بسرعة، تتحوّل صيدا وكأنها “موقف كبير” للسيارات. أمرٌ يلاحظه كلُّ من تطأ قدماه المدخلَ الشمالي للمدينة وصولًا إلى وسطها وحتى جنوبها. فرضت الحرب العدوانية الإسرائيلية تغيّرات كثيرة على المدينة، من بينها تحوّل العقارات الممتدة على طول ما يُعرف بـ”الأوتوستراد الشرقي” إلى معارض سيارات لتجّار من خارج المدينة، لا سيما من مناطق الجنوب، الذين قرروا أن تكون صيدا ملاذًا آمنًا لتجاراتهم وسياراتهم، وينافسون تجّار المدينة الذين يشكون كساد تجارتهم أصلًا. لا تنتهي القصة هنا، بل تبدأ فصولها المأساوية الآيلة إلى التنامي في القادم من الأيام. فبحسب مصادر عقارية مطّلعة لـ”البوست”، يتم تأجير الأراضي والعقارات على جانبي الأوتوستراد، وحتى في الشوارع الداخلية المتفرعة منه، بأرقام فلكية. منذ أيام فقط، أتمّ ثلاثة تجّار من الجنوب صفقة لعقد إيجار يمتد على فترة 3 سنوات لعقار لا تتعدى مساحته ألف متر، بمبلغ شهري يزيد عن 10 آلاف دولار، في وقت كان العقار نفسه معروضًا منذ مدة ولسنوات بأقل من ربع المبلغ المذكور. إنها البداية فحسب، لجنون عقاري يتفلّت من عقاله، وستتبيّن تداعياته في كل شيء، ليطال أهل الأرض قبل غيرهم، باعتبارهم الحلقة الأضعف، ماديًا ومعنويًا وسياسيًا…
في لبنان، لا يموت الرجال حين يُغتالون. يموتون حين تُهزم أفكارهم. ولهذا، بعد أكثر من عقدين على اغتيال رفيق الحريري، يبدو السؤال اللبناني الكبير اليوم: هل سقط مشروع الحريري مع الانهيار، أم أنّ الانهيار نفسه هو الدليل على الحاجة إلى عودته؟ منذ اتفاق الطائف، لم يكن مشروع الرئيس الحريري مجرد خطة لإعادة إعمار وسط بيروت، ولا مجرد ورشة اقتصادية ضخمة. كان مشروعاً كاملاً لإعادة إنتاج الدولة اللبنانية بعد الحرب: دولة عربية، منفتحة، مؤسساتية، مرتبطة بالعالم، وقادرة على تحويل الجغرافيا اللبنانية الصغيرة إلى مركز مالي وتعليمي وخدماتي في الشرق الأوسط. لكن ما جرى بعد عام 2005 لم يكن فقط اغتيال رجل. كان اغتيال فكرة الدولة نفسها. التسوية التي أنقذت لبنان ولم تُطبّق حين دخل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، كان يفترض أن ينقل لبنان من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات. وقد تمسّك تيار “المستقبل” تاريخياً باعتبار الطائف مرجعية نهائية للنظام اللبناني، ورفض أي محاولة للانقلاب عليه. فهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري باكراً أنّ إعادة بناء الحجر بلا إعادة بناء الشرعية السياسية لن تكفي. لذلك بنى مشروعه على ثلاثة أعمدة: تثبيت العيش المشترك. حماية الاقتصاد الحر. إعادة وصل لبنان بالعالم العربي والمجتمع الدولي. لم يكن الرجل زعيماً شعبوياً. كان رجل دولة يفكر بمنطق الاستثمارات، الجامعات، البنى التحتية، والمطار والمرفأ والاتصالات. كان يريد لبنان منصة لا ساحة، دولة لا صندوق بريد للحروب الإقليمية. skip render: ucaddon_material_block_quote بعد اغتياله والانسحاب السوري عام 2005، دخل لبنان مرحلة اختلال عميق في التوازن الوطني. الدولة بقيت نظرياً تحت سقف الطائف، لكن السلطة الفعلية انتقلت تدريجياً إلى منطق الدويلة والسلاح وتعطيل المؤسسات. ومع الوقت، صار هناك اقتصاد بلا دولة، ومصارف بلا سيادة، وحكومات بلا قرار. ثم جاءت التسويات المتتالية التي أرهقت جمهور الاعتدال. جمهورٌ كان يريد دولة طبيعية، فيما الواقع كان يدفع أكثر فأكثر نحو منطق المحاور. حتى داخل البيئة الحريرية نفسها، بدأت الأسئلة المؤلمة: هل خسر رفيق الحريري لأن مشروعه كان أكبر من لبنان؟ أم لأن لبنان محكوم بجغرافيا شديدة التعقيد؟ لكن الحقيقة الأوضح اليوم أنّ الانهيار أثبت شيئاً واحداً: كل البدائل التي قُدّمت عن مشروع الدولة سقطت. سقطت شعارات “الاقتصاد المقاوم”، وسقطت نظريات العزلة عن العرب، وسقطت فكرة أنّ لبنان يستطيع العيش خارج النظام المالي العالمي. والنتيجة كانت بلداً مفلساً، معزولاً، مدمّراً، يهاجر شبابه ويقف أهله على أبواب المصارف والأفران والسفارات. لبنان بعد الانهيار: هل تأخّرنا كثيرًا عن مشروع الحريري؟ لماذا يعود اسم الحريري اليوم؟ لأن اللبنانيين، بعد الجوع والانهيار، عادوا لاكتشاف الفرق بين دولة فيها مشاكل… ولا دولة على الإطلاق. في السنوات الأخيرة، عاد خطاب تيار “المستقبل” ليركّز على مفاهيم الدولة والاعتدال وإعادة الإعمار والهوية العربية للبنان. وقد أكّد الرئيس سعد الحريري في أكثر من مناسبة أنّ “تيار المستقبل” سيبقى “تيار الدولة والمؤسسات والاعتدال وإعادة الإعمار”. ولعل المفارقة أنّ المنطقة نفسها تغيّرت. فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، عاد الشرق الأوسط إلى لغة الاقتصاد والاستقرار والاستثمارات. الخليج يبني مشاريع ما بعد النفط، فالسعودية تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية، والإمارات تتحول لمركز (hub) مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وسوريا تدخل مرحلة إعادة ترتيب كبرى، فيما لبنان لا يزال غارقاً في حروب الماضي. هنا تحديداً يعود سؤال الحريرية السياسية: هل يستطيع لبنان أن يعيش خارج منطق الدولة الحديثة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يَعُد الذكاء الاصطناعي مجرّد ثورةٍ تقنيّة أو أداة لتحسين الإنتاجيّة وتسريع الابتكار، بل تحوّل إلى أحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل موازين القوّة في القرن الحادي والعشرين. فالتنافس بين القوى الكبرى لم يَعُد يقتصر على الاقتصاد أو التفوّق العسكري التقليدي، بل أصبح يدور، بصورة متزايدة، حول امتلاك القدرة على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في الاقتصاد والأمن والحرب وصناعة القرار خلال السنوات الأخيرة، انتقل الذكاء الاصطناعي من المختبرات ومراكز الأبحاث إلى قلب المشهد الجيوسياسي، حيث بات عنصرًا فاعلًا في إدارة الصراعات الحديثة، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرارات العسكرية والأمنية في الزمن الحقيقي. الحروب القادمة أظهرت التجارب العسكرية الحديثة أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات الواردة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار، وشبكات الاستخبارات، بما يسمح بتنفيذ عمليات أكثر دقّة وسرعة وفاعلية ممّا كان ممكنًا بالوسائل التقليدية. تشير هذه التطورات إلى أنّ الحروب المستقبلية لن تُحسم فقط بحجم الجيوش أو ترسانات الأسلحة، بل بمدى قدرة الدول على دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع والتحليل واتخاذ القرار. وفي أي مواجهة بين القوى الكبرى، قد تصبح الأفضلية للطرف القادر على تحويل البيانات إلى قرارات أسرع وأكثر دقّة من خصومه. skip render: ucaddon_material_block_quote الوجه الآخر للثورة الرقمية لكنّ التحوّل نحو الاعتماد المكثّف على الذكاء الاصطناعي لا يخلق فرصًا استراتيجية فحسب، بل يفتح أيضًا أبوابًا جديدة للمخاطر. فمراكز البيانات العملاقة، وشبكات الاتصالات، ومنشآت إنتاج الرقائق الإلكترونية، أصبحت تمثّل بنيةً تحتية حيوية يمكن أن تتحوّل إلى أهداف استراتيجية في أوقات الأزمات والصراعات. ومع تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية، لم تَعُد حماية الحدود الجغرافية وحدها كافية، بل أصبح الأمن الرقمي جزءًا لا يتجزّأ من مفهوم الأمن القومي. فتعطيل شبكة بيانات أو استهداف منشأة لإنتاج الرقائق قد تكون له آثار تعادل، أو تتجاوز، نتائج استهداف منشأة عسكرية تقليدية. الحرب السيبرانية تدخل عصرًا جديدًا يتزامن ذلك مع تصاعد المخاوف من جيل جديد من الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فالنماذج المتقدمة أصبحت قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية وتحليل الأنظمة الرقمية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ما يرفع من مستوى التهديدات التي قد تستهدف شبكات الطاقة والاتصالات والمرافق الحيوية والأسواق المالية. وفي هذا السياق، يتحوّل الفضاء السيبراني تدريجيًا إلى جبهة صراع رئيسية لا تقلّ أهمية عن البر والبحر والجو والفضاء. التفوّق ليس أبديًا ورغم استمرار بعض الدول في تصدّر مشهد الذكاء الاصطناعي، من حيث الشركات الرائدة، والنماذج الأكثر تقدّمًا، والقدرات البحثية الضخمة، فإنّ هذا التفوّق لا يُنظر إليه باعتباره أمرًا مضمونًا أو دائمًا. فالقوى الصاعدة تضخّ استثمارات هائلة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتسعى إلى تسريع بناء قدراتها الوطنية في مجالات الحوسبة المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية، بهدف تقليص الفجوة التكنولوجية وإعادة توزيع مراكز النفوذ العالمي. التحديات التي سترسم مستقبل القيادة التكنولوجية أولًا: حماية التفوّق التقني أصبحت حماية التقنيات المتقدمة قضية استراتيجية بامتياز، في ظلّ التنافس على الرقائق الإلكترونية المتطورة، والنماذج الذكية، والبنية التحتية الحاسوبية. فالحفاظ على الريادة يتطلّب سياسات فعّالة لحماية الابتكار، ومنع انتقال التقنيات الحساسة إلى المنافسين. ثانيًا: معركة الأسواق العالمية لم تَعُد المنافسة تقتصر على تطوير التكنولوجيا، بل امتدّت إلى تصديرها ونشرها عالميًا. فالدول التي تستطيع توفير حلول رقمية منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام ستحظى بفرص أكبر لبناء نفوذ طويل الأمد في الأسواق الناشئة عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ثالثًا: حماية البنية التحتية الحيوية تحوّلت مراكز البيانات، وشبكات الطاقة، ومصانع الرقائق، إلى أصول استراتيجية تعادل في أهميتها القواعد العسكرية أو الممرات البحرية الحيوية. وأصبح أمن سلاسل التوريد التكنولوجية جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار الدولي. رابعًا: العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا تعتمد الحكومات، بصورة متزايدة، على الشركات التكنولوجية العملاقة لتطوير حلول استراتيجية في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد الرقمي. لكنّ هذا الاعتماد يطرح تساؤلات متزايدة حول حدود نفوذ هذه الشركات وآليات الرقابة على القدرات التي تمتلكها. خامسًا: التوازن بين الابتكار والسلامة يبقى التحدي الأكثر تعقيدًا هو كيفية تحقيق التوازن بين تسريع الابتكار والحفاظ على الضوابط الأخلاقية والأمنية. فالتوسّع غير المنضبط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يخلق مخاطر يصعب احتواؤها مستقبلًا، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو المجتمعات. قضية جيوسياسية من الدرجة الأولى لم يَعُد الذكاء الاصطناعي ملفًا تقنيًا يخصّ العلماء والمهندسين فقط، بل أصبح أحد الملفات الأكثر تأثيرًا في تحديد شكل النظام الدولي القادم. فالقرارات المتعلقة بتطوير هذه التكنولوجيا، وتنظيمها، وحمايتها، ونشرها عالميًا، ستؤثر بصورة مباشرة في توزيع القوة والنفوذ خلال العقود المقبلة. ومع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، يبدو أنّ العالم يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها التفوّق في الخوارزميات والحوسبة والبيانات عاملًا لا يقلّ أهمية عن التفوّق العسكري أو الاقتصادي. وفي هذا السباق المتسارع، قد يكون التأخّر في اتخاذ القرار أو الاستثمار مكلفًا بقدر خسارة معركة استراتيجية كبرى.