لَم تَتَّضِحْ حتّى الآنَ الحقيقةُ الدّامغةُ للإشكالِ الّذي وقعَ منذ يومينِ على الكورنيشِ البحريِّ المُؤدّي إلى سوقِ السَّمكِ في مدينةِ صيدا، بينَ بائعي بَسْطاتِ السَّمكِ (الخارجيِّ) وعناصرِ الشُّرطةِ البلديّة.ومَهْما تَكُنِ الأسبابُ، ومَهْما تَختلِفِ التأويلاتُ والتَّبريراتُ، فالأكيدُ أنَّ طريقةَ المُعالجةِ تُظهِرُ “خِفّةً” وقِلّةَ خِبرةٍ في التَّعاطي بأمورِ الشَّأنِ العام، والتي تُبرِزُ هشاشةَ هذا المجلسِ البلديِّ في كلِّ مَحطّةٍ يُصادِفُها. يمكنُ أن يُقالَ الكثيرُ فيما حصل، لكنَّ من الصَّعبِ أن تَستوعِبَ وأن تتقبَّلَ أنَّ رئيسَ البلديّةِ مُصطفى حجازي، الّذي لَم يَنجحْ حتّى مساءِ أمسِ في مُعالجةِ المشكلةِ واحتوائِها، قرَّرَ أن يترُكَ البلدَ في هذا الوَضعِ المُتشنِّجِ والمُوتَّر، ويُسافرَ إلى كَنَدا للمُشاركةِ في مؤتمرٍ نأملُ ألّا يكونَ عن السَّمَنْدَلِ النَّهريِّ وكيفيّةِ تَزاوُجِه! أَيُعقَلُ أن يترُكَ مسؤولٌ موقعَهُ في هذا التوقيتِ الحَسّاس، الّذي لا تزالُ فيهِ الدِّماءُ على الإسفلتِ والسَّمَكُ في الطَّريق؟ وفي وقتٍ يقولُ مُطَّلِعونَ إنَّ ما حصلَ مع أصحابِ بَسْطاتِ السَّمكِ، مُرشَّحٌ لأن يحصلَ مع أشخاصٍ وجهاتٍ “تَغلي” بسببِ استنسابيّةِ تطبيقِ القانونِ وفقَ رؤيةِ عضوٍ مُحدَّدٍ في البلديّة دونَ غيره.
عندما حطّت طائرةُ البابا لاوون الرابع عشر في بيروت، لم تكن مجرد زيارة بابوية رابعة لأرض الأرز، بل كانت بمثابة وقفةِ تضامنٍ مع “رسالة” تكاد أن تتلاشى منذ أن أطلق البابا يوحنا بولس الثاني عبارته التاريخية عام 1997، “لبنان أكثر من بلد، هو رسالة”، نظر الكرسيّ الرسوليّ إلى هذا البلد الصغير كنموذجٍ فريدٍ للتعايش المسيحي–الإسلامي. لكن زيارة البابا الأميركي الأول تأتي في وقتٍ لم يعد فيه السؤال هو كيفية الاحتفاء بالرسالة، بل كيفية إنقاذها من براثن انهيارٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ غير مسبوق.فهل لا يزال لبنان قادراً على حمل هذه الرسالة، أم أن الأزمات المتلاحقة قد أفرغتها من مضمونها؟ تطوّر الرؤية البابوية لم تكن نظرة الفاتيكان إلى لبنان ثابتة، بل تطوّرت بتطوّر ظروف البلد نفسه، وهو ما تعكسه الزيارات البابوية الأربع بوضوح. كل زيارة كانت مرآةً لزمانها، تحمل رسالة محددة تتناسب مع السياق التاريخي والسياسي. الزيارة الأولى الزيارة الأولى كانت في عام 1964، حين توقّف البابا بولس السادس في مطار بيروت لمدة 55 دقيقة فقط، في طريقه من الأراضي المقدسة إلى الهند. كانت زيارة عابرة، لكنها حملت اعترافاً رمزياً بأهمية لبنان كمركز للمسيحية المشرقية. في ذلك الوقت، كان لبنان يعيش عصره الذهبي، حيث كان يُلقَّب بـ”سويسرا الشرق”، وكانت بيروت تُعتبر باريس الشرق الأوسط. لم يكن البابا بحاجة لأن يبقى طويلاً، فالبلد كان مستقراً ومزدهراً، والوجود المسيحي فيه كان قوياً ومؤثراً. الزيارة الثانية أما الزيارة الثانية، التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، فكانت نقطة تحوّل جوهرية في العلاقة بين الفاتيكان ولبنان. جاءت هذه الزيارة بعد سبع سنوات من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية المدمّرة، وفي وقتٍ كان فيه لبنان يعيش تحت الهيمنة السورية. استمرت الزيارة 32 ساعة، لكنها حُفرت عميقاً في الذاكرة الجماعية اللبنانية. في هذه الزيارة أطلق البابا مقولته الشهيرة التي أصبحت شعاراً وطنياً: “لبنان ليس بلاد الغلبة، بل هو أكثر من بلد، إنّه رسالةُ حرّيّةٍ وعيشٍ مشتركٍ مسيحيّ–إسلاميّ”. كان البابا يؤسّس لرؤية جديدة: لبنان ليس مجرد دولة صغيرة في الشرق الأوسط، بل هو نموذج عالمي للحوار بين الأديان والتعددية. كانت الرسالة واضحة: على العالم أن يحافظ على هذا النموذج، لأن نجاحه يعني إمكانية التعايش في منطقةٍ مشتعلةٍ بالصراعات. الزيارة الثالثة الزيارة الثالثة جاءت في سبتمبر 2012، عندما أصرّ البابا بنديكتوس السادس عشر على زيارة لبنان رغم التحديات الأمنية الخطيرة. كانت المنطقة تشهد ما يُسمّى بـ”الربيع العربي”، وكانت الحرب السورية قد بدأت للتو، مما جعل الأوضاع الأمنية في لبنان هشّة. لكن البابا جاء تحت شعار “سلامي أُعطيكم”، ليؤكد على أهمية لبنان كحصنٍ للاعتدال في وجه موجات التطرف التي كانت تجتاح المنطقة. رحّب البابا بالربيع العربي ووصفه بـ”الأمر الإيجابي”، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى “حلول حيوية” للأزمة السورية. كانت زيارته رسالة تحصين: لبنان يجب أن يبقى واحةَ استقرارٍ وسط العواصف. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من النموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً واليوم، في نوفمبر 2025، يأتي البابا لاوون الرابع عشر في سياقٍ مختلفٍ تماماً. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من مؤسسات الدولة والنموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً. لبنان 1997 مقابل لبنان 2025 لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من مقارنة لبنان الذي استقبل يوحنا بولس الثاني بلبنان الذي يستقبل اليوم لاوون الرابع عشر. في عام 1997، كان لبنان يخرج من حرب أهلية مدمّرة استمرت 15 عاماً، ويعيش تحت وطأة الهيمنة السورية. كانت التحديات سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، لكن كان هناك أملٌ في إعادة الإعمار وبناء الدولة. كان رئيس الوزراء رفيق الحريري يقود مشروعاً طموحاً لإعادة بناء بيروت ووسطها التجاري، وكانت الأموال الخليجية والغربية تتدفق على البلد. كانت “الرسالة” آنذاك مشروعاً للمستقبل، حلماً يمكن تحقيقه. كان اللبنانيون يؤمنون بأن الأسوأ قد مضى، وأن المستقبل سيكون أفضل. أما في عام 2025، فقد تغيّر المشهد جذرياً. التحديات لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت وجودية. يواجه لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحسب توصيف البنك الدولي. لم يعد التحدي هو إعادة بناء الحجر، بل إعادة بناء الثقة المفقودة في كل شيء: في الدولة، في المصارف، في الطبقة السياسية، وفي المستقبل نفسه. في هذا السياق، لم تعد “الرسالة” مشروعاً للمستقبل، بل أصبحت ذاكرةً مهددةً بالانقراض، حلماً يكاد اللبنانيون أن ينسوه تحت وطأة البحث عن أبسط مقومات الحياة. موجات الهجرة الجماعية، خاصة بين الشباب والمسيحيين، تهدد التركيبة الديموغرافية للبلد، وتضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الوجود المسيحي في لبنان. الشباب اللبناني لم يعد يسأل “كيف نبني المستقبل؟”، بل أصبح يسأل “هل لنا مستقبل هنا أصلاً؟”. من الدبلوماسية الناعمة إلى دبلوماسية الإنقاذ أمام هذا الواقع المأساوي، يتجاوز دور الفاتيكان اليوم الدبلوماسية الناعمة التقليدية إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية الإنقاذ”. لم يأتِ البابا لاوون الرابع عشر ليلقي خطباً روحية فحسب، بل جاء ليقوم بأفعال رمزية ذات دلالات سياسية وإنسانية عميقة. في خطابه الأول بالقصر الرئاسي في بعبدا، قال البابا:“علينا ضمان ألّا يشعر الشباب بأنهم مُجبَرون على مغادرة وطنهم، وذلك بصناعة السلام في بلدهم”. هذه الكلمات ليست مجرد نصيحة روحية، بل هي رسالة سياسية واضحة موجّهة للطبقة السياسية اللبنانية والمجتمع الدولي، بأن الأزمة اللبنانية لم تعد مسألة داخلية، بل أصبحت مسألة إنسانية تتطلب تدخلاً عاجلاً. البابا يُدرك أن الهجرة الجماعية للشباب تعني موت “الرسالة” ببطء، وأن إيقاف هذا النزيف يتطلب أكثر من الوعظ، يتطلب إصلاحات جذرية وحلولاً اقتصادية وسياسية ملموسة. برنامج الزيارة نفسه يحمل رسائل رمزية قوية. زيارة البابا لموقع انفجار مرفأ بيروت، حيث سيؤدي صلاة صامتة، هي تذكير بأن الفاتيكان لم ينسَ هذه الكارثة، وأن المطالبة بالعدالة والمحاسبة ليست مجرد شعار محلي، بل هي مطلب إنساني عالمي. زيارة مستشفى راهبات الصليب في جلّ الديب، حيث سيلتقي الطاقم الطبي والمرضى، هي إشادة بالمؤسسات الكنسية التي لا تزال صامدة وتقدم خدمات أساسية للمجتمع في ظل غياب الدولة. لقاء الشباب في الصرح البطريركي الماروني في بكركي هو محاولة لإعادة الأمل إلى جيل فقد الثقة بكل شيء. يدرك الفاتيكان أن إنقاذ “الرسالة اللبنانية” يتطلب أكثر من الصلوات. إنه يتطلب ضغطاً دولياً لإجراء إصلاحات حقيقية، ومساعدة إنسانية عاجلة، ودعماً للمؤسسات التربوية والصحية التي لا تزال صامدة، والتي تشكّل العمود الفقري للوجود المسيحي والمجتمع المدني في لبنان. زيارة البابا هي محاولة لحشد هذه الجهود، واستخدام القوة المعنوية الهائلة للكرسي الرسولي كرافعة لإنقاذ بلدٍ يترنح على
عامٌ على نهايةِ المجرمِ بشّار الأسد وسقوطِ نظامِ السفّاح وآلِ بيتِه.منذ أن دخل “الثوّار” دمشقَ فاتحين لعهدٍ جديدٍ من الحكمِ في سوريا، وإسرائيلُ تتعاملُ معهم وكأنّهم “حفنةٌ من الغوغاء” الذين يفتقرون الحدَّ الأدنى من “القوّة” العسكريّة التي قد تُهدِّد أمنَها المباشر، بعدما دمّرت السلاحَ السوريَّ “الخطير” وتركت للوافدين الجدد عشراتِ “الكلاشينكوف” تُؤهّلهم ليكونوا “شرطةً محليّة” لا أكثر.هذا ما تُريده قوى الاستعمار والاستيطان و”الرجلُ الأبيض” من الأنظمةِ القبليّة التي تنصِبُها علينا كمجموعاتٍ إثنيّة في هذا الجزء من العالم، كما في غيره كذلك. #### عمليةُ بلدةِ “بيت جنّ” التي حدثت في ريفِ دمشق منذ أيام، بين قوّةٍ إسرائيليةٍ توغّلت في أراضٍ سوريّة و”مقاومين” من أهالي البلدة قاتلوها وكبّدوها أكثرَ من 10 جرحى، إصاباتُ 3 منهم خطِرة، حدثٌ لافتٌ… لم يكن متوقَّعًا.اعتاد الإسرائيليّ، على مدى عامٍ منذ سقوط النظام، على غيابِ أيّ “ردِّ فعل” على فعله. لكن بضعةُ “كلاشينكوفات” أربكت حساباته ومسَلَّماته.لا يمكن تقديرُ حجمِ التغيير في المشهد الذي اعتدنا على رتابته منذ عام، لكنّ الأكيد أنّه تغيّر أو في طور التغيّر.بحسب المتداوَل، الذي حصل في “بيت جنّ”، أنّ قوّةً عسكريّةً إسرائيلية توغّلت في المنطقة لاعتقال 3 من ناشطي تنظيم “الجماعة الإسلامية”، بعد أيامٍ فقط على تصنيفها جماعةً إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأميركية. وأدّى العدوان الإسرائيلي إلى استشهاد أكثر من 12 مدنيًا سوريًا. #### “سهمُ باشان” هو الاسمُ الذي أطلقَته إسرائيل على الهجوم العسكريّ الذي شنّته ضد الجيش السوريّ بعد سقوط نظام الأسد.“باشان” Bashan تسميةٌ توراتية، تُشير في الموروث الديني إلى أراضٍ جنوبَ سوريا، شرقيّ الأردن، شمالَ شرقِ الأردن، ويعتبرها اليهود جزءًا من «الأرض الموعودة».أسماءٌ دينيةٌ لتبريرِ عمليّاتها وتكريسِ روايتها الأيديولوجيّة. إيحاءٌ بأنّ العملية ليست مجرد عملٍ عسكريّ بل تنفيذٌ لحقٍّ تاريخيّ، دينيّ، وجوديّ.زعمت إسرائيل أنّها دمّرت ما بين 70% إلى 80% من القدرات العسكريّة الاستراتيجيّة للجيش السوريّ. كما أعلنت أنّها سيطرت على مناطقَ مما يُسمّى «المنطقة العازلة» في جنوب سوريا، الجولان، هضبة الجولان، ومناطقَ مجاورة. #### يمتلك أحمد الشرع سلاحًا أقوى من المخزون الاستراتيجي الذي تم استهدافه. يملك أبو محمد الجولاني زرًّا نوويًا إن أحسن استخدامه: إنّه الفوضى.“الفوضى الجهادية”، في وجه إسرائيل والأميركيّ والغرب بأسره.يتصرّف الغرب مع الشرع باعتبارهم السبب في وجوده على سفح جبل قاسيون، وهو يتصرّف كالتلميذِ النجيب الذي يريد إسعادَ أستاذه بالعلاماتِ العالية والتصرّفِ الحسن.لم يمتلك حاكمُ دمشقَ منذ تولّيه السلطةَ ترفَ أن يلتقطَ أنفاسه. دائمًا هناك ما يقلق راحتَه، وعليه هو أن يجد حلًّا لها… لهم.لكن، ماذا لو عكس الآية؟ لو جعل من نقاط ضعفه، نقاطَ قوةٍ تجعلهم يقلقون “هم” كما يقلق “هو” الآن؟ماذا لو غضّ النظرَ عن فصيلٍ أو فصيلين، أو مجموعةٍ أو مجموعتين غيرِ منضبطة ترى وجوبَ الجهادِ ضدّ إسرائيل وإزالتها من الوجود؟ لتغير الكثير من المعادلات الراهنة.حينها يصبح الشرعُ ضرورةً لضبطِ إيقاعِ الفوضى، وتصبح الغطرسةُ الإسرائيليةُ والاستخفافُ بالآخر على غير ما نراه الآن من عربدة لا تقيم وزنا لشي، لا في السياسة، ولا في العسكر ولا في الانسانية..غيرَ ذلك… لا يفهم بنو صهيون. فإن كانت العيون تترقب زيارة “البابا” لبلد الأرز، وإن كان الحدث المرتقب إسرائيلياً ما بعد الزيارة، فلتبقى العين على الرقعة السورية، لأنها قد تكون “المفاجأة” في القادم من الأيام، فلننتظر…