن البطولة هنا في قوة العضلات، ولا في القدرة على تحطيم الجدران أو الطيران فوق الجيوش، بل في عقل ظلّ يقظًا حين عجز الجسد، وفي قائد عرف كيف يحوّل ضعفه الشخصي إلى امتحان لقوة القيادة. فليس البطل من لا يعرف الضعف، بل من يعرف كيف ينتصر على ظروفه، حتى وهو في أشدّ لحظات ضعفه. من القادسية إلى دجلة ثم مضى سعد بجيشه نحو المدائن، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، حيث واجه المسلمون نهر دجلة، بعدما سعى الفرس إلى الاستفادة من النهر بوصفه حاجزًا طبيعيًا يحول دون تقدّمهم. وهنا تروي المصادر التاريخية مشهدًا يبدو، لو كُتب اليوم في فيلم تاريخي، وكأنه مبالغة من خيال كاتب يبحث عن الإثارة: عبور النهر بالخيل والفرسان، في مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر. وتنقل بعض الروايات أن الفرس أصابتهم الدهشة وهم يشاهدون المسلمين يعبرون الماء، حتى وصفوهم بما يفيد أنهم يواجهون قومًا من المجانين. لكن التاريخ لا يُكتب دائمًا بمنطق الحذر، ولا تُحسم معاركه الكبرى دائمًا بالخيارات الأكثر تقليدية. دخل المسلمون المدائن، وسقط مركز الحكم الساساني في أيديهم، ودخل سعد إيوان كسرى، وتذكر الروايات أنه صلّى فيه شكرًا لله. هنا لم تكن المسألة مجرد عبور نهر، بل عبور مرحلة تاريخية كاملة. فالجيش الذي خرج من شبه الجزيرة العربية أصبح يقف في قلب واحدة من أعظم إمبراطوريات العالم القديم. لم يكن سعد بحاجة إلى أن يطير فوق دجلة كـ«سوبرمان»؛ فقد كان المشهد، بكل ما فيه من مخاطرة وإقدام، كافيًا ليحتفظ له التاريخ بمكانه. ليست البطولة أن تطير فوق المدن، بل أن تغيّر مصائرها وأنت تمشي على الأرض البطولة ليست أن تنتصر فقط لكن اختزال سعد بن أبي وقاص في المعارك وحدها يظلمه، ويختزل شخصيته في صورة المحارب الذي يعرف كيف يستخدم سيفه ولا يعرف متى يضعه جانبًا. فبعد الفتوحات في العراق، ارتبط اسمه بتأسيس الكوفة وتنظيمها، وهي المدينة التي تحوّلت لاحقًا إلى واحدة من أبرز حواضر العلم والفقه والسياسة والأدب في التاريخ الإسلامي. وهنا تتجاوز البطولة حدود الميدان العسكري إلى القدرة على بناء المدن وتنظيم شؤون الناس وصناعة الاستقرار بعد الحرب. ثم جاءت الفتنة الكبرى، فوجد سعد نفسه
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial ليست المسألة دعوة إلى العنف بقدر ما هي تحذير من السذاجة السياسية؛ فحين يفرض طرفٌ قواعد القوة، يصبح التعامل معه بلغة الأمنيات ضربًا من الانتحار السياسي. ولعل لبنان هو المكان الأكثر احتياجًا إلى فهم هذه الجملة، بعدما تحوّلت السياسة فيه، طوال عقود، إلى فنّ تأجيل الحقيقة. نختلف على البيانات، ونتجادل حول الصياغات، ونُنتج تسويات مؤقتة، بينما السؤال الحقيقي يقف في منتصف الغرفة: من يملك القدرة على فرض ما يريد عندما تنهار الكلمات؟ المشكلة ليست في غياب الكلام لبنان لا يعاني نقصًا في الخطب، ولا في المبادرات، ولا في طاولات الحوار. لديه فائض من الكلام يقابله عجز مزمن عن تحويل الدولة إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على حماية قرارها. المشكلة أن بعض القوى السياسية ما زالت تتصرف وكأن جميع اللاعبين يجلسون حول الطاولة نفسها، وبالقواعد نفسها، بينما الواقع أكثر قسوة. هناك من يدخل السياسة حاملًا مشروعًا، وهناك من يدخلها حاملًا شبكة مصالح، وهناك من يدخلها حاملًا السلاح. ومن الخطأ أن تتوقع من هؤلاء جميعًا أن يتعاملوا مع الدولة باعتبارها المرجعية ذاتها. الدولة التي لا تستطيع فرض قانونها بالتساوي على الجميع تتحوّل تدريجيًا من دولة إلى مساحة تفاوض بين مراكز القوة. في لبنان، كثيرًا ما جرى التعامل مع الأزمات الكبرى بمنطق «النوايا الحسنة»، وكأن حُسن النية يستطيع أن يحلّ محلّ ميزان القوة. لكن السياسة، كما يعرفها مكيافيلي وكما تثبتها التجارب، لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بالقدرة على تحويل الإرادة إلى واقع. وهنا لا يعني «إشهار السيف» أن يحمل اللبنانيون السلاح في وجه بعضهم بعضًا، بل أن تمتلك الدولة سيفها الشرعي: جيشًا قويًا، ومؤسسات قادرة، وقضاءً مستقلًا، واقتصادًا منتجًا، وقرارًا سياديًا لا يحتاج إلى ترجمة من عواصم الخارج. فمن يطلب من الدولة أن تكون قوية من دون أن يمنحها أدوات القوة، يشبه من يطلب من الطبيب إجراء عملية جراحية بيدين مقيّدتين. دولة لا هدنة أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن يعتاد اللبنانيون فكرة أن الاستقرار يعني فقط غياب الانفجار. الاستقرار الحقيقي ليس هدنة بين الأقوياء، بل وجود دولة تجعل اللجوء إلى القوة خارج مؤسساتها أمرًا غير ممكن سياسيًا وقانونيًا وعمليًا. أما استمرار إدارة لبنان بمنطق «لا غالب ولا مغلوب»، فقد يكون مفيدًا في لحظة لتجنّب الحرب، لكنه لا يصلح عقيدة دائمة لبناء دولة. فالبلد الذي يعيش إلى الأبد في منطقة رمادية بين الدولة والدويلات، وبين السيادة والتسويات، سيكتشف عاجلًا أم آجلًا أن الرمادي ليس لونًا سياسيًا، بل لون الانهيار. ربما تكون الرسالة الأهم في مقولة مكيافيلي أن السلام لا يحميه الضعف، وأن الحوار لا ينجح إذا كان أحد أطرافه يعتقد أن بإمكانه فرض شروطه بالقوة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعر السياسي، ولا إلى خطب جديدة عن السيادة والاستقلال. يحتاج إلى دولة تمتلك من القوة والشرعية ما يجعل الجميع مضطرين إلى أن يكونوا شعراء حين يجلسون إلى طاولة الحوار، لا حَمَلَةَ سيوف. فحين يصبح سيف الدولة أقوى من سيوف الجميع، عندها فقط يمكن للبنان أن يبدأ بكتابة قصيدته الوطنية الحقيقية.