في لحظةٍ تاريخيةٍ مضطربة، يقف الشرق الأوسط على حافة معادلةٍ معقّدة: لا أحد في العالم العربي يمكنه القبول بالضربات الإيرانية التي طالت أراضي دولٍ عربية، وفي الوقت ذاته لا أحد يرغب في الانجرار ليكون طرفاً في الحرب التي يدفع إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضدّ إيران بين هذين الحدّين تتشكّل حالة يمكن وصفها بـ”الحيرة السياسية”، مساحة رمادية نجح نتنياهو في دفع المنطقة كلّها إليها، حيث تبدو الخيارات محدودة والخطأ الاستراتيجي مكلفاً. هذا الصراع المتصاعد ليس وليدَ لحظةٍ عسكريةٍ عابرة، بل نتيجة تراكمٍ طويل من الطموحات التوسعية المتقابلة بين إسرائيل وإيران. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن سلسلةً من النجاحات الميدانية المحدودة منحت القيادة الإسرائيلية شعوراً متزايداً بما يمكن تسميته “غرور القوّة”. فحين تتحوّل الإنجازات التكتيكية إلى تصوّرٍ استراتيجي عن الهيمنة، يصبح ميزان القرار السياسي أكثر عرضةً للمغامرة. من “الملاذ الآمن” إلى “القوّة المهيمنة” في بدايات الحركة الصهيونية، التي ارتبطت تاريخياً بمشروع تيودور هرتزل الفكري والسياسي، لم تكن الفكرة الأساسية تقوم على بناء إمبراطورية أو فرض نظامٍ إقليمي شامل. كان المشروع في جوهره أكثر تواضعاً: إقامة ملاذٍ قومي آمن لليهود في أرضٍ يستطيعون فيها إدارة مصيرهم بعد قرونٍ من الاضطهاد. غير أن التحولات السياسية والعقائدية داخل إسرائيل، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية القومية والدينية، أعادت تشكيل هذا المشروع في اتجاهٍ مختلف، اتجاه لا يكتفي بالأمن بل يسعى إلى الهيمنة. لقد شكّل الطابع الانعزالي للمجتمع اليهودي تاريخياً أحد مصادر قوته. فالعزلة الثقافية والدينية وفّرت نوعاً من الحصانة الداخلية التي سمحت ببناء هويةٍ متماسكة وقادرة على الصمود. لكن محاولة الانتقال من عقلية “الملاذ الآمن” إلى عقلية “القوّة المهيمنة” تحمل في طياتها خطراً بنيوياً: فالتوسع غالباً ما يقوّض تلك الحصانة التي كانت أساس النجاح الأولي. في السنوات الأخيرة، بدا أن اليمين الإسرائيلي انتقل سريعاً من عقلية الدفاع المحصّن خلف الجدران وأنظمةٍ مثل القبة الحديدية إلى استراتيجيةٍ هجومية تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العسكرية في الإقليم. عملياتٌ استخبارية دقيقة، ضرباتٌ جراحية، ومحاولات لتفكيك شبكات النفوذ الإيرانية عبر المنطقة. هذا التحوّل عزّز شعوراً داخل بعض الدوائر الإسرائيلية بأن اللحظة مواتية لفرض نظامٍ إقليمي جديد. دروس من التاريخ لكن التاريخ يحمل تحذيراتٍ واضحة. فالنصوص التاريخية التي تروي تمرّد المكابيين في سفر المكابيين تذكر أن التحوّل من تمرّدٍ دفاعي إلى مشروعٍ توسّعي انتهى بانقساماتٍ داخلية وتدخّلٍ خارجي من الإمبراطورية الرومانية، وهي سلسلة أحداث قادت في النهاية إلى تدمير الهيكل الثاني وبدء مرحلة الشتات اليهودي الطويلة. المفارقة أن بعض السرديات السياسية المعاصرة تستحضر هذه النصوص كمصدر إلهام، فيما يتجاهل كثيرون الدروس التي تحملها. في المقابل، فإن قراءة الصراع مع إيران وفق معايير النصر والهزيمة التقليدية قد تكون قراءةً مضلّلة. فإيران بنت استراتيجيتها على مدى أكثر من أربعة عقود على فكرة الصبر الاستراتيجي وطول النفس. وعلى الرغم من الضربات المؤلمة التي تعرّضت لها، بما في ذلك استهداف شخصياتٍ مركزية في منظومة الحكم، فإن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمات والالتفاف حولها كانت دائماً جزءاً من حساباته الأساسية. المفارقة أن إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كانت تُعِدّ نفسها لمواجهةٍ شاملة مع الولايات المتحدة، بينما كانت إسرائيل تبني منظومتها الاستخبارية والعسكرية لمواجهة النظام الإيراني نفسه. هذا التباين في تصوّرات العدو خلق مسارين مختلفين للاستعداد، لكنه أيضاً يفسّر عمق الصراع الحالي وتشابك أدواته. واقعية وطموح وسط هذه المعادلة المعقّدة، تجد الدول العربية نفسها جالسة على خيطٍ رفيع. فمن جهة، لا يمكن القبول بالاعتداءات الإيرانية التي مسّت سيادة بعض الدول. ومن جهةٍ أخرى، فإن الانخراط في حربٍ إقليمية واسعة تقودها إسرائيل قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. الحكمة السياسية تقتضي تجنّب الانجرار إلى الصراع، لكن السيادة تفرض في الوقت ذاته إرسال رسالة واضحة بأن أي اعتداء لن يمرّ دون حسابٍ في مرحلة ما بعد الحرب. ولا يقتصر تأثير هذا الصراع على التوازنات العسكرية والسياسية. فاضطراب إمدادات الطاقة العالمية يهدد ركائز الاقتصاد الدولي، خصوصاً في ظل الطفرة التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يعتمد بشكلٍ متزايد على طاقةٍ وفيرة ومنخفضة التكلفة، جزء كبير منها يأتي من الخليج. أي اضطرابٍ طويل في هذه المعادلة قد يضرب أساسات التحوّل الاقتصادي العالمي. هناك أيضاً مفارقة أخرى في بنية النظام الدولي. فبعض الاقتصادات تنمو في بيئة السلام والاستقرار، بينما يعتمد جزء مهم من الاقتصاد الصناعي العسكري في الولايات المتحدة على استمرار التوترات والصراعات. بالنسبة لواشنطن، ليست كل الحروب فشلاً سياسياً بالضرورة؛ أحياناً تتحوّل إلى جزءٍ من نموذجٍ اقتصادي أوسع. أما إسرائيل، فهي تحتاج إلى الأمن والاقتصاد معاً لتوسيع نفوذها. هذا التناقض في المصالح قد يخلق توترات داخل التحالف نفسه إذا طال أمد الحرب. في نهاية المطاف، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك داخل مسرحٍ معقّد تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات العقائدية والاقتصادية. لكن ما يحدث خلف الكواليس غالباً ما يكون أكثر أهميةً مما يظهر على الشاشات. حين تتحوّل النجاحات التكتيكية إلى شعورٍ بالهيمنة، يصبح القرار السياسي أكثر ميلاً إلى المغامرة، وعندها يبدأ التاريخ غالباً بكتابة نهاياتٍ لم يتوقّعها أحد من الملاذ الآمن إلى حلم الهيمنة الحقيقة التي قد تتكشف قريباً هي أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلةٍ انتقالية قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي وربما أجزاء من النظام الدولي أيضاً. فحين تتقاطع طموحات الإمبراطوريات القديمة مع صعود قوى جديدة وتغيّرات اقتصادية عميقة، فإن النتائج نادراً ما تكون قابلة للتوقّع. ولهذا بالضبط، قد تحمل الأيام القادمة مفاجآتٍ تتجاوز كل السيناريوهات التي يتداولها المحللون اليوم.
في بلدٍ قامت ثورته على إسقاط حكمٍ وراثي، يبرز اسم مجتبى خامنئي الذي تم اختياره مرشدا أعلى لإيران كواحد من أكثر الشخصيات غموضًا وتأثيرًا في بنية السلطة الإيرانية.فالرجل الذي ظلّ لسنوات طويلة يعمل في الظل داخل مكتب والده، المرشد الأعلى الراحل على خامنئي، تحوّل تدريجيًا إلى أحد أهم مراكز النفوذ في الجمهورية الإسلامية، حتى بات اسمه يُطرح بقوة كخليفة محتمل لقيادة النظام. وعلى الرغم أن مجتبى لم يشغل رسميًا أي منصب حكومي رفيع، فإن نفوذه الفعلي داخل مؤسسات الحكم، ولا سيما في العلاقة مع الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية، جعله يُعرف في الأوساط السياسية الإيرانية بلقب “رجل الظل”. يُعد مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، شخصية محورية وغامضة في المشهد السياسي الإيراني. على الرغم من غيابه عن الأضواء الرسمية، إلا أن نفوذه المتزايد وعلاقاته العميقة مع المؤسسات الأمنية، لا سيما الحرس الثوري الإيراني، جعلت منه مرشحاً بارزاً لخلافة والده، وهو سيناريو يثير جدلاً واسعاً حول مستقبل القيادة في الجمهورية الإسلامية. نشأته وتكوينهولد مجتبى خامنئي في مدينة مشهد عام 1969، أي قبل عقد من انتصار الثورة الإسلامية. شارك في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) كعضو في كتيبة “حبيب بن مظاهر الأسدي” النخبوية، وهي تجربة شكلت جزءاً مهماً من خلفيته العسكرية وربطته بعمق بالحرس الثوري. هذه الخلفية العسكرية، إلى جانب روابطه العائلية، منحته ثقلاً سياسياً وعلاقات حيوية مع الحرس الثوري ومؤسسات الأمن القوية في البلاد.في عام 1999، انتقل مجتبى إلى مدينة قم لمواصلة دراساته الدينية، حيث أصبح رجل دين ومعلماً. درس على يد رجال دين محافظين متشددين مثل آية الله تقي مصباح يزدي. ورغم أن مؤهلاته اللاهوتية تعتبر متواضعة مقارنة ببعض كبار رجال الدين، إلا أن هذا لم يمنع والده من تولي منصب المرشد الأعلى بعد تعديل الدستور عام 1989 لتسهيل شروط تولي المنصب. نفوذه خلف الكواليسبعد عودته إلى طهران، تولى مجتبى دوراً في مكتب المرشد الأعلى، حيث أشارت تقارير إلى أن والده قام بتدريبه على قيادة المكتب بمرور الوقت. لقد برز كشخصية مؤثرة تعمل خلف الكواليس، حيث يُزعم أنه أثر في قرارات مهمة، بما في ذلك الدفع لانتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً في عام 2005. كما لعب دوراً رئيسياً في قمع الاحتجاجات الجماهيرية التي أعقبت انتخابات 2009 الرئاسية، مما عزز صورته كشخصية متشددة وذات نفوذ كبير في الأجهزة الأمنية. يُعتقد أن مجتبى خامنئي يمتلك نفوذاً واسعاً من خلال علاقاته المكثفة مع قوات الأمن والحرس الثوري. وقد أشارت تحليلات إلى أن هذا النفوذ قد تعزز في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والتهديدات الخارجية، مما يجعله شخصية قوية قادرة على توجيه دفة الأمور في أوقات الأزمات.لطالما اعتبر مجتبى خامنئي من بين المرشحين الأوفر حظاً لخلافة والده، إلا أن ترشيحه يواجه تحديات كبيرة. أبرز هذه التحديات هو الرفض الداخلي لفكرة “التوريث” في منصب المرشد الأعلى، حيث يرى الكثيرون أن هذا يتعارض مع مبادئ الثورة الإسلامية. كما أن مؤهلاته الدينية المتواضعة نسبياً وعدم شغله لأي منصب حكومي رسمي يمثلان نقاط ضعف في ترشيحه. “توريث الثورة” يُعد اسم مجتبى خامنئي مثيرًا للجدل داخل إيران وخارجها، لأن فكرة وصوله إلى منصب المرشد الأعلى تطرح سؤالًا حساسًا: هل تتحول الجمهورية الإسلامية إلى نظام توريث سياسي؟ الثورة الإيرانية قامت أساسًا على إسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان قائمًا على الوراثة. ولذلك يرى بعض رجال الدين أن انتقال القيادة من الأب إلى الابن قد يشكل سابقة غير مريحة داخل النظام. في المقابل، يرى مؤيدوه أن المسألة لا تتعلق بالوراثة بقدر ما تتعلق بميزان القوة داخل المؤسسات التي تحكم إيران.
تبدو إيران للوهلة الأولى دولة متماسكة تقوم على هوية قومية فارسية ونظام سياسي ديني شيعي. لكن خلف هذه الصورة تختبئ بنية اجتماعية معقدة تتكوّن من فسيفساء واسعة من القوميات والمذاهب. فإلى جانب الفرس الذين يشكّلون الأغلبية، تعيش داخل البلاد أقليات كبيرة أبرزها الأذريون والبلوش والعرب والأكراد والتركمان في قلب هذا النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد، تقف الأقليات الكردية والسنية شاهدة على تاريخ طويل من التحديات والتهميش والسعي للحفاظ على الهوية. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يسعى إلى تقديم صورة لدولة متجانسة تقوم على القومية الفارسية والمذهب الشيعي، فإن هذه الأقليات، التي تشكّل نسبة مهمة من السكان، تمثل واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا لا يمكن تجاهله. هذا التقرير يحلل تاريخ وواقع الأقليات القومية والمذهبية في إيران، ويسلط الضوء على سياسات التهميش التي تتهم طهران بممارستها، كما يستشرف الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأقليات في أي تحولات سياسية مستقبلية داخل البلاد. الأكراد… نضال عبر العصور يمتد الوجود الكردي في إيران إلى قرون طويلة، إذ يعتبر الأكراد من الشعوب الأصيلة في المنطقة. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الميديين الذين أسسوا إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد يمثلون أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي. بعد الفتح الإسلامي، أسس الأكراد عدة إمارات سياسية بين القرنين العاشر والثاني عشر، قبل أن تتغير المعادلات مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر. شكّل صعود الصفويين نقطة تحول مفصلية، إذ فرض الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي بالقوة، ما أدى إلى صراع مع الأكراد الذين يدين معظمهم بالمذهب السني. هذه السياسة لم تؤد فقط إلى تهجير مناطق كردية وتدميرها، بل ساهمت في ترسيخ شعور بالاختلاف القومي والديني داخل الوجدان الكردي. وفي القرن العشرين، تجسد الطموح القومي الكردي في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعش سوى أحد عشر شهرًا لكنها بقيت رمزًا بارزًا في الذاكرة السياسية الكردية. الأقليات في إيران ليست مجرد أطراف جغرافية مهمّشة، بل عقدة سياسية كامنة قد تحدد مستقبل الدولة نفسها السُنة أقلية بعد قرون من الأغلبية خلافًا للصورة السائدة اليوم، كانت إيران ذات غالبية سنية لما يقارب تسعة قرون بعد الفتح الإسلامي. فقد اتبع سكان بلاد فارس في معظمهم المذاهب السنية، خاصة الشافعية والحنفية، وكانت إيران أحد المراكز المهمة للعلوم الدينية السنية. لكن هذا الواقع تغير جذريًا مع وصول الصفويين إلى السلطة عام 1501، حين فُرض المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة، وغالبًا ما تم ذلك بالقوة. وقد أدت هذه العملية التاريخية إلى تغيير ديموغرافي مذهبي واسع، حوّل السنة تدريجيًا من أغلبية إلى أقلية تعيش آثار ذلك التحول حتى اليوم. دولة متعددة القوميات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفرس يشكّلون ما بين 55 و60 بالمئة من سكان إيران، فيما يتوزع الباقون بين قوميات متعددة، أبرزها: الأذريون: 15 إلى 20 % الأكراد: نحو 10 % العرب: 2 إلى 3 % البلوش: نحو 2 % التركمان ومجموعات أخرى بنسب أقل تتركز معظم هذه الأقليات في المناطق الحدودية للدولة، وهو عامل جيوسياسي مهم يمنحها امتدادات قومية خارج الحدود. سياسات التهميش والتمييز تشكو الأقليات القومية والمذهبية في إيران من تمييز سياسي واقتصادي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، نادرًا ما يتولى أبناء هذه الأقليات مناصب عليا في الدولة، مثل الوزارات أو المحافظات أو المناصب السيادية. أما اقتصاديًا، فتُعد مناطق الأقليات من بين الأكثر حرمانًا في البلاد، إذ تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية. ثقافيًا، تفرض السلطات قيودًا على تعليم اللغات المحلية، مثل الكردية أو البلوشية، كما يواجه السنة قيودًا على بناء المساجد في بعض المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة طهران. وتشير تقارير حقوقية إلى اعتقالات متكررة تطال ناشطين من هذه الأقليات، إضافة إلى استخدام القوة في قمع الاحتجاجات، كما حدث في المناطق الكردية والبلوشية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022. العرب في خوزستان… النفط والهوية في جنوب غرب إيران تقع محافظة خوزستان، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد أهمية من الناحية الاقتصادية. فالمنطقة تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطات النفط الإيرانية، وتشكّل شريانًا حيويًا لاقتصاد البلاد. يعيش في خوزستان خليط من القوميات، لكن العرب يشكّلون نسبة مهمة من السكان، خاصة في المناطق القريبة من الحدود العراقية. وقد شهدت المحافظة احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية، خصوصًا على خلفية أزمات المياه والتلوث البيئي والبطالة. البلوش… الخاصرة الأمنية الرخوة في جنوب شرق إيران تقع محافظة سيستان وبلوشستان، وهي واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها اضطرابًا. ينتمي معظم سكانها إلى القومية البلوشية ويتبعون المذهب السني، ويشتكون منذ عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي. بسبب هذه الظروف، شهدت المنطقة عدة حركات تمرد مسلحة، أبرزها جماعة جند الله التي نفذت هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في العقد الأول من الألفية. ورغم نجاح طهران في احتواء كثير من هذه التمردات، فإن المنطقة ما زالت توصف بأنها الخاصرة الأمنية الرخوة للدولة الإيرانية. لماذا تخشى طهران “تمرد الأطراف”؟ في العلوم السياسية، تواجه الدول متعددة القوميات خطر ما يُعرف بـ تمرد الأطراف، أي اندلاع الحركات الاحتجاجية أو المسلحة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة. وفي حالة إيران، تعيش معظم الأقليات في المناطق الحدودية، ما يمنحها ثلاثة عناصر حساسة: امتدادات قومية عبر الحدود، إمكانية التواصل مع جماعات مماثلة في دول أخرى، البعد الجغرافي عن مركز السلطة في طهران. ومع ذلك، لم تنجح أي حركة انفصالية حتى الآن في تهديد وحدة الدولة الإيرانية بشكل فعلي. في إيران، لا يبدأ الصدع من قلب طهران دائماً… بل من أطرافها القومية والمذهبية هل يمكن للأقليات إسقاط النظام؟ رغم حجمها وتأثيرها الجغرافي، يرى معظم الباحثين أن الأقليات وحدها غير قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة قوية من المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قاعدة اجتماعية في المدن الكبرى. لكن في حال تزامن عدة عوامل، مثل: احتجاجات واسعة في المدن الكبرى، أزمة اقتصادية حادة، ضغط دولي متزايد، اضطرابات في المناطق الحدودية، فقد تتحول الأقليات إلى عامل مضاعف للأزمة السياسية داخل البلاد. لم تنجح سياسة القبضة الأمنية التي يتبعها النظام الإيراني في دمج الأقليات بشكل كامل داخل الهوية السياسية للدولة. بل يرى بعض المراقبين أن هذه السياسة ساهمت في تعميق مشاعر الغضب والاحتقان في مناطق الأطراف. ورغم أن الأقليات قد لا تكون القوة الوحيدة القادرة على تغيير النظام، فإن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يكون ممكنًا دون مشاركتها الفاعلة ومعالجة مظالمها التاريخية. فإيران ليست دولة متجانسة، بل دولة متعددة الهويات. وفي لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تبدأ التغييرات… من الأطراف.